"طوفان الأقصى": ما حققه الكيان الصهيوني وما حققته المقاومة العربية

المقاومة رغم التضحيات لم تخسر الكثير من الناحية السياسية، في المقابل، فقد خسر نتنياهو الحرب بشكل فعلي مما دفعه إلى مطالبة رئيس الجمهورية الصهيوني بالعفو عنه علناً.

  • ما حققه الكيان الصهيوني وما حققته المقاومة العربية.
    ما حققه الكيان الصهيوني وما حققته المقاومة العربية.

كيف يمكن تحديد الانتصار والهزيمة في معركة كـ"طوفان الأقصى"، التي شهدت مواجهات للكيان الصهيوني المدعوم أميركياً وأوروبياً مع محور المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن ثم إيران؟ من الشائع عند الكثير من المحللين محاولة التعامل مع نتائج أي معركة عبر احتساب عدد القتلى وحجم الدمار، في حالة خلط مفرطة السذاجة بين المعركة العسكرية ومشاجرات الشوارع التي يتم احتساب نتائجها بالأسلوب ذاته، ومثل هذا الأسلوب يعبّر إما عن سوء نية أو انفعال ناتج عن قلة الخبرة.

 في البداية، يجب أن نتفق على مبدأين أساسيين: الأول أن الحرب تقاس بالنتائج التي أدّت إليها وليس بحجم التدمير لدى أي طرف. والثاني أن رؤية هذه النتائج يجب أن تكون شاملة وليست قاصرة على مكان واحد كلبنان أو فلسطين أو حتى الكيان الصهيوني. ومن هنا، يمكننا أن نستعرض ما الذي تمكّنت المقاومة من تحقيقه في مواجهة الكيان الصهيوني طوال عامين من الصراع.

 خلفيات "طوفان الأقصى" 

 لماذا تمت عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر عام 2023؟ لم يكن الأمر مجرد مغامرة قامت بها مجموعات المقاومة في غزة، وإنما يمكننا وصفها بأنها عملية استباقية لمشروع صهيوأميركي كان يجب إتمامه لتحقيق أهداف عدة تخدم هذا الكيان والمشروع الأميركي.

 في تموز/يوليو 2022، تأسست مجموعة I2U2 على هامش زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الشرق العربي، واعتبرت امتداداً لمجموعة التعاون الثلاثي السابقة بين الهند والإمارات والكيان الصهيوني، والتي بدورها تأسست بعد توقيع "اتفاقيات إبراهام" 2020، لكن المجموعة الجديدة I2U2 انضمت إليها الولايات المتحدة الأميركية (I تجمع الكيان الصهيوني والهند وU تجمع الولايات المتحدة والإمارات) لإضافة البعد الجيوسياسي والاقتصادي.

 من ضمن أوجه التعاون بين هذه الرباعية هو الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي المعروف باسم ممر التوابل، والذي أعلن عنه في قمة العشرين G20 المنعقدة بالهند في أيلول/سبتمبر 2023 واعتبر كامتداد عملي لأهداف هذه المجموعة، وهذا الممر يربط الهند بأوروبا عبر خطوط نقل وموانئ وسكك حديدية تنتهي في الجانب الآسيوي بميناء حيفا في الكيان الصهيوني.

 لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فمنذ عام 2021 يخطط الكيان الصهيوني إلى تأسيس مشروع آخر يسعى به للقضاء على قناة السويس في مصر، وجاءت الاتفاقات على ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا لتمنح المشروع أهمية كبرى، وهو مشروع قناة بن غوريون التي تربط البحرين الأحمر والمتوسط، وهي قناة مؤلفة من ممرَين بعمق 50 مترًا وعرض 200 مترٍ على الأقل لكل منهما، أي بزيادة 10 أمتار بالعمق عن قناة السويس، لتستطيع السفن التي يصل طولها إلى 300 متر وعرضها إلى 110 أمتار، من عبور القناة.

وبحسب ادعاءات الكيان الصهيوني، فإن طبيعة الأرض التي ستنشأ عليها القناة صخرية، ما يعني أنها نادرًا ما تحتاج إلى صيانة وتتحمل ضغوطًا قوية، على عكس قناة السويس ذات الطبيعة الرملية وتحتاج دائمًا إلى متابعة ومراقبة.

ويرى الكيان الصهيوني أن الوادي المحاذي لقطاع غزة، والذي يمتد من جبل شجرة البقر بالقرب من مستوطنة "سديه بوكر" إلى منطقة الزهراء شمال قطاع غزة يقسم قطاع غزة جغرافيًا إلى قسمَين: شمالي وجنوبي، هي الأكثر صلاحية لامتداد القناة إلى البحر المتوسط، وكان قادة الكيان يأملون في جرف الوادي وتوسيعه ليصبح قناة ملاحية تستوعب حركة الملاحة البحرية وتسمح بمرور السفن الكبيرة.

وبناء على هذا المشروع، كان الكيان الصهيوني يأمل في إيجاد مسار بحري للممر الهندي-الأوروبي يمر عبر البحر الأحمر ثم خليج العقبة وينتهي عند موانئه على البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا.

 من المؤكد أن مثل هذه المشروعات التي سعى الأميركيون لتنفيذها لمصلحتهم ومصلحة الكيان الصهيوني، لا يمكن إتمامها مع وجود سلاح المقاومة العربية في فلسطين ولبنان، والتي قد تهدد هذه المسارات في حال نشوب أي صراع، وبالتالي كان قرار خوض هذه الحرب متخذاً بالفعل لدى الكيان الصهيوني سواء تمت عملية "طوفان الأقصى" أو لم تتم، ويبدو أن إدارة بايدن كانت قد منحت الكيان ضوءاً أخضر لفعل كل ما يجب فعله من أجل إنجاز هذا المخطط.

 الآن، يمكننا استعراض ما الذي حققه الكيان الصهيوني وما الذي فشل في تحقيقه نتيجة ضربات المقاومة العربية والإيرانية للمشروعات الصهيوأميركية:

 ما حققه الكيان الصهيوني: يجب أن نعترف أن الكيان الصهيوني تمكن من تحقيق بعض النجاحات، في غزة قام الكيان الصهيوني بعمليات إبادة جماعية حيث قتل أكثر من 79 ألف شخص ينقسمون ما بين 70 ألف قتيل مسجل وأكثر من تسعة آلاف مفقود، وجرح ما يقارب 171 ألف شخص، بالإضافة إلى تدمير كامل في القطاع شمل مدناً بأكملها ومستشفيات ومنشآت تعليمية ومراكز ثقافية، وتحوّلت أجزاء كبيرة من القطاع إلى مناطق غير صالحة للسكن.

 في لبنان، كان حجم الدمار كبيراً كذلك، حيث استشهد أكثر من 4 آلاف شخص ما بين عسكريين (مقاومين بالإضافة إلى أفراد من الجيش اللبناني) ومدنيين، وهذا العدد يواصل التصاعد يومياً حتى الآن. وتدمرت 317 ألف وحدة سكنية بشكل بسيط أو متوسط في مقابل تدمير أكثر من 51 ألف وحدة سكنية بشكل كامل، كما نزح مليون مواطن لبناني تقريباً من المناطق الحدودية إلى الداخل. وبشكل عام، تقدر الخسائر في لبنان بنحو 14 مليار دولار.

 بالنسبة إلى اليمن كان حجم الخسائر هو الأقل، ولم يتجاوز مقتل 12 فرداً مع تضرر مناطق عسكرية ومدنية بما في ذلك مواقع إطلاق الصواريخ، حسب التقديرات.

 أما إيران وخلال المواجهة التي استمرت 12 يوماً مع الكيان الصهيوني، فقد شهدت استشهاد 1190 شهيداً بين مدنيين وعسكريين وعلماء نوويين، وتدمر عدد من مواقع البنية التحتية بالإضافة إلى تعرض مواقع نووية وعسكرية وصاروخية للهجمات الصهيونية والأميركية.

 لكن، ما يفاخر به الكيان الصهيوني في الواقع هو عمليات الاغتيال للقادة، والتي شملت الشهداء إسماعيل هنية وسماحة السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين والقائد يحيى السنوار، بالإضافة إلى الرئيس الإيراني السيد إبراهيم رئيسي والذي تدور الشكوك حول كيفية استشهاده، وإعداد أخرى من الشهداء وهي عمليات ما زالت مستمرة حتى الآن.

 ما خسره الكيان الصهيوني في الحرب مع المقاومة: في المقابل، يتعمّد البعض عدم النظر إلى حجم خسائر الكيان الصهيوني في هذه الحرب، وحتى لو اعتمدنا على ما يعلنه الكيان، فإن حجم خسائره كبير للغاية، فقد أعلن الكيان عن مقتل ألفي قتيل ونحو 80 ألف جريح، وهذا العدد ما زال يتصاعد في الصدام اليومي مع المقاومة في فلسطين، كما أجبر ما يقرب من 165 ألف صهيوني على النزوح من الشمال ومستوطنات غلاف غزة نتيجة للحرب.

ومن الناحية الاقتصادية، فقد بلغت تكلفة الحرب 67 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الصهيوني. وكنتيجة للحرب، فقد شهد الكيان عجزاً في الموازنة بنسب قياسية، وانكماشاً في الاقتصاد بلغ 4.1% وتضررت قطاعات مهمة في الاقتصاد الصهيوني، وخصوصاً قطاع التكنولوجيا الفائقة (هاي تك) بالإضافة إلى قطاعات البناء والخدمات والصناعة بسبب التجنيد والنزوح، وأدت هجمات المقاومة اليمنية وضربات إيران وحزب الله إلى تدمير ميناءي "إيلات" وحيفا وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر.

 من ناحية الخسائر العسكرية، فقد خسر الكيان الصهيوني 1108 آلية عسكرية بما فيها الدبابات وناقلات الجند، وخضوع 85 ألف جندي للعلاج النفسي وتتوقع وزارة الصحة الصهيونية أن يرتفع هذا العدد إلى 100 ألف، بالإضافة إلى مليوني مواطن صهيوني سيحتاجون إلى هذا النوع من العلاج. وسجل "الجيش" الصهيوني نجاح 36 محاولة انتحار من بين 279 محاولة منذ 18 شهراً.

 أما الخسائر في المنشآت، فقد قدرت بنحو 3 مليار دولار سواء في الشمال أو مستعمرات غلاف غزة، كما تم تدمير العديد من المناطق السكنية من بينها عدد من الأبراج تقدر تكلفة إعادة كل واحد منها 300 مليون دولار، وتلقت حكومة الكيان الصهيوني 40 ألف طلب تعويض من مصانع وشركات ومنشآت متضررة، بالإضافة إلى تدمير معهد "وايزمان" للعلوم في "رحوفوت". 

 وبالرغم من التعتيم الصهيوني، فقد قتل في الحرب العديد من القادة العسكريين والباحثين في معهد "وايزمان"، وإن كان قد تم الإعلان مؤخراً عن مقتل أحدهم وهو لينور فاستر وهو باحث بارز في معهد "وايزمان"، والعقيد يوناتان شتاينبرج قائد اللواء 417 "يو اف" والعقيد أساف حمامي قائد اللواء الجنوبي بفرقة غزة، كما تحدثت تقارير عن عمليات اغتيال ناجحة استهدفت قادة عسكريين صهاينة برتبة عميد، وإن كان الكيان الصهيوني لم يعترف بها رسمياً.

 حسناً، هناك تقارب واضح في الخسائر، بالرغم من الدعم الأميركي المطلق في بعض المراحل، والدعم الأوروبي كذلك. لكن، يجب علينا الآن أن نقوم بتحليل تأثير هذه الخسائر على نتائج الحرب، ومن الذي أدت خسائره في المعركة إلى خسائر سياسية أكبر!

 بعيداً من الأرقام، فكل من إيران واليمن والمقاومة العربية في لبنان وفلسطين، لم يخسروا مواقع نفوذهم، وبمجرد انتهاء الحرب خرج مقاتلو حماس وأعادوا السيطرة على القطاع، أما حزب الله والمقاومة في لبنان، فرغم الخسائر البشرية ما زالوا يحتفظون بقوة الردع القادرة على إيقاف أي مغامرة صهيونية برية، كما يحتفظون بموقعهم السياسي والجماهيري بوضوح، ما دفع المبعوث الأميركي والسفير في تركيا توماس براك إلى الاعتراف بعدم القدرة على نزع سلاح حزب الله بالقوة.

 إذاً، الكيان الصهيوني لم يتمكن من تحقيق أي أهداف سياسية، لكن ننظر إلى الجهة الأخرى من العملة، ما الذي خسره الكيان الصهيوني بناء على هذه النتائج:

1- إيقاف المشروع الصهيوني بالتطور في مجال التكنولوجيا الفائقة: أدت الحرب وتركيز المقاومة على منطقة وادي السيليكون الصهيونية إلى إيقاف المشروع الصهيوني الذي بدأ منذ 35 عاماً بالتطور في هذا المجال الهام. وكان الهدف الحقيقي هو محاولة التجهيز للتوسع والتحوّل إلى مركز استقطاب رأسمالي في الشرق العربي بدعم من المجمع المالي في الولايات المتحدة الذي تطور وضعه ومصالحه مع التحوّل من الاقتصاد الصناعي إلى العولمة والتركيز على اقتصاد الخدمات والتكنولوجيا. وتعرض هذا المشروع بالكامل لانتكاسة بعد تولي دونالد ترامب اليميني الأنكلوسكسوني الشعبوي والمعادي للعولمة.

2- إيقاف المشروع الصهيوني في سوريا: شهدت الحرب متغيّراً اعتبر لمصلحة الكيان الصهيوني بالرغم من أن الأتراك هم من قاموا به، وهو سقوط نظام البعث برئاسة الدكتور بشار الأسد، وتولي المجموعات الجهادية الحليفة لتركيا مسؤولية السلطة برئاسة أحد الشرع. هدف المشروع الصهيوني إلى تحقيق فكرة إنشاء كيان كردي في الشمال الشرقي لسوريا وكيان درزي في الجنوب والتواصل بينهما عبر ممر داوود في الصحراء السورية، والواقع أن مشروع ممر داوود كان سيلتقي مع مشروع آخر يسعى لتفتيت إيران وفصل آذربيجان وكردستان الإيرانيتين عنها لفتح ممر بري يمتد من الهند إلى الكيان الصهيوني عبر ممر زانغزور ثم كردستان الإيرانية والعراقية والسورية مروراً بممر داود وحتى الكيان الصهيوني، لكن الفشل الصهيوني وعداء الأتراك لهذا المشروع الذي يقوم بتحييدهم علناً وتهديد وحدة أراضيهم، ثم احتياج ترامب إلى الأتراك وعداءه لمشروعات نتنياهو الاستقلالية، كلها عوامل منحت الأتراك الأفضلية، والأسوأ أن القوات الصهيونية التي كانت تتحرك كما يحلو لها في سوريا بدأت تتلقى مقاومات موجعة في بيت جن أدت حسب إعلانه إلى إصابة 6 من جنوده وخسائر في الآليات في معركة استمرت لساعتين، وهي مقاومة يعتقد بعض المحللين أنها مدعومة من إيران.

3- تهميش الكيان الصهيوني ولو مؤقتاً من مسار الممر الهندي-الأوروبي وتصاعد الدورين المصري والتركي: من بين أهم النتائج المؤلمة للكيان الصهيوني هي تهميشه من مسار الممر الهندي – الأوروبي، والذي كان من المفترض أن يبدأ من موانئ الهند إلى الإمارات (الفجيرة – جبل علي) ومنه عبر السكك الحديدية إلى السعودية ثم الأردن وينتهي بميناء حيفا الصهيوني، وكان المسار البحري سينتقل من الهند عبر البحر الأحمر إلى ميناء "إيلات" ثم عبر قناة بن غوريون (المفترضة) إلى ميناء عسقلان أو ميناء في شمال غزة، ومنه إلى أوروبا، وهذان المساران أصبحا في حكم المنتهي بعد نجاح المقاومة العربية والإيرانية في تدمير ميناءي إيلات وحيفا وإيقاف الملاحة في البحر الأحمر، وخلال قمة شرم الشيخ للسلام تم رد الاعتبار إلى الدورين التركي والمصري وإلى قناة السويس في هذا الممر، وهناك مساران جديدان يبدأ أولهما من موانئ الهند وحتى ميناء الفاو ومنه عبر طريق التنمية إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، والمسار الآخر سيمتد عبر البحر الأحمر إلى قناة السويس ومنها إلى أوروبا، وتم تهميش كل من الكيان الصهيوني والإمارات وحتى السعودية من هذا المسار. 

من المؤكد أن هذه النتيجة تمثل انتصاراً للرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي هدد سابقاً ممر التوابل بقوله "لا ممرات من دون تركيا"، وهذا الانتصار سمح له بفرض معادلته على الكيان الصهيوني في سوريا. كما أن هذا المسار الجديد سمح مرة أخرى بعودة الدور المصري في القضايا العربية، وهو دور مرحّب به، لأنه يتحرك من موقع قومي في مقابل الوجه الطائفي الواضح لدول الخليج ضد الشيعة وجماهير المقاومة، ما أدى إلى تراجع الدورين السعودي والإماراتي، وهي انتكاسة للكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية وكلاهما حرص على تحييد الدور المصري سابقاً. 

من ناحية أخرى، تم القضاء على الفكرة التي طرحها وزير النقل الصهيوني السابق يسرائيل كاتس بإعادة إحياء طريق الحجاز، والذي يربط ميناء حيفا في الكيان الصهيوني بدمشق وعمان والمدينة المنورة في الحجاز، وهذا الطريق الذي كان يحلم به كاتس يهدف إلى تعميق التبادل التجاري ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية بحيث يكون ميناء حيفا (تستثمره شركة هندية) هو الذي تلتقي عنده خطوط التجارة الرئيسية والفرعية.

في المقابل، ورغم الضربات الأميركية والصهيونية، تمكنت إيران وروسيا من تشغيل ممر الشمال-الجنوب الذي يربط ميناء تشابهار الإيراني بمدينة سان بيترسبورغ الروسية، كما تم تفعيل ممرين يربطان إيران بتركيا والخليج وهما ممر الشارقة-بندر عباس-مرسين، وممر الربط البري بين إسطنبول-طهران-إسلام أباد وهو ممر يخدم مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، ومثل هذه الممرات الجديدة يقلل من أهمية الكيان الصهيوني ويمثل ضربة للمشروعات الأميركية الهادفة إلى عزل إيران، إلا أنها قد تكون كذلك مادة للمساومة مع إيران لاحقاً.

4- تآكل الدعم الأميركي والأوروبي للكيان الصهيوني: من بين الخسائر الكبرى للكيان الصهيوني في هذه الحرب هو سقوط سردية المظلومية التي كان يواجه بها شعوب العالم، وخصوصاً الشعوب الأوروبية والشعب الأميركي، ونتج عن هذا السقوط تصاعد الكراهية والعداء للكيان الصهيوني، وتراجع الدعم الأوروبي والأميركي، خصوصاً مع خشية ترامب من مشروعات بنيامين نتنياهو لتحويل الكيان الصهيوني إلى مركز استقطاب رأسمالي مستقل وبعيد عن الإشراف والسيطرة الأميركية، وهو ما جعل دعمه لنتنياهو مشروطاً وأكثر تركيزاً على الردع بدلاً من الدعم الهجومي المطلق.

وساعد على اتخاذ هذا الموقف أن خزائن السلاح الأميركي تعاني من عجز نتيجة الحرب الروسية-الأوكرانية والحرب الصهيونية على محور المقاومة في الشرق العربي، وهو ما كشفه صموئيل بابارو قائد الأسطول الأميركي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خلال تعليقه على توسع كوريا الشمالية في اختبارات الصواريخ الباليستية التي تجاوز مدى بعضها 7 آلاف كيلو متر، إذ أشار إلى أن الالتزامات العالمية للولايات المتحدة سواء الحرب الروسية- الأوكرانية أو الصراع بين المقاومة العربية والكيان الصهيوني في الشرق العربي، قد أدت إلى استنزاف المخزونات التي قد تحتاج واشنطن إلى حشدها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بالإضافة إلى أن المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة والصدام المرتقب مع الصين لا تسمح لها بتعويض الكيان الصهيوني عن خسائره الاقتصادية. وقد أدت حالة الرفض الجماهيري لنتنياهو والكيان الصهيوني إلى صعوبات فعليه لدى المؤيدين لهذا الكيان ما دفع بعضهم إلى التراجع عن التأييد، ولو بشكل علني.

5- تعميق التناقضات داخل الكيان الصهيوني: يعاني الكيان الصهيوني من وجود عدد من الانقسامات المعقدة والمتداخلة بين مواطنيه، فهناك الانقسام بين العلمانيين والمتدينين (الحريديم)، وهناك الانقسام العرقي بين الأشكيناز وهم يهود شرق أوروبا والسفارديم وهم يهود غرب أوروبا واليهود المزراحيم القادمون من الشرق العربي والإسلامي، وهناك يهود الفلاشاه القادمون من أثيوبيا والقرن الأفريقي، وهذا الانقسام يتداخل مع الانقسام الطبقي، فالوظائف الكبرى في معظمها من نصيب الأشكيناز، وقد بدأ السفارديم منذ الثمانينيات محاولة اقتحام هذه الوظائف، ورغم تحقيقهم بعض النجاحات فإن الطبيعة العامة للدولة والمناصب الكبرى ما زالت في يد الأشكيناز.

وفي المقابل، تقل جداً نسب المزراحيم في هذه المناصب (يصنفون ضمن السفارديم)، أما الفلاشاه فهم الأكثر فقراً ويتعرضون للتمييز العرقي بوضوح أكثر. أدى الضغط الاقتصادي لهذه الحرب إلى مزيد من التصدع داخل الكيان الصهيوني وهو تصدع معرض جداً للاتساع، وقد برز بوضوح في الأزمة التي أثارتها قضية تجنيد الحريديم، حيث يرى العلمانيون أن الحريديم يتمتعون بدعم الدولة دون أي مقابل.

6- نهاية نتنياهو سياسياً: يمكن القول إن رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو قد انتهى سياسياً بالفعل، وأن الأمر مسألة وقت ريثما يجد رونالد ترامب بديلاً حقيقياً يمكن تهيئته لتولي رئاسة الحكومة الصهيونية، والترجيحات تتمحور حول مجموعة من البدائل لكن أهمهم: بيني غانتس، غادي آيزنكوت، ونير بركات.

وبالفعل، هناك خطوط اتصال مباشرة بين دونالد ترامب وبيني غانتس، حيث التقيا بشكل منفصل عن نتنياهو في 2020 لمناقشة "صفقة القرن"، وهو القائد الأكثر شعبية في استطلاعات الرأي ويحظى بقبول واسع، كما أن نير بركات ذا الأصول اللبنانية قد يكون مرشحاً ذا قيمة في حال أراد ترامب تهدئة الموقف بين الكيان الصهيوني ولبنان وتمرير اتفاقية سلام بينهما (يلاحظ الجميع الشبه الغريب بين نير بركات وسامي الجميل زعيم حزب الكتائب، وقد يستغل الإعلام المؤيد لسلام مع الكيان الصهيوني هذا التشابه لتمرير أي اتفاقيات بين جماهير الأحزاب اليمينية)، والتواصل مع الجيران العرب.

كما أن جمع بركات بين الخبرات العسكرية والاقتصادية سيجعله الأقرب إلى ترامب إن كان الهدف في المرحلة القادمة هو التعافي الاقتصادي وتأمين مسارات الممرات التجارية. لكن هناك قضية أخرى قد تدعم بركات وهي فكرة المنطقة الاقتصادية الترامبية في جنوب لبنان، والتي يرغب ترامب في جعلها بمنزلة الحاجز بين الكيان الصهيوني ولبنان، وعلى الأغلب سوف يسعى ترامب لعقد صفقة مع المقاومة بأن تحتفظ بسلاحها مقابل السماح له بإنشاء هذه المنطقة العازلة (وهي مقايضة مرفوضة أصلاً بالنسبة إلى المقاومة)، ومما يقوي هذا الاحتمال تصريح توماس براك الأخير باستحالة نزع سلاح الحزب بالقوة، والسلوك الدبلوماسي المهذب (غير المعتاد) لأورتاغوس خصوصاً مع الرئيس نبيه بري، ما يشير إلى محاولة بناء قنوات خلفية تمهيداً لعرض مقايضة.

 إذاً، في حال نظرنا إلى الصورة العامة فسوف نكتشف أن المقاومة، رغم التضحيات، لم تخسر الكثير من الناحية السياسية، وفي المقابل، فقد خسر نتنياهو الحرب بشكل فعلي مما دفعه إلى مطالبة رئيس الجمهورية الصهيوني بالعفو عنه علناً، والتي اعتبرت استدراراً للشفقة بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه أو الحصول على تقاعد مشرف، كما خسر الكيان الصهيوني من الناحية الاقتصادية والعسكرية وحتى المعنوية الكثير في هذه الحرب، مما لا يمكن تجاهله على الإطلاق، لعل أهم خسائره سردية المظلومية والاضطهاد التي تاجر بها منذ نشأته، ومشروعه الذي يعمل على تنفيذه منذ أكثر من ثلاثين عاماً بالتحوّل إلى منطقة تمركز رأسمالي مستقل في الشرق العربي، وهو المشروع الذي نجحت المقاومة في القضاء عليه، ولو مؤقتاً.