الصين، واتجاهات "عسكرة" القدرات المدنية

في حالة أي مواجهة عسكرية مقبلة ستكون الصين طرفاً فيها – خاصة في محيط تايوان – ستواجه واشنطن وحلفاؤها، معضلة بحرية لم تكن موجودة تقريباً قبل عقد من الزمن.

  • مستوى جديد من استخدام القدرات البحرية المدنية عسكرياً.
    مستوى جديد من استخدام القدرات البحرية المدنية عسكرياً.

أواخر العام الماضي، وتحديداً في شهر كانون الأول/ديسمبر، أظهرت صور انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي، منصات إطلاق ذاتية الحركة، خاصة بالصواريخ البالستية الصينية، اتسمت بتمويه خارجي عبر أغطية وهياكل خارجية صفراء، يحاكي شكل رافعات البناء المتنقلة التي تنتجها بالفعل شركة (ZOOMILON) الصينية للمعدات الثقيلة، وهو الأمر الذي وإن كان في حد ذاته، يمثل نقلة نوعية في أساليب تمويه منصات الإطلاق الصاروخية ذاتية الحركة، إلا أنه في الوقت نفسه يطرح "مجدداً" مسألة حدود وأشكال تحوير التقنيات والقدرات المدنية، لخدمة المهام العسكرية.

من حيث الشكل، يعتبر هذا النمط تطويراً كبيراً لأساليب تمويه هذا النوع من المنصات ذاتية الحركة، التي تتسم عادة بالحجم الضخم وسهولة تمييزها عبر الاستطلاع الجوي والفضائي، كما يعتبر امتداداً لمحاولات سابقة لحماية هذه المنصات وإخفائها عن الرصد الجوي، بدأت عملياً منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حيث رصدت المراقبة الجوية الأميركية مواضع وجود منصات الإطلاق الصاروخية السوفياتية بشكل دقيق.

أزمة الصواريخ الكوبية وتمويه منصات الإطلاق

هذه الأزمة شكلت تجربة ميدانية مهمة، أكدت أهمية التمويه الكامل لمنصات الإطلاق المخصصة للصواريخ الاستراتيجية، وقد عمل الاتحاد السوفياتي لاحقاً، على الاستفادة من هذه التجربة، وقام بدمج بعض منصات الإطلاق لتكون ضمن آليات مدنية مموهة، مثل القطارات، التي تم تصميم بعضها ليحمل حاويات تتضمن صواريخ بالستية وعابرة للقارات، كما عمل الجيش الروسي لاحقاً، على تعديل تصميمات بعض منصات الإطلاق الصاروخية ذاتية الحركة – خاصة تلك المخصصة لصواريخ "توبول – إم" و"يارس" العابرة للقارات، لتبدو كمركبات مدنية عادية، مثل شاحنات النقل الثقيلة، بهدف الاندماج في حركة المرور العادية على الطرق السريعة، وتأمين عمليات انتقالها من مواضع تمركزها، وبالتبعية جعل إمكانية تتبعها عبر الأقمار الاصطناعية أكثر صعوبة.

من هذا المنطلق عملت بكين على تطوير هذا التوجه، لتحقيق عدة ميزات تكتيكية، أهمها جعل عمليات رصد واستهداف هذه المنصات أكثر صعوبة، خاصة خلال تحركاتها خارج القواعد الصاروخية المحمية، وبالتالي دمج هذه المنصات بشكل كامل في خطوط السير المدنية، وتعزيز القدرة البقائية للقوة النووية الصينية، في حالة تعرض الأراضي الصينية لهجمات استباقية، علماً أن هذا التطوير يستهدف بشكل أساسي منصات إطلاق الصواريخ النووية عابرة القارات، مثل سلسلة صواريخ "DONG FENG"، خاصة صاروخ "DF-41" الذي يصل مداه إلى 15 ألف كيلو متر.

اللافت في هذا الإطار نفسه، أن محاولات الصين لتمويه المنصات الصاروخية، ركزت خلال السنوات الأخيرة على الجانب البحري "مدني الشكل"، بشكل جعل هذا الجانب من أهم ملامح مساعي بكين لامتلاك "استراتيجية تمويه صاروخية متكاملة"، فخلال معرض "تشوهاي" الجوي الصيني عام 2016، عرضت بكين منصة إطلاق صواريخ معيارية مُدمجة داخل حاوية شحن، يُمكن تبديل حمولتها بشكل مرن وسريع بين عدة خيارات تسليحية، مثل الصاروخ الجوال قصير المدى "WS-43" وقذائف المدفعية الصاروخية من أعيرة 122 و273 ملم. اللافت في هذه المنصة المعيارية، أنها صُممت لتُوضع على الشاحنات أو سفن الشحن المدنية، لتوفر حلاً سريعًا للدعم الناري في البيئات الساحلية، خاصة في مهام الهجوم المفاجئ والكمائن.

اتضح تبنّي بكين هذا التوجه بشكل أكبر، في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، حين عرضت شركة علوم وصناعة الفضاء الصينية (CASIC)، خلال معرض الصين الجوي الذي أقيم في مدينة "تشوهاي" بمقاطعة قوانغدونغ جنوب البلاد، نظامًا قتاليًا للدفاع البحري على شكل حاوية، يضم محطة تشغيل، ومحطة طاقة، وقاذفة صواريخ رباعية، وهو بذلك يصبح نظاماً مستقلاً يمتلك مصدر طاقة خاصاً به، وتستطيع منظومة إدارة النيران الخاصة به، الاتصال بوحدات كشف وقيادة مستقلة متعددة، مثل طائرات الإنذار المبكر، وطائرات الدوريات البحرية، والرادارات الساحلية، وبالتالي وضع خطة قتالية تلقائيًا، وإرسال التعليمات إلى نظام الإطلاق، وهي عملية لا تتطلب أطقماً بشرية كثيفة العدد، حيث لا يحتاج هذا النظام سوى طاقم مكوّن من أربعة أشخاص لتشغيله بشكل كامل.

الأمر الإضافي المثير للاهتمام في هذا النظام، مرونته في إطلاق عدة أنواع من الصواريخ المضادة للسفن، على رأسها صاروخ "YJ-12E"، الذي تصل سرعته إلى ثلاثة أضعاف سرعة الصوت، ويتميز بدقة عالية، وقدرة تدميرية فائقة، وتكلفة تشغيل منخفضة، ويُستخدم بشكل أساسي لمهاجمة السفن السطحية الكبيرة والمتوسطة الحجم، والأهداف الأرضية ذات القيمة العالية، ما يجعله سلاحاً فعالاً لاختراق أنظمة الدفاع الصاروخي المعادية.

من الصواريخ الأخرى التي يمكن تسليح هذا النظام بها، الصاروخ البحري "YJ-18E"، الذي يعتمد على أسلوب التحليق دون سرعة الصوت  نحو الهدف، ومن ثم زيادة سرعة التحليق لتصبح فوق صوتية في مرحلة الانقضاض النهائية على الهدف، مستفيداً من مدى التحليق الكبير الذي يصل إلى 300 كيلو متر، وهو ما يوفر له قدرات ممتازة على استهداف القطع البحرية المتوسطة والكبيرة، ويعتقد أن الجيش الصيني يخطط لاستخدام كلا الصاروخين المشار إليهما في آن واحد، لتنفيذ هجمات متزامنة على القطع البحرية المعادية.

مستوى جديد من استخدام القدرات البحرية المدنية عسكرياً

في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أظهرت صور نُشرت في وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، منظومة الليزر القتالي عالية الطاقة "LY-1"، مثبتة على سطح سفينة مدنية من فئة سفن الشحن بالدحرجة (Ro-Ro)، فيما بدا أنها تجارب على استخدام هذه المنظومة في الأجواء البحرية. هذا النظام ذاتي الحركة، المُصمم لمهام الدفاع الجوي والصاروخي قصير المدى، كُشف عنه لأول مرة علنًا خلال عرض يوم النصر لعام 2025 في بكين، حيث عُرض على مركبة مدرعة ثمانية الدفع، كطبقة دفاع جوي نهائية مصممة للتصدي للتهديدات الجوية الصغيرة ذات البصمة المنخفضة، مثل الطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة، والمروحيات، وتشير بعض التقييمات من المصادر المفتوحة إلى أن قدرة النظام تراوح بين 180 و250 كيلوواط تقريبًا.

على المستوى العملياتي، رُصد خلال مناسبات سابقة، تثبيت هذه المنظومة على سفن الإنزال البرمائية التابعة للبحرية الصينية من الفئة "071"، لكن كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تثبيت قدرات عسكرية متخصصة، على متن سفن مدنية، علماً أن البحرية الصينية عمدت خلال السنوات الأخيرة، إلى دمج سفن البحرية التجارية، في تدريبات الإنزال البرمائي كوسائل نقل مساعدة، وبالتالي يمكن من حيث الشكل اعتبار اختبار هذه المنظومة على سطح سفينة شحن مدنية، مؤشراً على وجود نهج عملي واضح، تعمل البحرية الصينية على اختباره، لحماية قوافل الإنزال البرمائي من التهديدات المعاصرة، فخلال عمليات الإنزال البحري الكبيرة، تكون سفن النقل البرمائية المحملة بالمركبات والأفراد عرضة بشكل واسع للتهديدات الجوية، خاصة التهديدات المسيرة والصاروخية.

يتماشى هذا المفهوم مع الاستعدادات التي تُناقش بكثرة في تحليلات العمليات المحتملة عبر مضيق تايوان، حيث يُتوقع أن تُعزز السفن المدنية عمليات الإنزال البرمائي الصينية، وبالتالي ستتطلب دفاعات مُتكاملة ضد تكتيكات الطائرات المُسيّرة والذخائر الجوالة، وبالتالي يعتبر هذا النهج من جانب الصين، دليلًا على وجود نية لتحويل بعض السفن التجارية، إلى منصات محتملة لمكافحة الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي القريب، وتوسع دمج أسلحة الطاقة الموجهة في العقيدة البحرية الصينية، وكذا تراجع الحدود الفاصلة بين استخدامات القدرات البحرية العسكرية والمدنية، في أي أزمة إقليمية مستقبلية.

باكورة التوجه الصيني نحو استخدام القدرات البحرية المدنية في التطبيقات العسكرية، شهدها شهر كانون الأول/ديسمبر – حين كشفت صور الأقمار الاصطناعية، عن سفينة شحن مدنية صينية، تسمى "Zhong Da 79" داخل حوض لبناء السفن في مدينة شنغهاي، محملة بتعديلات عدة ذات طابع عسكري محض، أهمها 15 حاوية ذات مظهر مدني مطابق لحاويات شحن البضائع، تتضمن كل واحدة منها أربع خلايا عمودية لإطلاق الصواريخ، ما يمنح هذه السفينة 60 خلية إطلاق عمودية. يُضاف إلى هذه الحاويات تجهيزات أخرى، من بينها أجهزة رادار وتجهيزات للدفاع الجوي القريب، مكونة من مدافع من عيار 30 ملم، ومنصات إطلاق شراك خداعية.

أهمية وجود هذا العدد الكبير من منصات الإطلاق الصاروخية، تُعزى إلى أن طبيعة تصميم هذه المنصات، تشير إلى أنها قادرة على إطلاق مجموعة متنوعة من الصواريخ، بما في ذلك صواريخ الدفاع الجوي "HHQ-9"، المناظرة لصواريخ منظومة الدفاع الجوي الروسية "S-300"، وصواريخ "YJ-18" المضادة للسفن، وصواريخ "CJ-10" الجوالة، المناظرة لصواريخ "توماهوك" الأميركية، وهي مرونة غير مسبوقة نظراً لأنها تجمع بين صواريخ الدفاع الجوي والصواريخ البحرية وصواريخ الهجوم الأرضي.

المثير للاهتمام حول هذه السفينة، أنه جرى تعديل تجهيزاتها في وقت لاحق من الشهر نفسه، عبر تخفيض عدد منصات إطلاق الصواريخ إلى 24 منصة فقط، ولوحظ مع التعديل الجديد، وجود تجهيزات بجانب السفينة، خاصة بنظام منجنيق مغناطيسي معياري يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه، لإطلاق الطائرات من دون طيار، ما يمنح السفينة مرونة غير مسبوقة لإطلاق طائرات مسيّرة ثابتة الجناح، رغم حقيقة أن هذه السفينة لم تُصمم أصلًا كحاملة طائرات، وهو ما يطرح إمكانية أن تكون هذه التجربة بمنزلة اختبار لإمكانية تحويل سفن الشحن المدنية، إلى سفن دورية أو سفن للعمليات الخاصة.

هنا لا بد من التنويه بأهمية حاملات الطائرات المسيّرة، التي باتت خلال السنوات الأخيرة، فئةً متزايدة الأهمية من سفن الحرب المستقبلية، وقد خطت دول مثل الصين وإيران، خطوات متقدمة في هذا المجال، وتتفوق الصين بحاملتي طائرات مسيّرة مسطحتي السطح حديثتي البناء.

في الخلاصة، يمكن القول إنه في حال أي مواجهة عسكرية مقبلة ستكون الصين طرفًا فيها – خاصة في محيط تايوان – ستواجه واشنطن وحلفاؤها، معضلة بحرية لم تكن موجودة تقريبًا قبل عقد من الزمن، ألا وهي قدرة البحرية الصينية على تمويه أنظمة عسكرية متفوقة داخل حاويات الشحن التجارية العادية، وهو مفهوم سبق أن كان للولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران و"إسرائيل" تجارب مهمة فيه، لكن الخطوات الصينية في هذا المضمار شابها تسارع نوعي خلال السنوات الأخيرة، ما منح بكين القدرة على نشر أسلحة دقيقة في مواقع متقدمة، من دون نشر أي قطعة بحرية حربية بشكل فعلي.

بالتالي، وبما أن عشرات الآلاف من سفن الحاويات وسفن الشحن متعددة الاستخدامات، تتحرك بشكل يومي ضمن سلسلة الجزر الأولى وبحر الصين الجنوبي – وهي منطقة باتت تعتبر من أهم أولويات الأمن القومي الأميركي، بعد نصف الكرة الأرضية الغربي، بحسب الاستراتيجية المعلنة مؤخراً - فإن أي نزاع مستقبلي في منطقة الإندوباسيفيك، سيطمس الفوارق القائمة منذ زمن طويل بين السفن المدنية والعسكرية، ولا سيما عند استخدام السفن التجارية لدعم العمليات القتالية، وهو ما يمثل تحدياً جدياً أمام القوى البحرية الأساسية على المستوى الدولي.