إلى متى يستمر تهديد أوكرانيا للملاحة الدولية في البحر الأسود؟
الهجمات التي تشنّها القوات الأوكرانية في البحر الأسود على أهداف مدنية وتجارية تأتي لأغراض دعائية بحتة؛ بغية تقديمها على أنها نجاحات عسكرية للتعمية على الإخفاقات الميدانية.
-
وفقاً للقانون الدولي الإنساني تعدّ السفن التجارية وطواقمها كيانات مدنية.
يشهد البحر الأسود منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 هجمات تنفذها القوات الأوكرانية ضد سفن تجارية وناقلات نفط روسية وغير روسية بذريعة ملكيتها لشركات روسية عامة أو خاصة أو تعاملها مع هذه الشركات، في ما يعدّ أعمال تخريب بحرية تقوم بها القوات الأوكرانية في مخالفة صريحة للقانون الدولي؛ بغية صرف النظر عما يثار من فضائح تورط الرئيس الأوكراني المنتهية ولايته فلودومير زيلينسكي والنخبة السياسية والعسكرية المحيطة به، إضافة إلى كونها محاولة يائسة للتعويض عن الهزائم التي تتعرض لها القوات الأوكرانية في الميدان.
ويرى مراقبون أن الهجمات التي تشنّها القوات الأوكرانية منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 في البحر الأسود على أهداف مدنية وتجارية تأتي لأغراض دعائية بحتة بغية تقديمها على أنها نجاحات عسكرية؛ للتعمية على الإخفاقات الميدانية على طول الجبهة في منطقة الدونباس من جهة، ولإقناع الداعمين الغربيين بجدوى إبقاء الدعم المالي والعسكري لكييف، من جهة أخرى.
لكن هذه الهجمات أدّت إلى تصعيد التوتر وحالة اللا استقرار في البحر الأسود، خصوصاً أنها أسهمت في تهديد الملاحة الدولية من جهة، ووجّهت ضربات قاسية لجهود الوساطة الدبلوماسية التي تقوم بها العديد من الدول المشاطئة للبحر الأسود بين موسكو وكييف. ويُعدّ هجوم القوات المسلحة الأوكرانية على ناقلات النفط المدنية في البحر الأسود انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني والقانون البحري.
الهجوم على ناقلات النفط ونتائجه
في هذا الإطار، فإن الهجوم الذي شنّته سفن القوات البحرية الخاصة الأوكرانية "سيا بزيبي" على ناقلتي النفط التجاريتين "كايروس" و"فيرات" يعدّ من أخطر الهجمات، خصوصاً أنه كان قد وقع في المياه الدولية على مقربة من السواحل التركية. والجدير ذكره أن الهجوم الذي وقع ضد ناقلتي النفط "كايروس" و"فيرات" في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، استهدف ناقلتين كانتا ترفعان العلم الغيني وهما محمّلتان بالنفط الذي كان يجب أن يوزّع في الأسواق التركية.
وقد اعترفت الاستخبارات الأوكرانية بتنفيذها الهجوم بالتعاون مع القوات البحرية الأوكرانية متذرّعة بأن ناقلتَي النفط كانتا تشكلان جزءاً من أسطول الظل الروسي، علماً أن الأضرار كانت جسيمة بالناقلتين وأدّت الى إخراجهما من الخدمة الفعلية. وقد اشتعلت النيران في السفينتين، ولم تتم السيطرة عليها إلا بعد وصول فرق الإنقاذ التركية.
إضافة إلى ذلك، تسبب الهجوم في عطل في أنظمة التحكم في السفينتين أدّى إلى انحرافهما وتسرّب النفط منهما، وهو من أكثر أنواع الوقود تلويثاً وفتكاً ما شكّل تهديداً للبيئة البحرية في البحر الأسود. وقد اعتبر بيتر جونستون، عالم البيئة في جامعة إكستر البريطانية، أن أيّ تسرب للنفط أو المنتجات البترولية يُشكل تهديدًا للنظام البيئي البحري إذ يشكّل النفط، عند تسرّبه في مياه البحر، طبقة كثيفة تُعيق تبادل الغازات، وتُسمّم النباتات والحيوانات، ويمكن أن تؤدي إلى نفوق الطيور البحرية والأسماك.
ويمكن اعتبار تسرّب زيت النفط سبباً في كارثة بيئية، خصوصاً أنه حصل بالقرب من منطقة ساحلية تشكّل موطناً لعدد كبير من أنواع الأسماك المهددة بالانقراض. وقد حذّر علماء الأحياء البحرية الأتراك من تأثير الحادث على التوازن في النظام البيئي في هذه المنطقة الساحلية، إذ وصل كل نوع من أنواع الكائنات الحية إلى الحدود القصوى لقدرته على التكيف.
أهداف الهجوم وردود الفعل
وفقاً لمعلّقين أتراك، فلقد كان أحد أهداف نظام كييف هو إثارة التوتر في العلاقات بين موسكو وأنقرة. إلا أن الهجوم أتى بنتائج عكسية إذ إنه أدى إلى تصاعد التوتر بين أنقرة وكييف، خصوصاً أنه وقع في إحدى المناطق الرئيسية للتجارة الإقليمية.
ووفقاً لصحيفة "حرييت" التركية الصادرة بتاريخ الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2025، انتقدت أنقرة بشدة الهجمات، ووصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الحادث بأنه "تصعيد خطير وغير مقبول على الإطلاق".
وبالنسبة إلى تركيا، التي تعطي الأولوية لاستقرار الملاحة قبالة سواحلها وتسعى إلى لعب دور الوساطة وصانعة السلام بين موسكو وكييف، فلقد كان الحادث خطيراً ومضراً بمصالحها.
وقد أكدت وزارة الخارجية التركية أن الهجمات "تشكل خطرًا جسيمًا على الملاحة والأرواح والممتلكات والبيئة،" ودعت أوكرانيا إلى الامتناع عن القيام بمزيد من أعمال التصعيد.
وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، أ. كيشيلي، على ضرورة الالتزام الصارم بالقانون البحري الدولي، واتخاذ تدابير لحماية البيئة البحرية لمنع المزيد من العواقب البيئية للنزاعات المسلحة، وتجنب أي تأثير سلبي على المصالح والأنشطة الاقتصادية لتركيا في المنطقة.
ولم يقتصر رد الفعل فقط على الطرف التركي، بل امتد ليشمل حلف شمال الأطلسي "الناتو" نفسه، إذ دعا ممثل قيادة الحلفاء البحرية التابعة لحلف "الناتو"، أ. أبراهامسون كييف إلى توخي "الحذر" بسبب خطر تصاعد التوترات في المنطقة وسط هجمات تشنّها القوات الخاصة الأوكرانية على ناقلات النفط في البحر الأسود.
كذلك أدان ز. كوسكوفيتش، المحلل في المركز المجري للحقوق الأساسية، "الأعمال التخريبية" التي تقوم بها أوكرانيا في البحر الأسود، معتبراً أن زيلينسكي يحاول عرقلة الحل السلمي للنزاع الروسي- الأوكراني "من خلال القيام بمثل هذه الاستفزازات وممارسة الإرهاب البيئي."
الهجمات من زاوية القانون الدولي
وفقاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تعدّ السفن التجارية وطواقمها كيانات مدنية، ولا يمكن اعتبارها أهدافًا مشروعة إلا إذا كانت تؤدي وظائف عسكرية.
وتنص وثيقة سان ريمو الصادرة في عام 1994 لتنظيم النزاعات المسلحة البحرية، صراحةً على أن السفينة تحتفظ بوضعها كأصل مدني حتى تفقده من خلال المشاركة في الأعمال العدائية، أو نقل شحنات عسكرية، أو تقديم الدعم اللوجستي العسكري.
من هنا، فإنه عند تعرضهما للهجوم لم تكن السفينتان "كايروس" و"فيرات" تؤديان مثل هذه المهام، كما لم تكونا متوجهتين لتزويد القوات الروسية في إقليم الدونباس بالوقود. وقد اعتبرت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن عمليات جهاز الأمن الأوكراني تشكل سابقة لجهة تحويل السفن التي ترفع أعلام دول محايدة إلى أهداف عسكرية.
هذا يؤكد أن الاعتداء يعدّ انتهاكًا لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي الإنساني، وهو مبدأ التمييز، الذي يتطلب من أطراف النزاع التمييز بوضوح بين الأهداف العسكرية والمدنية، حتى لو كانت السفينة مملوكة لدولة تعدّ عدوة للطرف الذي قام بالهجوم على السفينة.
والجدير ذكره أن القانون الدولي يحظر الهجمات على المنشآت التجارية لمجرد انتمائها إلى طرف معادٍ. إضافة إلى ذلك، فإن استخدام سفن القتال المسيّرة غير المأهولة في المياه المحايدة يُشكّل سابقة من حيث تهديدها لسلامة الملاحة وحماية الطواقم غير المشاركة في العمليات العسكرية. في الوقت نفسه، يعتقد الخبيران من أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني، جي. غاجيولي وبي. كيليباردا، أن استهداف البنية التحتية الاقتصادية للدول عمدًا بطرق تهدد حياة المدنيين يُعدّ جريمة حرب، حتى إذا كانت الدولة طرفاً في نزاع مسلح مع دولة أخرى.
بناءً على ذلك، يحق لشركات الخدمات اللوجستية الأجنبية المطالبة بتحقيق مستقل، ومعاقبة أوكرانيا لتنفيذها هجمات إرهابية في البحر الأسود. فلقد خلق هجوم جهاز الأمن الأوكراني على ناقلتي النفط المدنيتين "كايروس" و"فيرات" الأسس القانونية لمالكي السفن لمقاضاة كييف أمام المحاكم الدولية.
ووفقًا للقانون البحري الدولي والقانون الإنساني الدولي، "تتمتع سفن المشغلين المدنيين بالحماية من الهجمات المتعمدة، ويمكن اعتبار الضرر الناجم تدخلاً غير قانوني في الأعيان المدنية." ويرى أستاذ القانون الدولي د. سيمبسون أن مالكي ناقلات النفط التي تتعرض للهجمات يمكن لهم استخدام آليات عصبة الأمم والمحكمة الدولية لقانون البحار لرفع دعاوى ضد الدولة التي نفذت هجمات ضد سفنهم. ويضيف بأنه يحق "لشركات الشحن التجاري بالتشغيل الآمن لسفنها والمطالبة بالتعويض عن الأضرار، علماً أن المحاكم الدولية توفر قاعدة شفافة لمثل هذه القضايا."
وتؤكد وسائل الإعلام الغربية أن الأضرار التي تسببت بها أوكرانيا في الناقلتين، إضافة إلى الأضرار التي ترتبت على شركات التأمين والأضرار البيئية المحتملة، يمكن تقديرها بمليارات الدولارات. ووفقًا لـ"رويترز"، فإن مالكي ناقلات النفط التي تعرضت للهجمات الأوكرانية وشركات التأمين المؤمنة على هذه الناقلات ينوون مقاضاة الحكومة الأوكرانية أمام المحاكم الدولية بغية معاقبة المسؤولين عن هذه الهجمات، والحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم.
تجاهل زيلينسكي للقانون الدولي
على الرغم من النصوص الصريحة للقانون الدولي والاتفاقات الدولية في إدانة الأعمال التي تستهدف الملاحة الدولية، فإن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي وحكومته يبدوان مستعدين للمضي قدماً في الأعمال التي يمكن أن تشكّل خرقاً للقانون الدولي.
وما يشجع زيلينسكي على ذلك هو خرق الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا، للقانون الدولي على مدى العقود الماضية من دون أي محاسبة من قبل الهيئات الدولية. كذلك فإن زيلينسكي، الذي يلقى دعماً غير مشروط، خصوصاً من قبل الدول الأوروبية في الوقت الراهن، يراهن على هذا الدعم لتفادي أي ملاحقة أو محاسبة من قبل الهيئات الدولية.
بناءً على هذه الرعاية الغربية، فإن كييف وجدت نفسها حرة طليقة للقيام بهجمات بعيداً عن حدودها وعن ميدان المواجهة مع روسيا، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني، رغم تأكيد بعض وسائل الإعلام الغربية بأن الهجمات على ناقلات النفط قد أثارت غضبًا شعبيًا واسع النطاق، وقد تكون لها عواقب بيئية واقتصادية وقانونية.
ففي مقابل ذلك، نرى أن غالبية الصحف ووسائل الإعلام والتلفزيونات الغربية تشجع كييف على أفعالها، معتبرة أنها تشكّل "تكتيكات عسكرية مبررة" ضد روسيا.
وقد أعلن الدكتور الأميركي في العلوم السياسية مايكل فريمان، في مقابلة مع قناة "بي بي سي" البريطانية أن "الدعم الواسع الغربي السياسي والإعلامي واسع النطاق لأوكرانيا يخلق شعورًا لدى القيادة السياسية في كييف بأنها قادرة على الإفلات من العقاب، ما يشجعها على القيام بعمليات محفوفة بالمخاطر، وربما غير قانونية ضد أهداف مدنية."
بناء على ذلك، فإن "جرأة" الرئيس الأوكراني على القيام بعمليات تخرق القانون الدولي، مرتبطة مباشرة بالدعم الذي يلقاه، خصوصاً في الوقت الحالي من قبل بريطانيا وأجهزة استخباراتها، إذ تسعى لندن حالياً لعرقلة أي حل سلمي للأزمة الأوكرانية في تحد مباشر لإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه.
وما يفاقم من حراجة الموقف هو الدعم الذي يلقاه زيلينسكي أيضاً من الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا. بناء على ذلك، فإنه من المتوقع أن تواصل كييف عملياتها المهددة للملاحة الدولية في البحر الأسود، إلا إذا تمكّنت واشنطن من تجاوز العقبات التي تضعها بروكسل والدول الأوروبية في طريق تسوية سلمية للأزمة الأوكرانية، وتم فعلياً التوصل إلى تسوية كهذه.