"فورين أفيرز": كيف أصبحت فنزويلا مستنقعاً لواشنطن؟

واشنطن تكرر الأخطاء التي ارتكبتها في العراق، ومجلة "فورين أفيرز" تقول إن فنزويلا قد تتحوّل من "نجاح خاطف" إلى عبء جيوسياسي جديد.

  • "فورين أفيرز": كيف أصبحت فنزويلا مستنقعاً؟

مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تقدّم مقارنةً تحليلية بين الحرب الأميركية على العراق عام 2003، والاعتداء على النظام في فنزويلا واختطاف رئيسه نيكولاس مادورو، محذِّرة من تكرار أخطاء العراق.

وقدّم المقال تحذيراً من أنّ إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من بناء الدول، وأنّ فنزويلا قد تتحوّل من "نجاح خاطف" إلى عبء جيوسياسي جديد إذا لم تتعلّم واشنطن من تجربتها في العراق، خاصة في ما يتعلق بالتخطيط، الشرعية، الموارد، والشراكات الدولية.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

فنزويلا ليست العراق. ولكن كما ارتبط إرث الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش بمصير العراق، فإنّ إرث الرئيس دونالد ترامب يعتمد الآن إلى حد ما، على كيفية تطوّر الأحداث في فنزويلا. ومع أنّ ثمّة اختلافات جوهرية بين غزو واشنطن للعراق عام 2003، والعملية ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أبرزها أنّ بوش سعى للإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين بقوة غازية قوامها أكثر من 150 ألف جندي أميركي.

وقد تحرّك بعد أن أصدرت الأمم المتحدة 16 قراراً تدين أنشطة صدام، كما شكّلت واشنطن تحالفاً من 49 دولة داعمة، وأذن الكونغرس باستخدام القوة. في المقابل كانت "عملية العزم المطلق"، التي أطلقها ترامب ضد مادورو مفاجأة للجميع حتى للكونغرس، وشارك فيها نحو 200 أميركي على مدار ساعتين ونصف الساعة. لكنّ تجربة الولايات المتحدة المؤلمة في العراق تحمل دروساً لفنزويلا أكثر مما قد يتصوّره المراقبون. لقد أمضيت قرابة عامين على أرض الواقع في العراق، حيث وصلتُ بعد أيام من فرار صدام من بغداد، وبقيتُ طوال فترة الاحتلال، وتبدو لي جوانب من الوضع الراهن في فنزويلا مألوفة.

آنذاك، كما هو الحال الآن، افترضت الولايات المتحدة أنه بعد إزاحة رئيس البلاد، ستستمر عناصر أخرى من بيروقراطية الدولة، بما في ذلك قوات الأمن اللازمة للحفاظ على النظام، في العمل. وآنذاك، كما هو الحال الآن، اعتقدت واشنطن أنّ عملية عسكرية سريعة وناجحة ستثير إعجاب حلفائها وترهب خصومها، مما يساعد على ضمان تعاون القوى الإقليمية من دون بذل جهد كبير.

في حالة العراق، تبين أنّ هذه الافتراضات، وغيرها خاطئة بشكل خطير. تُعدّ تجربة الولايات المتحدة هناك بمثابة تحذير من أنّ عدم الاستعداد الكافي لما بعد سقوط رئيس البلاد، قد يُوحي للعالم بضعف أميركا، حتى بعد عملية عسكرية ناجحة للغاية. والأخطاء اللاحقة في العراق، والتي كان من الممكن تجنّبها في كثير من الحالات، خلقت في نهاية المطاف سردية الفشل، مما زاد من تعقيد تحرّكات الولايات المتحدة وعلاقاتها في جميع أنحاء العالم، وشجّع المنافسين.

قد يُساعد الأخذ بعين الاعتبار 5 دروس مُستفادة من العراق إدارة ترامب على تحقيق نتائج أفضل في فنزويلا، سواء لمواطنيها أو للأميركيين. أولاً، يجب ألا تفترض واشنطن أنّ النظام سيستمر بعد إزاحة زعيمه، لذلك يجب أن يكون لديها خطة لفرض القانون والنظام في حال انهياره. ثانياً، عليها أن تستعد للآثار السلبية الحتمية لسردية أنّ الولايات المتحدة لا تسعى إلا للنفط، وكيف يُمكن لهذه الرواية أن تُعرقل أهدافها. ثالثاً، عليها أن تُدرك أنّ تعزيز الديمقراطية قد يكون ضرورياً، ليس بدافع الإيثار، بل لتحقيق الاستقرار. رابعاً، عليها أن تكون مُستعدة لتخصيص الموارد لضمان نتائج أفضل، حتى لو كانت موارد الدولة تُبشّر بثروة طائلة في المستقبل. وأخيراً لا يُمكن للولايات المتحدة أن تفترض أنّ قوتها ستضمن نتائج إيجابية من دون مساعدة ودعم الجهات الفاعلة الإقليمية.

سقوط بلا استقرار

عندما وصلت إلى بغداد بعد أيام من فرار صدام حسين من المدينة في نيسان/أبريل 2003، أبدى العراقيون تفاؤلاً حذراً، وكان الكثيرون منهم في آن واحد يشعرون بالحماس والقلق حيال ما سيحدث لاحقاً. لكن سرعان ما تلاشت أي مشاعر مؤيدة لأميركا أمام الفوضى والعنف اللذين أعقبا العملية العسكرية الأميركية.

لعلّ أخطر الافتراضات التي وضعها المسؤولون الأميركيون هو أنّ الوزارات الحكومية العراقية، بما فيها بعض قوات الأمن، ستواصل عملها بكفاءة. فحتى بعد أسابيع من الغزو، الذي أُطلق عليه اسم "عملية حرية العراق"، لم تكن إدارة بوش تنوي احتلال البلاد. وقد خلقت تجربة الولايات المتحدة في أفغانستان، قبل عام ونصف العام فقط توقّعات بتدخّل سريع ومحدود، وبعد دخول الولايات المتحدة البلاد لإسقاط نظام طالبان، تشكّل إجماع محلي وإقليمي بسرعة على أنّ حامد كرزاي هو أنسب زعيم للبلاد بعد طالبان. وقد أدى كرزاي اليمين الدستورية رئيساً للسلطة الأفغانية المؤقتة بعد 40 يوماً من سقوط كابول تحت الاحتلال الأميركي.

ولقد كان العراق يتمتع في السابق بجهاز مدني متطور، وافترض القادة الأميركيون أنّ البلاد لن تحتاج إلى تدخّل كبير من الولايات المتحدة في إدارة شؤونها اليومية بعد تعيين قائد جديد مناسب. ومع بدء الغزو، دارت نقاشات في الكويت، قاعدة انطلاق العملية حول الرسالة الأميركية الأولية التي ينبغي توجيهها للشعب العراقي، حيث قرر الأميركيون التأكيد أنّ العراقيين يمكنهم العودة إلى أعمالهم كالمعتاد، وأنّ التدخّل الأميركي سيكون وجيزاً، ويركّز على ضمان استمرارية المؤسسات العراقية.

في ذلك الحين تطوّعتُ لترك وظيفتي في وزارة الخارجية للانضمام إلى فريق مدني يرافق القوات العسكرية الأميركية إلى العراق، وشجّعني الجنرال المتقاعد الآن جاي غارنر المسؤول عن العمليات المدنية آنذاك، وقال إنّه بعد 3 أشهر على الأرض "يمكننا جميعاً العودة إلى ديارنا معاً، لكن تلك الأشهر امتدت إلى 6، ثم سنة، في متوالية صاحبت انهيار مؤسسات العراق بعد إزاحة صدام حسين، واستحالة تسليم السلطة سريعاً.

وبعد عقود من الفقر والعقوبات والقمع السياسي ترك الشعب العراقي يعاني صدمة نفسية عميقة. وعندما شعر الناس بانعدام السلطة، خرجوا إلى الشوارع، سعياً للانتقام من المؤسسات المكروهة، وللحصول على أي ميزة ممكنة في ظل حالة عدم اليقين والفوضى. وقد أدى نهب المباني الحكومية ومستودعات الأسلحة، فضلاً عن تخريب البنية التحتية الحيوية للنفط والاتصالات، إلى عرقلة خطط الولايات المتحدة بشكل كبير. وبعض هذا العنف كان مُخططاً له مسبقاً فقد أجرى نظام صدام استعدادات واسعة النطاق لتمرد يعارض أي توغل أميركي، وبعد فقدانه السلطة، تم تفعيل شبكات المقاومة تلك، لتشكّل نواة مقاومة مسلحة أرهقت الجيش الأميركي لسنوات، بسبب نقص القدرة أو الإرادة، تركت الولايات المتحدة الفوضى تتفاقم في البداية، حيث قال وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد في البنتاغون، "الأمور تحدث، وهي فوضوية. والحرية فوضوية. والأحرار، أحرار في ارتكاب الأخطاء والجرائم وفعل الأشياء السيئة".

تُشير تجربة الولايات المتحدة في العراق إلى ضرورة استعدادها لاحتمالية عدم صمود النظام البوليفاري بعد سقوط مادورو. ويزداد هذا الاحتمال ترجيحاً إذا ما اتخذت إدارة ترامب خطوات جادة لوقف تهريب المخدرات والنفط والتعدين غير المشروع. وتعتمد القوات المسلحة الفنزويلية بشكل خاص على تدفق الأموال من تهريب المخدرات والنفط لضمان الولاء وتمويل أنماط حياة جنرالات الجيش والجماعات شبه العسكرية المحلية على حد سواء. وفي مقابلة صحفية حذر عقيد فنزويلي متقاعد من المعارضة من أنّه إذا لم يحصل مسؤولو النظام على دخل من التهريب، فلن يتمكّنوا من الحفاظ على جيش قوي. كما أنّ الجيش الفنزويلي معروف تاريخياً بمواقفه المعادية للولايات المتحدة، وقد يشعر بالاستياء من ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو السابقة إذا استمرت في التعاون مع واشنطن بصفتها الرئيسة المؤقتة الجديدة. بتعبير آخر، قد يثبت النظام الحالي عجزه أو عدم رغبته في الحفاظ على الحكم وإرساء السلام.

ومن السابق لأوانه التهاون بشأن احتمالية اندلاع العنف والنهب. 20 عاماً من العقوبات الأميركية، والتضخّم المفرط المزمن، ومعدل فقر يُقدّر بنحو 80%، يتضح من ذلك جلياً كيف يمكن أن يؤدي عزل الزعيم إلى تأجيج الاضطرابات. وبالنظر إلى الصعوبة البالغة التي واجهتها واشنطن في احتلال العراق وإدارته، فمن المفهوم أنّ إدارة ترامب اختارت الإبقاء على النظام الفنزويلي، وقد أشار مسؤولون كبار في إدارة ترامب بالفعل إلى الدرس المؤثّر الذي يقدّمه العراق حول عدم تفكيك مؤسسات النظام.

وعلى الرغم من أنّ الدرس المتعلق بالحفاظ على المؤسسات ليس خاطئاً، إلا أنّ تطبيقه أصعب مما يبدو. فقد استبعدت سياسة الولايات المتحدة "لاستئصال البعث" في العراق أفراداً من الحكم بناءً على أقدميتهم في "حزب البعث" التابع لصدام، لصعوبة أو استحالة تحديد تورطهم الفردي في الانتهاكات. ولا ينبغي تكرار هذه السياسة، لكن عملياً بمجرد انهيار أي نظام، تفقد المؤسسات قوتها. ولا يمكن الحفاظ عليها أو إعادة بنائها من دون مواجهة حقيقة أنّ ملايين ممن عانوا تحت وطأة ذلك النظام سيرغبون في الانتقام، أو على الأقل في محاسبة المسؤولين.

وكنت قد عملتُ مع أحد القادة العراقيين الذي قُتل إخوته التسعة بوحشية على يد "حزب البعث" وكان من المستحيل إقناعه بأن يحتفظ أعضاء الحزب بمواقعهم المتميزة في المجتمع، وهو موقف شاركه فيه العديد من العراقيين. فلا يكمن التحدي في اتخاذ قرار بشأن تفكيك المؤسسات، بل في إيجاد طريقة لإنقاذ أجزاء النظام الفعّالة والضرورية، مع التصدّي لرغبة جامحة في الانتقام ومحاولة نزع فتيلها.

خيانة الثقة

كان فشل الولايات المتحدة في معالجة انهيار النظام في العراق أول شرخ في تصوّر مناعة أميركا. قبل مغادرتي البلاد في حزيران/يونيو 2004، سألتُ عشرات العراقيين عما أحسنت الولايات المتحدة فعله وما أخطأت فيه. وقد أخبرني معظمهم أنّ أعمال النهب والفوضى قد مهّدت الطريق لفترة انتقالية غابت فيها السلطة، وبعد أسابيع قليلة من إزاحة صدام، تشبثتُ بمقعدي بينما كنتُ أركب مع زميل عراقي كان يقود بسرعة فوق فاصل الطريق السريع وعبر تقاطع، غير مكترث بإشارة مرور معلقة. سألته متى توقف العراقيون عن الالتزام بإشارات المرور، فأجاب ببساطة، "يوم فرار صدام". فلقد التزم العراقيون بالقوانين بدافع الخوف الشديد لفترة طويلة، حتى إنّه بمجرد رحيل صدام، بدت جميعها قابلة للكسر.

ومع ازدياد الفوضى في العراق، ووجود الولايات المتحدة في موقع حكم بلد يزيد تعداد سكانه عن 25 مليون نسمة من دون استعداد يُذكر، استمر زملائي العراقيون في التعبير عن أسفهم على عجز قوة عظمى مزعومة عن توفير أبسط مقومات الحياة كالأمن والكهرباء. وتزايد تساؤلهم عن سبب وجود الأميركيين في العراق، ولماذا أتينا أصلاً. ومع تعثر جهود إعادة الإعمار، ترسخت فكرة أنّ واشنطن لا تريد سوى نفط العراق، مما غذّى تمرداً ناشئاً، وأصاب غالبية المواطنين بخيبة أمل كبيرة.

وقد أثبتت هذه الرواية فعاليتها، رغم امتناع الولايات المتحدة مراراً وتكراراً عن الاستيلاء الفعلي على حقول النفط في البلاد. ففي عام 1991، تخلت الولايات المتحدة عن حقول النفط التي سيطرت عليها خلال هجومها لتحرير الكويت من القوات العراقية. وفي عام 2003، رفضت سلطات الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة منح عقود جديدة للشركات الأجنبية، مفضلةً تأجيل هذه العملية إلى حين تشكيل حكومة عراقية منتخبة شرعياً. ونتيجةً لذلك، لم تُمنح أولى العقود للشركات الأجنبية حتى عام 2009. وتماشياً مع النهج الذي اتبعته منذ الحرب العالمية الثانية، ركزت الولايات المتحدة بشكل أكبر على ضمان قدرتها على الوصول إلى النفط في الأسواق العالمية بأسعار معقولة، عوضاً عن التركيز على السيطرة الفعلية على النفط.

قد يروق شريحة معينة من الناخبين الأميركيين تركيز إدارة ترامب الصريح على السيطرة على نفط فنزويلا، لكنه سيُثقل كاهل الفنزويليين الذين يحتفلون بالإطاحة بمادورو. وكما هو الحال في العراق، بدأ يتبلور شعور بأنّ الولايات المتحدة لا تُبدي اهتماماً بمساعدة عامة الشعب، وأنّ طموحاتها تقتصر على الاستيلاء على موارد فنزويلا. لذلك ينبغي أن تُركّز التصريحات المستقبلية للبيت الأبيض، سواء في الداخل أو الخارج، على رغبة الولايات المتحدة في حكم أفضل، وهو هدف يتشاركه الفنزويليون وجيرانهم. وقد أكد العديد من كبار مسؤولي إدارة ترامب، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، هذا الجانب.

ويجب ألّا يقتصر هذا التحوّل على الخطاب فحسب، بل يجب أن ينعكس أيضاً في أفعال الإدارة. ستكتشف أنّه، حتى لو اقتصرت مصالحها على النفط، فسيتعيّن عليها مساعدة الفنزويليين على إرساء نظام حكم مختلف لكي يزدهر هذا القطاع. ومن غير المتصوّر أن تتمكّن فنزويلا من جذب رؤوس أموال ضخمة واستثمارات موسّعة من شركات النفط الأميركية في غياب حوكمة أكثر شرعية وشفافية والتزاماً بالقواعد. وبالمثل، حتى لو سعت فنزويلا إلى نهضة نفطية من خلال إصلاح شركة النفط الوطنية، فستحتاج إلى نظام جديد لجذب خبراء النفط الذين فروا من البلاد قبل نحو 3 عقود.

ليس مالاً سهلاً

قلةٌ تُدرك حقيقةً أخرى بشأن نهج الولايات المتحدة تجاه العراق: لم تكن جهودها الحثيثة لتأسيس حكومة تمثيلية مدفوعةً في نهاية المطاف بالأيديولوجيا فحسب - أي التركيز على تعزيز الديمقراطية - بل أيضاً بالبراغماتية. في أوائل عام 2003، اعتقد بعض دعاة الحرب أنّ عراقاً ديمقراطياً سيُغيّر وجه الشرق الأوسط برمّته. لكننا، نحن على أرض الواقع، ازددنا اقتناعاً بأنّ الديمقراطية ضرورية لأسباب أخرى. فلكي تستقر دولةٌ مُنهكةٌ تمتلك موارد نفطية هائلة، كان لا بدّ من الانتقال إلى نظام سياسي واسع القاعدة. فالانقسامات الطائفية والأيديولوجية في العراق تعني أنّه لا يُمكن الوثوق بزعيم واحد أو جماعة واحدة لتحقيق الرخاء للمجتمعات جميعها، والحكومة الدستورية التمثيلية وحدها المُؤسسة على نظام الضوابط والتوازنات وفرص التداول الانتخابي للسلطة، وهي القادرة على إقناع الفئات الرئيسية بأنّها ستحصل على نصيبها من ثروة البلاد.

إلا أنّ هذه النظرية كانت أسهل صياغةً من تطبيقها. ولأنّ المقترح الأميركي الأولي لعملية سياسية انتقالية لم يتضمّن إجراء انتخابات في وقت مُبكر بما فيه الكفاية، فقد رفضه المرجع الديني الأعلى علي السيستاني، الذي كان الشيعة العراقيون، وهم أغلبية الشعب، يعتبرونه زعيمهم الروحي الأكثر تبجيلاً ومصداقية. وفي وقت لاحق، فشل القادة الأميركيون وشركاؤهم العراقيون في إقناع الأقلية السنية العراقية، التي كانت معقل صدام حسين سابقاً، بالانضمام إلى هيئات الحكم الانتقالي. وقد وفّر هذا الانتقال السياسي غير الشامل مزيداً من الوقود للتمرّد.

كما أنّ تشجيع حكومة أكثر شرعية في فنزويلا لا يتطلّب احتلالاً أميركياً. ففي سعيها نحو انتقال سياسي بعد إزاحة مادورو، يتمتع فريق ترامب بميزة هائلة عن إدارة بوش، لأن فنزويلا لديها قادة معارضة حشدوا بالفعل دعماً محلياً ودولياً واضحاً. وفي العراق، اضطرت إدارة بوش إلى بذل جهد مكلف وشاق استمر لسنوات عديدة للعثور على قادة عراقيين بديلين وتمكينهم.

ويتوجب على واشنطن إشراك أحد الشخصين الفاعلين في المعارضة الفنزويلية أو كليهما (إدموندو غونزاليس أو ماريا كورينا ماتشادو) في عملية انتقال شاملة للسلطة. ومن الأفضل أن تشمل هذه العملية أيضاً "التشافيزين" نسبة لهوغو تشافيز، من ضباط عسكريين من مختلف الرتب، والمثقفين الذين دعموا الثورة البوليفارية عام 1999، والخبراء التقنيون الذين شغلوا مناصب حكومية في مراحل سابقة. فما زال هؤلاء يمثّلون آراء شريحة كبيرة من الفنزويليين، وخاصةً أولئك الذين يعيشون في المناطق الفقيرة والريفية.

لكن يبدو أنّ إدارة ترامب تفترض أنّ فنزويلا، بحكم امتلاكها لأكبر احتياطيات النفط في العالم، ستتمكّن سريعاً من توفير التمويل الكافي لتغطية تكاليف الانتقال السياسي وإعادة بناء البنية التحتية. وقد صرّح ترامب بذلك بشكل قاطع في المؤتمر الصحفي الذي عقده صباح اليوم التالي لعزل مادورو. وهذا الافتراض يُذكّر بخطأ كارثي ارتكبته الولايات المتحدة في العراق، فقد قلّل القادة الأميركيون باستمرار من تقدير حجم الموارد والجهود الدبلوماسية اللازمة لصياغة ودعم انتقال سياسي ناجح، فضلاً عن إنعاش قطاع النفط وإعادة بناء البنية التحتية.

وقد قال نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز، أمام المشرّعين الأميركيين في جلسة استماع في آذار/مارس 2003، بعد أيام من بدء غزو العراق، "نحن نتعامل مع دولة قادرة على تمويل إعادة إعمارها بنفسها في القريب. وتوقّع أن يُدرّ قطاع النفط العراقي ما بين 50، و100 مليار دولار من الإيرادات خلال العامين أو الثلاثة أعوام التالية. وقد فقدت إدارة بوش مصداقيتها لدى كلّ من العراقيين والكونغرس الأميركي عندما ثبت خطأ هذه التوقّعات على نحو حاسم. ولقد تسبّبت البنية التحتية المتهالكة، والمعدات القديمة، والهجمات على خطوط الأنابيب في انخفاض الإنتاج العراقي بشكل كبير عما توقّعته إدارة بوش. وبعد عشرة أشهر من شهادة وولفويتز، أشار مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أنّ عائدات النفط العراقية لم تكن كافية لتغطية أي شيء يتجاوز رواتب الحكومة. وبعد 3 سنوات من الإطاحة بصدام حسين، كان إنتاج العراق من النفط لا يزال أقل بنسبة 27% من مستويات ما قبل الحرب.

إنّ انتقالاً سياسياً سلمياً يُفضي إلى مزيد من الاستقرار والحد من الفساد سيجعل الشركات الأميركية أكثر حرصاً على القيام باستثمارات طويلة الأجل في فنزويلا. ولكن مهما يكن، فإنّ جهود إصلاح حقول النفط والبنية التحتية المهملة منذ زمن طويل ستستغرق وقتاً. ويتفق خبراء الصناعة عموماً على أنّه حتى بافتراض انتقال سلس للسلطة، ورفع العقوبات الدولية، وترسيخ حكومة داعمة للاستثمار، فإنّ زيادة إنتاج النفط بشكل كبير قد تستغرق عقداً من الزمن. وستحتاج الولايات المتحدة إلى تخصيص موارد لتحقيق الاستقرار في فنزويلا، وإدارة انتقالها السياسي، وإعادة بناء قطاع النفط، وهي جهود من المرجح أن تتطلّب اعتمادات من الكونغرس. لذلك ينبغي على إدارة ترامب العمل بشكل أكثر فعالية لحثّ المشرّعين على دعم نجاح فنزويلا.

حدود الثقة

تعتقد إدارة ترامب أنّ القوة الأميركية بلغت ذروتها. لكن قبل أكثر من 20 عاماً حين كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم بلا منازع، بالغت إدارة بوش في تقدير قوتها، وارتكبت خطأً فادحاً بإهمالها إشراك الدول الأخرى في القرارات المتعلقة بمصير العراق. فقد اعتقدت أنّ قوتها مطلقة، لدرجة أنّها عندما فشلت جهودها في حشد الدعم الإقليمي لغزوها، افترضت أنّها قادرة على تحقيق نتيجة إيجابية من دون ذلك. في المقابل، رأى جيران العراق، ولا سيما إيران وسوريا، دوافع لتقويض المرحلة الانتقالية التي تقودها الولايات المتحدة. واستغلت قوى بعيدة المدى، من بينها الصين وروسيا، مأزق الولايات المتحدة في العراق لتعزيز مصالحها، مستفيدة من تراجع الرقابة من واشنطن.

إذا كانت إدارة ترامب لا ترغب في الوقوع في الموقف نفسه، فعليها تكثيف مشاوراتها الإقليمية والدولية بشأن فنزويلا. ورغم قوة الدافع للتعامل مع الوضع بشكل أحادي، فإنّ للجهات الفاعلة في المنطقة وخارجها مصالح كبيرة في مستقبل فنزويلا. وإشراكها الآن سيؤتي ثماراً كبيرة لاحقاً. وفي مقابلة أجريت عام 2016، قال الرئيس باراك أوباما، إنّ أسوأ خطأ ارتكبه كرئيس هو "ربما عدم التخطيط لما بعد الإطاحة بالقذافي في ليبيا". فلا ينبغي أن يضطر كل رئيس أميركي إلى استيعاب الدروس نفسها من جديد، ولم يفت الأوان بعد على ترامب ليتعلّم من العراق حتى لا يضطر إلى الإجابة عن سؤال حول فنزويلا بالطريقة نفسها في نهاية ولايته الرئاسية.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.