إدمان العصر.. لماذا لا يمكننا التخلي عن الهواتف الذكية؟ (2-2)

مجموعة من الدراسات الحديثة تقدم رؤية شاملة حول أسباب الإدمان على الهواتف الذكية من زوايا نفسية وسلوكية واجتماعية وتقنية.

  • لماذا لا يمكننا التخلي عن الهواتف الذكية؟
    لماذا لا يمكننا التخلي عن الهواتف الذكية؟

من ماكلوهان الذي رأى أن الوسيلة تغيّر الإنسان، إلى يونغ وغريفيثس اللذين أثبتا أن الاستخدام المفرط يمكن أن يتحول إلى إدمان سلوكي، وصولاً إلى توركل وهاريس اللذين كشفا الطابع النفسي- الاجتماعي للتصميم الرقمي، يتضح أن الإدمان على الوسيلة ليس مجرّد فقدان ضبط النفس، بل نتيجة تفاعل بنيوي بين الفرد والوسيلة والنظام التقني الذي يعيد تشكيل حاجاته وسلوكه.

مجموعة من الدراسات الحديثة تقدم رؤية شاملة حول الإدمان على الهواتف الذكية من زوايا نفسية، وسلوكية، واجتماعية، وتقنية، وتسلط الضوء على العوامل المتداخلة التي تؤدي إلى مشاكل الاستخدام المفرط، كما تبين أهمية النظر إلى هذه المشكلة من منظورات متعددة لتحقيق التدخل الأمثل. 

في ما يلي استعراض لبعض هذه الدراسات وأهم الخلاصات التي توصلت إليها، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الاجتماعية والنفسية للعيّنات التي أُخضعت للدراسة وأوجه الاختلاف والتباين بينها وبين مجتمعاتنا العربية. 

استخدام مفرط أم إدمان؟

نشرت مجلة "آفاق الطب النفسي" في العام 2016 مراجعة لمجموعة باحثين حول الإدمان على الهاتف المحمول وحاولت الإجابة على ما إذا كان الاستخدام الإشكالي للهاتف الذكي يعدّ إدماناً سلوكياً حقيقياً. 

خلص الباحثون إلى وجود مجموعة أسباب نفسية وراء هذا السلوك، من أبرزها الاندفاعية العالية والرغبة في البحث عن الإثارة، إلى جانب ضعف القدرة على تنظيم العواطف الشخصية. 

الدراسة توضح أن بعض الأفراد يستخدم الهاتف كوسيلة للهروب من المشاعر السلبية أو لتلبية حاجات نفسية ملحة مثل الحاجة المستمرة للتواصل أو الفضول. كما أن تصميم التطبيقات الذكية يضيف بعداً تقنياً مهماً، حيث تعمل الإشعارات والتنبيهات المتكررة على تحفيز المستخدمين للبقاء متصلين لفترات طويلة. 

تشير الدراسة إلى ضرورة النظر إلى الإدمان على الهاتف من ضمن نموذج متعدد الأبعاد يأخذ بعين الاعتبار العوامل النفسية والفسيولوجية والاجتماعية، وأن المعالجات المستقبلية قد تستفيد من التدخلات التي تستهدف تحسين التنظيم العاطفي وتقليل الاستجابات الاندفاعية.

منظور نفسي- عصبي

دراسة منشورة عام 2025 بعنوان "علم أمراض الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية: مراجعة سردية للعبء، والعوامل الوسيطة، والوقاية" ركزت على تفسير الإدمان على الهاتف الذكي من منظور نفسي- عصبي، حيث ربطت الاستخدام المفرط باضطرابات القلق والاكتئاب، إضافة إلى اضطرابات النوم. 

استعرضت الدراسة الأدلة البيولوجية العصبية التي تشرح كيف تقوم آليات الدماغ بإطلاق الدوبامين عند التفاعل مع الهاتف، ما يؤدي إلى تعزيز السلوك الإدماني. أوضحت أن الاستخدام المفرط للهاتف يعطل أنماط النوم ويزيد من أعراض القلق، مسبباً دورة إدمانية يصعب كسرها. 

أظهرت الدراسة أيضاً أن التدخلات المعرفية والسلوكية التي تهدف إلى تحسين إدارة القلق وتنظيم النوم يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الاستخدام.

دراسة أخرى بعنوان "الاعتماد على الهواتف الذكية وتأثيره على الصحة الجسدية والنفسية" قدمّت إطاراً حيوياً-اجتماعياًbiopsychosocial) ) لشرح ظاهرة الإدمان على الهواتف الذكية، مبينةً كيف تتفاعل العوامل الوراثية مع المؤثرات الاجتماعية والبيئية. 

أوضحت الدراسة أن التركيبة الوراثية للأفراد قد تجعل بعضهم أكثر عرضة للإدمان بسبب حساسية عالية للمتعة والمكافأة. 

إضافة إلى ذلك، تؤثر الظروف الاجتماعية مثل تربية الأسرة، وأنماط استخدام الأقران، وديناميات التواصل الاجتماعي، بشكل كبير على احتمالية الاعتماد على الهاتف. كما ناقشت دور التصميم الرقمي للتطبيقات الذي يستغل النوافذ النفسية والاجتماعية للمستخدمين لتعزيز الاستخدام المفرط، كالتفاعل المستمر والمكافآت الافتراضية. 

توصلت الدراسة إلى ضرورة تبني استراتيجيات وقائية ومدخلات علاجية متعددة المستويات تأخذ بعين الاعتبار العوامل الوراثية والبيئية والتقنية.

تصميم التطبيقات

دراسة موسعة بعنوان "تحديد مؤشرات إدمان الهواتف الذكية من خلال بيانات المستخدمين" أبرزت دور تصميم التطبيقات في زيادة الإدمان، كالتمرير اللانهائي infinite scrolling))، والتنبيهات المستمرة التي تحول الاستخدام من هدف محدد إلى عادة لاإرادية. كما أشارت إلى أن بعض طرق التصميم مثل الموجودة على تطبيقSnapchat) ) لديها تأثيرات إدمانية أشد مقارنة بتطبيقات أخرى، بسبب طبيعة التفاعل والمكافآت الاجتماعية المتكررة. اقترح الباحثون تعديل تصميم التطبيقات كأحد الحلول الممكنة للحد من الإدمان.

في هذا الإطار اعتمدت دراسة بعنوان "هل التصاميم الإقناعية تجعل الهواتف الذكية أكثر إدمانًا؟" منهجيات مختلطة وطبقتها على طلاب الجامعات الصينية، وبحثت التأثيرات المباشرة لتصميمات التطبيقات التي تستخدم استراتيجيات إقناع مثل تقديم مكافآت افتراضية، والعروض المستمرة، والواجهات الجذابة التي تعزز من استخدام الهاتف بشكل مفرط. 

أوضحت أن هذه التصاميم تستهدف تحفيز الدوبامين وتعزيز تكرار التفاعل، ما يجعل من الصعب على المستخدمين التحكم في سلوكهم أو تقليص استخدام الهاتف. دعت الدراسة إلى اللوائح الرقابية لتقليل استخدام التصميمات التي تؤدي إلى الإدمان.

الرغبة في البقاء على اتصال مستمر

بعنوان "الجوانب الاجتماعية للاستخدام الإشكالي للهاتف الذكي: تطوير وتوثيق مقياس PSSNUS وتداعياته على الصحة النفسية لدى الشباب الإسباني"، ركزت دراسة منشورة عام 2024 على الجوانب الاجتماعية في الإدمان على الهاتف الذكي، حيث طورت مقياساً شاملاً لتقييم الأبعاد الاجتماعية للاستخدام المشكل. 

كشفت الدراسة أن العزلة الاجتماعية، والضغط من أجل البقاء على اتصال مستمر عبر الشبكات الاجتماعية، والرغبة في القبول الاجتماعي، هي المحركات الاجتماعية الأساسية للإدمان. كما أوضحت كيف تستغل التطبيقات الذكية هذه الرغبات بالمكافآت الاجتماعية الفورية (مثل الإعجابات والتعليقات)، ما يزيد من الاعتماد العاطفي على الهواتف. 

الدراسة أجرت استبيانات واسعة النطاق لتطوير المقياس وإثبات صحة المعايير، مؤكدة دور البيئة الاجتماعية والتفاعلات الرقمية في تحفيز نمط الإدمان.

كما توصلت دراسة بعنوان "عوامل الخطر لإدمان الهواتف الذكية: مراجعة منهجية للدراسات الطولية" منشورة في العام 2024 إلى سبعة عوامل رئيسية تسبب الإدمان على الهواتف الذكية، تتضمن الضغوط الأكاديمية والإجهاد النفسي، والتنمر والرفض الاجتماعي، إضافة إلى ضعف وظائف الأسرة. 

هذه العوامل تؤدي إلى مشاعر العجز والضغط النفسي التي تحفز الاعتماد على الهاتف كوسيلة للهروب والتواصل، مع دور واضح للعزلة الاجتماعية وتأثيرها في تكوين الاعتماد السلوكي. الدراسة تؤكد ضرورة فهم هذه العوامل في إطار علاجي ومجتمعي لخفض نسبة الإدمان.​

القلق من تفويت الأحداث

دراسة بعنوان "عوامل التنبؤ بإدمان الهواتف الذكية وتأثيره على جودة الحياة" أجريت على عينة من البالغين الشباب في بنغلادش وجدت أن الاستخدام الإجباريcompulsive use) ) واستخدام الهاتف للترفيه والاتصال الاجتماعي يثيران نظام المكافأة الدماغي، ما يجعل السلوك مدفوعاً بالرغبة في المتعة اللحظية والقلق من تفويت الأحداث FoMO)).

أظهرت الدراسة أن هذه العوامل مرتبطة بالنفور من التواصل الواقعي وانخفاض جودة الحياة، مع الإشارة إلى الآثار السلبية على النوم والصحة العامة. أكدت أهمية معالجة السلوك القهري ضمن خطط التدخل العلاجي.

دراسات على المراهقين والبالغين

دراسة أخرى بعنوان "الاستخدام المفرط للهواتف الذكية مرتبط بمشاكل صحية لدى المراهقين والبالغين الشبان" أجرت استبياناً على عينة من الطلاب لتقييم العلاقة بين الاعتماد على الهواتف الذكية وبين عوامل نفسية ومهارات التواصل الاجتماعي. 

أكدت النتائج أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الاعتماد الشديد على الهاتف الذكي وانعدام الأمان العاطفي، حيث يعتمد المستخدمون على الهاتف كآلية للتكيف وتخفيف القلق والاكتئاب. 

كما بينت الدراسة أن ضعف تنظيم المشاعر، وعدم القدرة على التواصل بشكل فعال في الحياة الواقعية، يؤديان إلى تمسك أكبر بالهاتف كوسيلة تواصل بديلة. 

استخدمت الدراسة بيانات كمية من الاستبيانات لتقييم العوامل النفسية والاجتماعية المرتبطة بالاستخدام المُفرط، وأكدت أن هذه العوامل تُغذي نمطاً متكرراً من الاستخدام الذي يتحول إلى إدمان سلوكي بسبب الاعتماد على الهاتف كمصدر دعم نفسي واجتماعي.

كما تناولت دراسة "الضغوط الاجتماعية وتأثيرها على التمسّك في استخدام الهواتف الذكية" مسألة الضغوط الاجتماعية وتأثيرها على الاستخدام المستمر للهاتف في أوساط المراهقين على وجه التحديد، مثل تقليد الآخرين، والإكراه الاجتماعي، والمعايير الاجتماعية التي تفرض استخدام الهاتف حتى عندما يكون غير مرغوب به، أشارت إلى أن هذه الضغوط قد تسبب "لزاجة الاستخدام"use stickiness) ) والتي تجعل المستخدمين غير قادرين على قطع الاتصال بسهولة، ما يولّد اعتماداً نفسياً وسلوكياً. وأكدت الحاجة إلى توعية مجتمعية للحد من هذه الضغوط.