مركزية غرب آسيا.. هكذا لن تطلق واشنطن رصاصة ضد بكين! (1/2)
قراءة في كيف تتحوّل منطقة غرب آسيا من ساحة صراع إقليمي إلى العقدة الحاسمة في التنافس الأميركي–الصيني على النظام العالمي.. هل فعلاً تريد الولايات المتحدة الانكفاء والتفرغ للصين؟
-
الاستراتيجية الأميركية لا تهدف إلى خوض حرب كبرى بل إلى تفادي تلك الحرب قدر الإمكان.
في صيف عام 1405، شهدت موانئ "نانجينغ" الصينية مشهداً مهيباً، حيث انطلق الأدميرال "تشنغ خه" (المعروف في المراجع العربية والشرقية باسم "حجي محمود شمس") على رأس أضخم أسطول بحري في التاريخ القديم، سمي "أسطول الكنوز"، وكان يضم ما يقرب من 27,800 جندي وبحار على متن 317 سفينة، يبلغ طول الواحدة منها أربعة أضعاف سفينة "سانتا ماريا" التي سيستخدمها كولومبوس في إبحاره نحو أميركا.
وعلى الرغم من وصفه غالباً بالمستكشف، لم تكن رحلات "تشنغ خه" استكشافية في المقام الأول، بل كانت تهدف إلى استعراض القوة الصينية، فضلاً عن كونها وسيلة لإعادة تنشيط التجارة وضمان تدفق المؤن الحيوية، بما في ذلك الأدوية والفلفل والكبريت والقصدير والخيول.
في حينها، كان "تشنغ خه" "سفير القوة" لإمبراطورية "مينغ"، حيث جابت سفنه غرب آسيا، وألقت مراسيها في مضيق هرمز، وعدن، وجدة، وصولاً إلى سواحل أفريقيا الشرقية، فيما أظهرت بعض التقارير وصولها إلى مضيق جبل طارق. في تلك اللحظة، كانت الصين تملك فعلياً مفاتيح تلك المنطقة، وكان طريق الحرير البحري تحت سيطرتها، ما كان يؤهلها لتسيّد النظام العالمي قبل الثورة الصناعية الأوروبية بقرون.
لكن هذا الطموح، تحوّل فجأة إلى انكفاء. ففي عام 1433، وبعد سبع رحلات مثمرة جداً، اتخذ أباطرة الصين قراراً يُصنف اليوم كأكبر "انتحار جيوسياسي" في التاريخ، حيث أصدر البلاط الإمبراطوري مراسيم "هاي جين" التي حظرت التجارة البحرية الخارجية، وأمرت بـ حرق الأسطول وتدمير الخرائط الملاحية، ومنع بناء السفن ذات أكثر من صاريين. ولم يكن هذا التراجع ناتجاً عن ضعف تقني، بل كان نتيجة صراع مرير داخل أروقة الحكم وتهديدات خارجية داهمة:
سيطرة تيار المحافظين: بالإضافة إلى أن الرحلات تم النظر إليها بعين الريبة من قبل الطبقة البيروقراطية النافذة، التي كانت قلقة بشأن نفوذ الجيش، فقد خاض المنفتحون والمؤيدون لها صراعاً ضد "الموظفين الكونفوشيوسيين" المحافظين الذين سيطروا على البلاط لاحقاً. كان المحافظون يرون أن الصين هي "مركز الكون" وليست بحاجة إلى التجارة مع "البرابرة" في الخارج، وأن الرحلات البحرية هي إهدار لموارد الدولة وإفساد لنقاء الثقافة الصينية.
التهديد الشمالي (المغول): تزامنت هذه الضغوط السياسية الداخلية، مع تصاعد تهديدات قبائل المغول على الحدود الشمالية. أوجد الأباطرة لأنفسهم مقايضة قاسية، إما تمويل الأساطيل في غرب آسيا أو حماية العاصمة بكين. فاختاروا "الانكفاء"، حيث وُجهت كافة الثروات والجهود لإعادة بناء سور الصين العظيم بالحجر والطوب المقوى (النسخة التي نعرفها اليوم تقريباً)، ليكون حاجزاً مادياً أمام التهديدات الخارجية، معتبرين أن السيطرة على الأطراف البحرية (مثل غرب آسيا) هي "ترف" لا يمكن تحمله أمام تهديد المركز البري.
ما الذي يحصل اليوم؟
الانقطاع التاريخي في الحضور البحري الصيني، يمثل اليوم المرتكز الذي تبني عليه واشنطن استراتيجيتها في المواجهة، حيث تتحول منطقة غرب آسيا التي عبرها "تشنغ خه"، من مجرد ممر تجاري تسعى الصين للوجود فيه، إلى عقدة ربط أمنية تريد الولايات المتحدة حسمها في وجهها.
اليوم، تضج مراكز الدراسات الدولية ومقالات الرأي بسردية "الاستدارة نحو آسيا"، تلك النظرية التي تفترض أن الولايات المتحدة، في ظل إدارة ترامب أو غيرها، تسعى لـ "تصفير" أزمات غرب آسيا عبر العنف الحاسم أو الصفقات الخاطفة، فقط لكي تحزم أمتعتها وترحل لمواجهة الصين في المحيط الهادئ. لكن القراءة المتأنية في "تشريح الهيمنة" تكشف أن هذه السردية قشرة تُخفي تحتها حقيقة مغايرة تماماً بأن غرب آسيا ليست "محطة استنزاف" يراد التخلص منها، بل هي "عقدة الربط" التي تقرر مصير الصين قبل أن يبدأ أي اشتباك في بحر الصين الجنوبي.
إن جوهر المعركة الأميركية المعاصرة لا يكمن في عدد السفن الحربية قبالة تايوان، بل في إحكام القبضة على "القلب الجيوسياسي" للعالم. ومن هنا، فإن السياسة الأميركية العنيفة في غرب آسيا هي "تثبيت استراتيجي" يهدف لخنق القوى الصاعدة في مهدها الجغرافي، لا للانسحاب في مراحل لاحقة. فمن يملك مفاتيح الطاقة وسلاسل التوريد في غرب آسيا، يملك فعلياً "حق الفيتو" على النهضة الاقتصادية الصينية، ويحوّل بكين من "قطب منافس" إلى "سجين جغرافي" يبحث عن مخرج.
لذلك، خلافاً لكل القراءات التي تروّج لـ "انسحاب أميركي" من غرب آسيا للتفرغ لشرقها، تكشف التحركات الراهنة، عن استراتيجية مغايرة تماماً وإن كانت لا تتحرك بشكل مباشر، تحت مظلة عقيدة الأمن القومي المكتوبة والمنشورة، بحيث أن "الشرق الأوسط المدمج تحت قيادة أمنية موحدة هو ركيزة لا غنى عنها"، لمنع قوى مثل الصين "من تقويض النظام العالمي".
وبينما كانت بكين خلال العقود الماضية، تستغل انشغال الولايات المتحدة في غرب آسيا كفرصة للتمدد، يظهر لها اليوم مع وصول السياسة الأميركية إلى نقطة محورية، أن إمكانية السيطرة الأميركية المطلقة على هذا "المركز" ممكن أن تخلق حولها "فراغاً جغرافياً" قاتلاً. وتعتمد الرؤية الأميركية بذلك على مبدأ "السيادة الاستباقية"، أي السيطرة على العقد الجغرافية قبل أن تصل إليها الاستثمارات الصينية، بمعنى أن أي محاولة من بكين للتمدد نحو أوروبا أو أفريقيا ستصطدم بـ"جدار أمني أميركي" صلب يعرقل المسار الاقتصادي الدولي. ومن منظور "الواقعية الهجومية" فإن القوة لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بالمساحة التي تحرم خصمك منها. ومن خلال إحكام القبضة على غرب آسيا، تنجح واشنطن في عزل الصين داخل بيئتها الجغرافية المباشرة في شرق آسيا، محاطة بخصوم إقليميين (اليابان، كوريا الجنوبية، فلبين، وحتى الهند).
هذا "الفراغ" الذي تخلقه الولايات المتحدة حول الصين في وسط العالم، يجعل من مشروع "الحزام والطريق" مجرد جسور تؤدي إلى طرق مسدودة تحت هيمنة الأساطيل والقواعد الأميركية. وإضعاف الصين في هذه الاستراتيجية هو "نتيجة حتمية" وفق الرؤية الأميركية، لا هدفاً جانبياً. فالسيطرة الأميركية على منابع الطاقة وممرات الملاحة في المنطقة تعني أن بكين تظل "رهينة" للحضور الأميركي، فكل مصنع في شنغهاي وكل بارجة صينية في بحر الصين الجنوبي تعتمد في وجودها على "سماح" واشنطن بمرور النفط من غرب آسيا، ما يمكن وصفه باستراتيجية "الخنق من المنبع"، حيث يتم حسم المعركة مع الصين في مضيق هرمز وباب المندب قبل أن تبدأ في مضيق تايوان.
الانهيار من المركز
تتمحور الاستراتيجية الأميركية حول تحويل الاعتماد الطاقي الصيني إلى أداة لـ "الردع الجيوسياسي" دون الحاجة إلى صدام عسكري مباشر. الصين التي تستهلك قرابة 16 مليون برميل نفط يومياً، تجد نفسها عاجزة عن تأمين أكثر من 25% منها محلياً. هذا الانكشاف هو ما خلق "معضلة مالاكا"، فالمضيق الذي يمثل "عنق زجاجة" بعرض لا يتجاوز 2.5 كم وعمق لا يتعدى 23 متراً، يفرض قيوداً جغرافية قاسية تجعل الملاحة الصينية تحت رحمة الرصد والاعتراض البحري الأميركي.
ويُعدّ التحكم في هذا الممر المائي الحيوي محل نزاع، إذ تتداخل مياهه مع المناطق الاقتصادية الخالصة لإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، والتي لا يعترف أي منها بشكل كامل بمطالبات الآخر. وقد سعت هذه القوى الإقليمية، في أوقات مختلفة، إلى فرض سيطرتها على الملاحة عبر المضيق. في الوقت نفسه، تبرر قوى خارجية كاليابان والولايات المتحدة والهند وجودها العسكري في المنطقة بذريعة مكافحة القرصنة، على الرغم من أن القرصنة تكاد تكون معدومة. ولفهم طبيعة "معضلة مالاكا" التي تؤرق الاستقرار الصيني، فإن هذا المضيق الضيق، هو الأنبوب الذي يمر عبره 80% من نفط الصين و33% من التجارة العالمية. الصين تدرك أن هذا الممر هو "عنق زجاجة" مثالي للحصار البحري، فإذا أغلقته الولايات المتحدة، ستتأثر الصين بشكل مباشر على المستويات كافة.
ومع ذلك، فإن العمق الاستراتيجي لهذه المعضلة يبدأ من "نقطة المنبع" بالنسبة إلى موارد الطاقة والتجارة (استيراد وتصدير) في غرب آسيا، لا من شرق آسيا. وتشير دراسات لمركز (CSIS) ضمن مشروع China Power إلى أن سيطرة الولايات المتحدة على مضيق هرمز وباب المندب مثلاً، تمنح واشنطن "حق نقض استراتيجي" وقدرة هائلة على التأثير في النمو الاقتصادي الصيني. فالبدائل البرية التي تحاول بكين تشييدها للالتفاف على المضائق لا تغطي سوى 15 إلى 20% من احتياجاتها الطاقوية بحسب تقديرات Modern Diplomacy 2025، وتظل تكلفتها اللوجستية باهظة بما يفقد الاقتصاد الصيني جزءاً من تنافسيته في حين أن نحو 80% من هذه الواردات تمر عبر مضيق مالاكا بعد خروجها من "نقاط المنبع" في غرب آسيا (هرمز وباب المندب) كما توضح خرائط الطاقة في CSIS Energy Security.
وعليه، فإن التجذر الأميركي في غرب آسيا سيهدف إلى نقل ساحة الصراع من مضيق تايوان ومالاكا (المواجهة المباشرة) إلى المنطقة المحورية غرب آسيا (المواجهة غير المباشرة)، حيث يصبح بقاء الاقتصاد الصيني "نتيجة" لمتغيرات القوة التي تفرضها واشنطن فيها، وهو ما تفصله الدراسة الأكاديمية لجامعة RSIS حول أبعاد أمن الطاقة.
غرب الأرض ووسطها.. لحصار شرقها
عندما يتحدث ترامب ضمن عقيدة أميركية مستحدثة عن أن النصف الغربي من الكرة الأرضية يجب أن يكون تحت النفوذ الأميركي بشكل كامل، فإن هذا الأمر يتجاوز ما الذي تريده واشنطن في غرب الكرة الأرضية، إلى ما الذي تخشاه في شرقها أو ما الذي تسعى إلى مواجهته. لذلك، فإن مسألة الهيمنة أيضاً على غرب آسيا في الوسط، هي جزء أساسي من العقيدة الأميركية وهي الجزء الأهم.
تستند استراتيجية "تأمين الغرب" في العقيدة الأمنية الأميركية لعام 2026 المعروفة بـ Trump Corollary إلى مبدأ "الحرمان الجيوسياسي الشامل"، حيث لا ينفصل تأمين غرب آسيا عن استعادة السيادة المطلقة على نصف الكرة الغربي. تهدف واشنطن من خلال هذا الربط العضوي إلى منع بكين من إيجاد بدائل طاقية أو لوجستية خارج مظلة النفوذ الأميركي. وفي هذا السياق، فإن العملية الأخيرة في فنزويلا وما تبعها من محاولة للهيمنة على الموارد فيها وخطف رئيسها، لا تقدم الصورة الكاملة، بل ما سبقها من خلال الهيمنة الكاملة للقوة البحرية الأميركية على منطقة الكاريبي وعلى المحيط الهادئ غرب أميركا اللاتينية، حيث عززت واشنطن من نفوذها وحضورها في وجه الصين وروسيا ليس على صعيد النفط فقط، وأيضاً الوجود الأمني والجيوسياسي. بالتوازي مع ذلك، فإن التوسع الأميركي نحو غرينلاند والقطب الشمالي خطوة استباقية لقطع الطريق على "طريق الحرير القطبي" ، وهو الممر الذي تطمح بكين عبره للالتفاف على "معضلة مالاكا"أو قناة السويسفي غرب آسيا (الطريق بين شنغهاي وروتردام أو هامبورغ عبر القطب الشمالي أقصر بنحو 7000 كيلومتر من الطريق عبر قناة السويس، مما يقلل أوقات العبور بنحو 40% وتكاليف الوقود بأكثر من 20%).
هذا التمدد يهدف إلى حبس الطموحات الصينية داخل "مساحة معزولة"، فمن خلال السيطرة على ممرات الطاقة في الوسط (غرب آسيا) وممرات التجارة في الغرب (قناة بنما- الكاريبي-المحيط الهادئ) والشمال (القطب)، تتحول الصين من قوة عالمية مبادرة إلى قوة مركزية محصورة جغرافياً. مع الإشارة، إلى أن الفعل الاستراتيجي في غرب آسيا هو المحرك لهذه المنظومة، حيث يضع الصين أمام حقيقة مفادها أن أي محاولة للهروب نحو الغرب أو الشمال ستصطدم بأسوار أميركية تم تشييدها سلفاً لإتمام مشهد العزل القاري.
تفادي القتال لا خوضه
تُظهر القراءة الكلية لهذه التحركات أن الاستراتيجية الأميركية لا تهدف إلى خوض حرب كبرى في المحيط الهادئ، بل إلى تفادي تلك الحرب قدر الإمكان، عبر "الخنق الجغرافي" بعيداً عن شواطئ الصين. إن إحكام القبضة على غرب آسيا هو الذي يمنح واشنطن القدرة على استهداف النهضة الصينية، ويحول كل محاولات بكين للالتفاف عبر القطب الشمالي أو أميركا اللاتينية إلى مجرد طرق مسدودة. وهنا تتقاطع الرؤية الأميركية المعاصرة مع مقولة عالم الجيوسياسة نيكولاس سبايكمان، الذي قال إن من "يسيطر على الحواف (غرب آسيا وأوروبا) يسيطر على أوراسيا، ومن يسيطر على أوراسيا يتحكم في مصير العالم".
وفق التطورات والوقائع، فإن واشنطن تعيد صياغة وجودها العسكري والاقتصادي في غرب آسيا، لتشكيل "عقبة" أمام أي طموح منافس على رأسه الصين، وهي لا تتحرك في المنطقة، لتفرض واقعاً معيناً ومن ثم تغادر، لأنها تتحرك بمسار تحاول من خلاله فرض أصول أمنية وسياسية متجذرة في المنطقة لتصبح واقعاً تحت السلطة الأميركية. وحالياً، فإن تحييد إيران جيوسياسياً لا يعني فقط حرمان بكين من شريكها الاستراتيجي الذي يزودها بنسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية بعيداً عن الرقابة التقليدية فقط، بل يجعل المنطقة بأكملها خاضعة لإستراتيجية أميركية تقوم على مواجهة الحضور الصيني، لا سيما أن التعاون بين الصين والقوى التقليدية في غرب آسيا من ضمنها الخليجية، في مضمونه أيضاً، هو من ضمن المنافسة بينها وبين إيران.
ولا تكتمل هذه الكماشة إلا بتعزيز الوجود الأميركي أيضاً عند باب المندب (حيث اليمن وأنصار الله) والقرن الأفريقي، إذ تعمل واشنطن بالتعاون مع قوى إقليمية حليفة على تحويل هذه المنطقة إلى "منطقة عزل" عسكرية ولوجستية (يمكن مراجعة الاتفاقيات الأخيرة بين تايوان وأرض الصومال مثلاً). وبذلك، تُحرم الصين من رئة التنفس في البحر الأحمر، وتُقطع صلتها بقواعدها في جيبوتي واستثماراتها في أفريقيا.
إذا كان "انتحار الصين" الجيوسياسي في القرن الخامس عشر ناتجاً عن "انكفاء داخلي"، فإن الحصار المعاصر الذي تحاول الولايات المتحدة تشييده، يهدف إلى فرض "انكفاء قسري" جديد عليها. وفي ذلك كله، تظل غرب آسيا هي غرفة التحكم التي تقرر من خلالها واشنطن حجم التمدد المسموح للصين، ما يشي أن تلك المنطقة ليست "عبئاً" يراد التخلص منه، بل هي "الميدان الأول" الذي سيُحسم فيه صراع القطبية العالمية في القرن الحادي والعشرين، من دون أن تُضطر واشنطن بالضرورة إلى إطلاق رصاصة واحدة في بحر الصين الجنوبي. وتظهر إيران في هذه المنطقة على سبيل المثال، كركن أساسي في مواجهة أي هيمنة أميركية كاملة من جميع النواحي، كـ "عقبة بنيوية" جيوسياسية، أمام اكتمال الطوق الأميركي انطلاقاً من غرب آسيا، إضافة إلى الشراكة السياسية والاقتصادية مع الصين.
لذلك، يمكن القول بحذر، إن الولايات المتحدة لا تحاول بسط هيمنة كاملة على غرب آسيا، لتتفرغ لقتال الصين، بل لتتفادى أي قتالٍ معها، بإسقاط جدواه ورفع كلفته على بكين، ما يشبه في نتيجته تماماً، ما فعل المغول قديماً، وإن لم يتعمدوا ذلك، حين أجبروا الأباطرة الصينيين على حرق أساطيلهم والعودة خلف الجدران.
لكن، يجب الانتباه إلى ما تم ذكره في بداية المقالة، بأن الأباطرة الصينيين في حينها هم من أوجدوا لأنفسهم تلك "المقايضة القاسية"، ولم تفرض عليهم، وفق ما تظهره الوقائع السياسية والأمنية. هذا تحديداً ما سننطلق منه في الجزء الثاني، لنفكك المشهد الجيوسياسي المعاصر في ظل تساؤلات كبرى: هل تمتلك بكين اليوم رفاهية "الانكفاء" التي ملكتها أسرة "مينغ" التي كانت بلادها تعتمد على الزراعة، وهي المرتبطة الآن بالعالم بآلاف خيوط التجارة والتكنولوجيا؟ وكيف يمكن للصين أن تتحرك لكسر "الحصار " الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه في غرب آسيا، من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية، أو حتى خوضها؟