تحالف باكس سيليكا (Pax Silica) - الصياغة الجديدة للهيمنة الأميركية
ما يقوم به الأميركيون في الواقع، عبر تحالف "باكس سيليكا"، هو إعادة صياغة سوق العمل المعولم، والذي يعني توزيع مراحل الإنتاج المختلفة بين دول متعددة وفق ميزاتها النسبية داخل النظام الرأسمالي العالمي.
-
ما الدور الذي سيضطلع به الكيان الصهيوني في هذه المبادرة؟
من يعتقد أن الأميركيين سوف يراقبون تراجع إمبراطوريتهم وهيمنتهم في صمت، هو مخطئ بكل تأكيد. لكن الأمر هنا يرتبط باستراتيجية مواجهة هذا التراجع، وهل ستؤدي إلى أن يكون تراجعاً سريعاً؟ أم تتمكن من إبطاء سرعته أو ربما علاجه للعودة إلى المشهد كقوة عظمى مرة أخرى. لكن، في كل الأحوال، فإن الهيمنة الأحادية على العالم لم تعد قابلة للاستمرار، بل وأصبحت مكلفة جداً.
في 11 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن انعقاد مؤتمر "باكس سيليكا" يوم 12 كانون الأول/ديسمبر 2025 والتوقيع على الاتفاقية الخاصة بهذه المبادرة، وقد ضمّ المؤتمر مجموعة من الدول المشاركة بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية مثل: اليابان، كوريا الجنوبية، سنغافورة، هولندا، المملكة المتحدة، الإمارات العربية المتحدة، هولندا، الكيان الصهيوني وأستراليا. كما شهدت القمة مشاركات من كل من تايوان وكندا والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
لكن، مع هذه المشاركات، لم توقّع كل الدول المشاركة على المبادرة، فالإمارات قامت بالتوقيع يوم 14 كانون الثاني/يناير 2026، بينما انضمّت قطر إلى المبادرة في بدايات العام الجديد، أما هولندا وكندا فلم توقّعا على المبادرة حتى الآن، لكن كان من المتوقع أنهما مع الهند في طريقهما لهذا التوقيع.
هناك هدف أساسي معلن لهذه المبادرة، وهو: تعزيز الأمن والمرونة لسلاسل توريد التكنولوجيا الحساسة وتقليل الاعتماد على جهات أو شبكات تصنيع مركزية في سياق المنافسة التكنولوجية العالمية. وبالتالي، كان من الطبيعي أن تتشكل المبادرة من دول متنوعة، بعضها تمتلك اقتصاديات متقدمة وبعضها لديه طموحات تقنية عالية وتستثمر في شبكات إنتاج أشباه الموصلات، قدرات ذكاء اصطناعي وبنية تحتية رقمية، سلاسل توريد معادن حيوية، وأخيراً شراكات صناعية مع الولايات المتحدة الأميركية.
تمثل الولايات المتحدة الأميركية العقل المنسق لهذه المبادرة، فهي تمتلك القيادة الاستراتيجية والسياسية، التحكم في تصميم الرقائق، الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، بينما تمتلك اليابان صناعة 80% من المواد التي تحتاجها صناعة آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية (EUV) مثل: الفوتوريسست المتقدم (Photoresist chemicals)، العدسات عالية الدقة والليزر المتقدم، المعدات الدقيقة المساعدة (مثل optics, scanners). ومن الواضح أن لكل دولة من الدول المشاركة التي قامت بالتوقيع على المبادرة دوراً محدداً ستقوم به من خلالها.
ما يقوم به الأميركيون في الواقع، عبر هذه المبادرة، هو إعادة صياغة سوق العمل المعولم والذي يعني توزيع مراحل الإنتاج المختلفة (المواد الخام، التصنيع، التجميع، الخدمات، التسويق) بين دول متعددة وفق ميزاتها النسبية داخل النظام الرأسمالي العالمي، لكن هذه المرة، هناك تحوّل بنيوي في التقسيم يجعله أقل خضوعاً لمصالح النخب المالية "وول ستريت، الشركات العابرة للقوميات والمجمع التكنولوجي المالي"، أي بناء عولمة جديدة خاضعة بدرجة كبيرة للسيطرة الأميركية الحكومية المباشرة، حيث تقود الدولة الاقتصاد تحت غطاء السوق. والهدف الأساسي من هذا التحوّل هو محاولة إقصاء الصين.
لكن هنا، تبرز تساؤلات عدة هامة، أولها:
ما الدور الذي سيضطلع به الكيان الصهيوني في هذه المبادرة؟
من المعروف أن الشركات في الكيان الصهيوني متميزة في التقنيات العسكرية الدقيقة والأمن السيبراني، وسوف يكون لها دور في المبادرة من هذه الناحية، لكن هذا التميز تعرض للكثير من الخلل مؤخراً بعد الحرب ضد إيران، حيث شهد أواخر عام 2025 هجرة العديد من العقول الصهيونية للعمل في الخارج نتيجة الحرب والضربات المؤثرة لإيران والمقاومة العربية، كما أن هناك سلبيات أخرى كالمساحة الصغيرة التي لا تدعم محاولته للتوسع الصناعي الكبير، بالإضافة إلى مشكلته الديموغرافية، وكونه مرفوضاً من المحيط العربي الكبير. وبالتالي، فالكيان الصهيوني يدخل هذه المبادرة كمجرد كيان وظيفي في خدمة الولايات المتحدة يتولى مهمات أمنية، وليس كحليف مركزي كما كان قبل "طوفان الأقصى"، وهنا يمكن القول إن ترامب نجح في وضع الكيان في موضعه السابق.
ما العلاقة بين هذه المبادرة وبين السعي الأميركي لإسقاط النظام الإسلامي في إيران؟
إن مشكلة الحشد العسكري الأميركي تجاه إيران تتعلق بأكثر من اتجاه:
1- الاتجاه الأول: يقوم على الجغرافيا السياسية لإيران، ومن المعروف تاريخياً أن من يتحكم في إيران يتحكم في آسيا، فموقعها الجغرافي وتحالفها مع الصين يجعلانها تملك أوراق ضغط لإفشال هذه المبادرة، سواء عبر اعتراض إمدادات الطاقة المتوقعة من قطر عبر الخليج الفارسي إلى شرق آسيا وأستراليا، أو عبر تهديد أنصار الله في اليمن للإمارات العربية المتحدة. كما أن الصين يمكنها الضغط على دول كاليابان وكوريا الجنوبية وحتى أستراليا لتفريغ المبادرة من محتواها، إذ إنها الشريك التجاري الأول لكل هذه الدول، أي أن كلاً من الصين وإيران يمكنهما القيام بنوع من الحصار لهذه المبادرة وعدم السماح لها بالتحرك الفاعل.
2- الاتجاه الثاني: يعتمد على دورها في الممرات البرية والبحرية، إذ يمكن لإيران الضغط بقوة على الهند بهدف إيقاف تفاعلها مع هذه المبادرة، فمؤخراً تم تشغيل الخط الرابط بين خواف الإيرانية وهرات الأفغانية، وهو خط فرعي لخط الشمال-الجنوب والذي يربط ميناء تشابهار الإيراني بمدينة سان بيترسبورغ الروسية، وتنقل عبره البضائع الهندية إلى أوروبا وآسيا الوسطى، ومثل هذا الخط سوف يكون مهدداً في حال حدث أي صدام بين الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني مع إيران، خصوصاً أنه الطريق الوحيد الذي يمكن للهند أن تسلكه إلى وسط آسيا من دون المرور على الصين وباكستان، أي أن مشاركة الهند في هذه المبادرة مرهونة بيد الإيرانيين. ولعل هذا هو السبب في عدم قيام الهند بالتوقيع على المبادرة حتى الآن. إذاً، فمن أجل تحرير قرار الهند من الضغط الإيراني ودفعها إلى التوقيع على المبادرة يجب أن يكون النظام في إيران موالياً للأميركيين.
3- الاتجاه الثالث: يرتبط بمحاولة الكيان الصهيوني التملص من مساعي ترامب لإبقائه كمجرد كيان وظيفي في خدمة الأهداف والمشروعات الأميركية، عبر الضغط بواسطة المجمع المالي واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة بقيادة السيناتور ليندسي غراهام من أجل توجيه ضربة عسكرية تؤدي إلى إسقاط النظام الإسلامي في إيران والمقاومة العربية. وهذا الاتجاه يستهدف التخلص من الإشكال الجغرافي والأمني والعسكري الذي يعاني منه الكيان، وأدى إلى تهميش دوره في ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا واستبداله بمصر وتركيا، وفي هذه الحالة سوف تكون مشاركته في هذه المبادرة أكثر فاعلية، ولا يبدو أن ترامب متحمس للتوجه إلى هذا المسار.
إن سلبيات التوجه إلى محاولة إسقاط الدولة في إيران واستبدال النظام أكثر من الإيجابيات، فلا توجد معارضة حقيقية يمكنها ملء الفراغ الناشئ عن سقوط نظام عقائدي، كما أن تفتيت وحدة إيران سوف تؤدي إلى العديد من المشاكل مع دول محيطة بعضها على علاقة وثيقة بالولايات المتحدة الأميركية، مثل: تركيا، باكستان، الهند، العراق، ودول الخليج. لكن السيناريو الأسوأ الذي يخشاه الأميركيون وحلفاؤهم هو المجموعات العقائدية في النظام الإسلامي كالبسداران (حرس الثورة) والبسيج (التعبئة الشعبية)، بالإضافة إلى مجموعات أخرى منتشرة في العالمين العربي والإسلامي وترتبط بالولي الفقيه عقائدياً. ومثل هذه المجموعات قد تنطلق في عمليات انتقامية غير محسوبة يمكن أن تهدد استقرار المنطقة بشكل كامل، وفي حال تمكنت من إعادة إنتاج النظام في إيران مرة أخرى، فإن عودته ربما تتخذ مظهراً أكثر عدوانية تجاه المصالح الأميركية ومصالح الحلفاء.
ما الهدف الأميركي الحقيقي من الإعلان عن هذه المبادرة؟
لا نحتاج الكثير من الذكاء لإدراك أن الصين هي المستهدف الأساسي من هذه المبادرة، بالإضافة إلى الرغبة في حصار الطاقة القادمة من روسيا وإيران، والضغط الاقتصادي على كل منهما، إلا أن هذه المبادرة تسعى للتعامل السريع مع التطور الصيني في مرحلة ما بعد قيام الصين بإعادة ضم تايوان، والتي تنتج عبر شركة TSMC 60% من إجمالي أشباه الموصلات عالمياً، كما أن حصتها من أشباه الموصلات المتقدمة (> 10 nm) تبلغ 90%، وبالتالي فالهدف الضمني لهذه المبادرة هو تفريغ تايوان من قيمتها بما يفقد احتمالات ضمّ الصين لها معظم المكاسب الاقتصادية، والأهم الاحتفاظ بالفجوة المتقدمة لمصلحة الولايات المتحدة.
لكن ثمة هدف آخر يسعى إليه ترامب، وهو كسب الوقت حتى يمكن تركيز هذه الصناعة بالكامل داخل أراضي الولايات المتحدة، ولذلك تم الضغط على شركة TSMC بهدف نقل بعض مصانعها إلى أريزونا في الداخل الأميركي ولم يقتصر الأمر على نقل المعدات وإنما العقول كذلك، ومن المؤكد أن تركيز هذه الصناعة سوف يستغرق بعض الوقت.
إلا أن الملاحظ هو مشاركة هولندا في هذه المبادرة من دون التوقيع عليها، ويبدو أن هولندا والتي توجد على أراضيها شركة ASML، وهي شركة أوروبية-يابانية-أميركية والوحيدة التي تنتج أجهزة الطباعة الحجرية (Lithography) بالأشعة فوق البنفسجية (EUV)، تتعرض لضغوط كبيرة من أجل التوقيع على هذه المبادرة، ولا تخلو الضغوط من تهديدات مبطنة، فنحو 25-30% من مكونات آلات ASML تخضع لقوانين التصدير الأميركية، كما أن السوق الأميركية هي الزبون الأكبر للشركة والمموّل الأكبر لها، وبالتالي فالهدف هنا هو إخضاع الشركة لاحتياجات الأمن القومي الأميركي وليس للقرار الهولندي، الذي يفضل التعاون من دون التوقيع على المبادرة، خاصة أن نقل هذه الصناعة إلى الولايات المتحدة سوف يحتاج إلى وقت وتكلفة لا يمكن للاقتصاد الأميركي تحمّلها حالياً. لكن، في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تدريب مهندسين أميركيين على صيانة هذه الآلات وتشغيلها بحيث تكون مستقبلاً الشركة هولندية لكن من يقوم بصيانتها وتشغيلها أميركيون.
يمكننا القول إن مبادرة "باكس سيليكا" هي مجرد مبادرة مؤقتة زمنياً ومرهونة بالصراع مع الصين حول التفوق التكنولوجي، وإعادة توطين هذه الصناعة في الأراضي الأميركية.
ما علاقة هذه المبادرة بالأوضاع في العالم العربي؟
إن وجود دولتين خليجيتين في هذه المبادرة يعني أن الولايات المتحدة تسعى إلى الاحتفاظ بالشرق العربي ضمن إطار نفوذها وتقسيمها الجديد للعمل المعولم الخاضع لمتطلبات الأمن القومي الأميركي، لكن وجود قطر على وجه الخصوص ضمن المبادرة يعني أن الولايات المتحدة تسعى لعزل قطر عن النفوذين الإيراني والتركي معاً، وكذلك الحد من الانتشار الصيني في الخليج، لكن هناك أسباب أخرى أيضاً.
فالصراع الذي نشب بقوة بين السعودية والإمارات في جنوب اليمن جعل الأخيرة معزولة تماماً، خاصة أن السعودية حظيت بدعم مصري، تركي وباكستاني، وهو ما يؤدي إلى كسر التوازن في الخليج الفارسي، خصوصاً أن السعودية بدأت تتخذ مواقف سياسية أكثر عدوانية تجاه الكيان الصهيوني، وفي المقابل، بالرغم من العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع قطر بالكيان الصهيوني وكونها الوسيط الدائم بينه وبين حركة حماس والمقاومة عموماً، فإن حماقة نتنياهو بقصف العاصمة القطرية العام الماضي، ساهمت في زيادة عزلة الإمارات العربية المتحدة، التي رغم انتقادها العلني للضربة الصهيونية استفادت منها إلى حد ما. حيث ارتفعت أسهم موانئها كعقدة لوجيستية بين الهند وميناء الفاو العراقي ومنه إلى تركيا (ممر التنمية) وهو الموقع الذي كان من المفترض أن تحتله قطر، كما ارتفعت أسهمها كوسيط لا يحتضن حركات مقاومة ومعرض للقصف الصهيوني. وبالتالي، فضمّ قطر يشير إلى محاولة التقريب بينها وبين الموقف الإماراتي في مواجهة السعودية.
من ناحية أخرى، تسعى الولايات المتحدة إلى ما يشبه تسعير سوق الغاز الطبيعي المسال بالدولار، أي إعادة إنتاج البترودولار (Petrodollar) بصيغة الغاز دولار (Gas-dollar)، عبر إدراج الدولار كعملة مرجعية ودمج العقود المشتركة بين قطر وأميركا مع الحزم التمويلية الأميركية (استثمارات مباشرة في محطات الغاز، تمويل المشاريع المشتركة مع قطر لدعم الإنتاج أو التوسع، وربط العوائد المالية بعقود طويلة الإمدادات)، وبالتالي القدرة على فرض عقوبات مباشرة أو غير مباشرة على من يتعامل بالعملات الأخرى، وصعوبة شراء الغاز خارج إطار النظام الأميركي الجديد الذي سيتمكن من تحديد من يمكنه شراء الغاز وبأي كمية، وفي هذا الإجراء، تُوجّه ضربة إلى الصين، وروسيا التي تسعى للسيطرة على أسواق الغاز بدورها.
هناك أيضاً الوضع السوري الذي يزداد تعقيداً. إن هذه المبادرة تقوم على دعم ممر الهند-الشرق العربي-أوروبا أو ما يطلق عليه طريق التوابل الجديد، وهو ممر لديه مسارات مهمة كلها في إطار الساحة العربية، مثل مساره عبر البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومساره عبر طريق التنمية (العراقي-السوري-التركي)، ومن الضروري فرض الترتيبات التي تؤدي إلى استمرار سلاسل التوريد على هذا الممر ومساراته المختلفة بما يخدم الأمن القومي الأميركي، وهو ما يعد من أهم أسباب الدعم الأميركي لسلطة أحمد الشرع في مواجهة حركة "قسد" الكردية، التي رفضت أن تدخل ضمن صراع مع الحشد الشعبي العراقي وإيران، وبالتالي فقد تُركت وحيدة في مواجهة الأتراك وقوات أحمد الشرع، كما يفسر هذا الهدف أسباب التحريض الأميركي على نزع سلاح المقاومة العراقية والحشد الشعبي، ورفض تولي الدكتور نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية. ومن المؤكد أن الأميركيين يخشون من دعم الحشد الشعبي العراقي لقوات "قسد" وقيام الأخيرة بالاقتراب أكثر من الإيرانيين، وهو ما يبدو منذ أواخر عام 2025.
لكن، من الضروري هنا التوضيح، أن موقف الدول التي ترعى مسارات الممرات التجارية في هذه المبادرة، لن يتجاوز رعاية هذه الممرات، واعتبارها مجرد أسواق، وفي المقابل، لن يكون بإمكانها نقل هذا التطور الصناعي إلى أراضيها إلا جزئياً ووفق الرؤية الأميركية، في الوقت الذي تسعى فيه دول مثل مصر وتركيا إلى التعاون مع الصين لمحاولة نقل تكنولوجيا صناعية متطورة، وخاصة في مجال صناعة أشباه الموصلات إلى أراضيها، وتجاوز دور تجارة العبور.