هل تُسرّع الحرب على إيران نهاية عصر الدولار الأميركي؟

التراجع التدريجي لهيمنة الدولار عالمياً، وسط اهتزاز الثقة بالنظام المالي الأميركي نتيجة استخدام الدولار كأداة ضغط سياسي، وتصاعد الديون الأميركية، وتداعيات الحرب على إيران وأسواق الطاقة.

  • هل تُسرّع الحرب على إيران نهاية عصر الدولار الأميركي؟
    هل تُسرّع الحرب على إيران نهاية عصر الدولار الأميركي؟

لأكثر من سبعة عقود، تصرّفت الولايات المتحدة وكأن هيمنة الدولار حقيقة أبدية. منذ اتفاقية بريتون وودز، بُني نظام مالي عالمي يمنح واشنطن امتيازاً غير مسبوق: الاقتراض بلا سقف فعلي، وتمويل عجزها عبر بقية العالم من خلال طباعة الدولار حسب ما يناسب اقتصادها بينما تعاني دول الشرق للحصول على "العملة الصعبة"، هذا الوضع بدأ يتغير بشكلٍ متسارع. الدولار لا ينهار… لكنه يتآكل.

لننظر إلى الحقيقة الأساسية: في عام 1999، كان الدولار يشكّل نحو 71% من احتياطيات العالم. اليوم؟ تراجع إلى حوالي 56% فقط بحلول 2025–2026 (Atlantic Council). هذا ليس انهياراً، لكنه أيضًا ليس استقراراً. نحن أمام أطول مسار تراجع تدريجي في تاريخ العملة المهيمنة.

ورغم ذلك، لا يزال الدولار متفوقاً بشكل كبير، إذ يشكّل حوالي 55–60% من الاحتياطيات العالمية، مقابل نحو 20% لليورو وأقل من 3% لليوان الصيني (Vision of Humanity). هذه الفجوة تفسّر لماذا لم يسقط النظام بعد. لكنها لا تنفي أنه يتحرك بسرعة، ولكن بثبات نحو هذا المسار. المفارقة؟ المشكلة ليست في غياب البديل، بل في تآكل الثقة.

العالم لا يهرب من الدولار لأنه ضعيف، بل لأنه أصبح أداة سياسية. منذ 2022، ومع تجميد الأصول الروسية، بدأت البنوك المركزية تدرك أن الاحتياطيات لم تعد "محايدة". والنتيجة لم تكن ثورة فورية، بل تحوّلاً صامتاً: تنويع الاحتياطيات، وزيادة شراء الذهب، وتقليل الاعتماد النسبي على الدولار.

حتى الأرقام تؤكد ذلك: إجمالي الاحتياطيات العالمية بلغ نحو 13.1 تريليون دولار في 2025 بحسب صندوق النقد الدولي، كما أن بعض الدول تسارع إلى التخلي عن الدولار و سندات الخزانة الأميركية، و هذا ما يفسر ارتفاع العائد على السندات الأميركية لتصل سندات العشر سنوات إلى عتبة 4.5%.

في ظل الحرب الأميركية على إيران و ما نتج عنها من صدمة في أسواق الطاقة. مضيق هرمز يمرّ عبره  20% من النفط العالمي يومياً وهذا لا يرفع السعر فحسب بل يجعل النفط و مشتقاته تُفقد من الأسواق الأمر الذي يُفسر تقنين الوقود في دول شرق آسيا كالفيليبين. 

قد يعتبر البعض أن أميركا معزولة عن ما يحصل لأن أميركا تنتج خام تكساس ولكن خام تكساس إرتفع أيضاً وارتفاعه ليس مجرد خبر سيء للمستهلكين، بل تهديد مباشر لاستقرار الاقتصاد الأميركي. لأن ارتفاع النفط اليوم لا يحدث في فراغ، بل في اقتصاد مثقل أصلًا بالديون.

هنا تصبح الصورة أكثر خطورة: أميركا تعيش أصلاً على جبل من الديون بلغ حوال 39 تريليون دولار أي ما نسبته أي ما نسبته 125% من الناتج المحلي الإجمالي. أي ارتفاع في أسعار الفائدة سواء بسبب التضخم أو فقدان الثقة يعني ارتفاعاً مباشراً في كلفة خدمة هذا الدين و هذا الأمر يحصل في ظل تزايد الإنفاق على  التسلح.

وهذا ما بدأ يحدث بالفعل.إن ارتفاع عوائد سندات الخزانة ليس مجرد رقم في الأسواق المالية بل إشارة إنذار. فعندما يطالب المستثمرون بعوائد أعلى، فهذا يعني أنهم يرون مخاطرة أكبر. ورغم أن البنوك المركزية لا تزال تحتفظ بحوالي 7.4 تريليون دولار من الأصول الأميركية، فإن الاتجاه لم يعد تصاعدياً كما كان. الثقة لم تختفِ لكنها لم تعد مطلقة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: الاقتصاد الأميركي اليوم يعتمد على معادلة حساسة جداً ديون ضخمة + فائدة مرتفعة + ثقة عالمية. إذا اختلّ أحد هذه العناصر، تبدأ السلسلة بالاهتزاز.

الحرب على إيران قد تضرب الثلاثة معاً:

• ترفع التضخم عبر أسعار الطاقة
• تجبر الفدرالي على إبقاء الفائدة مرتفعة
• وتدفع المستثمرين لإعادة تقييم المخاطر

السيناريو الأكثر خطورة: الركود التضخمي

مع استمرار الحرب على ايران، بدأت مراكز الدراسات رفع توقعات التضخم و تخفيض معدلات النمو للإقتصاد الأمريكي، ما يقربنا من سيناريو الركود التضخمي، الركود التضخمي هو حالة من الإنكماش يكون فيها معدل التضخم أعلى من معدل التضخم، في هذا السيناريو، لا تعمل أدوات السياسة النقدية أي الفدرالي الأميركي، فرفع الفائدة يقتل النمو، وخفضها يشعل التضخم. والأسوأ أن المشكلة هنا ليست في الطلب، بل في العرض أي نقص الطاقة وارتفاع تكلفتها. هذا النوع من الأزمات لا يُحل بسهولة، بل يستنزف الاقتصاد تدريجياً ويقضي على الطبقة الوسطى المثقلة أساسا ويرفع معدلات البطالة بشكلٍ كبير، هذا الأمر حصل فعلا خلال فترة تُسمى بالكساد العظيم 1929.

وهنا يصبح السؤال أكثر حدة:

هل يمكن للدولار أن يبقى مهيمناً في عالم لم يعد يثق به بالكامل؟
حتى الآن، الجواب هو نعم، لكن بشروط. لأن البدائل لا تزال ضعيفة:
• اليورو مبني على دولٍ أوروبية مثقلة بالدين و تعاني الشيخوخة و ضعف الإنتاجية.
• اليوان لا يزال خاضعاً لقيود حكومية تجعل من الصعب على دول العالم التعامل به كونه لا يخضع لقوانين العرض و الطلب.
• والذهب لا يمكنه أداء كل وظائف العملة.

رسوم إيران على مضيق هرمز، مفتاح النظام البديل؟

عملياً، ما أسس لهيمنة الدولار كان إتفاقاً سعودياً أميركياً يُعرف "بالبترودولار " و حتى الآن، لاتزال الأغلبية الساحقة من براميل النفط تُباع بالدولار، ولكن نفط الخليج اليوم بات تحت رحمة إيران بشكلٍ كبير والتي تسعى إلى فرض رسومٍ على عبور السفن التجارية، وقد ورد عدة تقارير تفيد بدفع رسومٍ لإيران باليوان الصيني. و نية دولٍ كبرى كاليابان و كوريا الجنوبية بإبرام اتفاقاتٍ مباشرة مع إيران متخطيةً بذلك الولايات المتحدة الأميركية. إذا تم تشريع هذا الأمر على نحوٍ أوسع فإنه بداية الصعود لليوان الصيني بشكلٍ جدي جداً. 

إن فك إحتكار الدولار على أسواق الطاقة هو أكثر ما يخشاه الأميركيون، لأن وجود بديلٍ مستقلٍ عن أميركا يمنح دول العالم خيارا آخر و إستقلالية أكبر كما يُقلص قدرة أميركا على استغلال الشعوب و ممارسة الابتزاز.

لكن التاريخ لا يحتاج إلى بديل مثالي حتى يتغير. يكفي أن يتآكل المركز تدريجياً.
ما نراه اليوم ليس انهياراً مفاجئاً، بل انتقالاً بطيئاً من نظام أحادي إلى نظام متعدد. الدولار سيبقى، لكنه لن يكون وحده. وسيبقى قوياً، لكنه لن يكون بلا منافس. الحرب على إيران لن تُسقط الدولار. لكنها قد تُسرّع شيئاً أهم: نهاية "الراحة" التي كان يتمتع بها.

النظام الذي سمح لأميركا بالاقتراض بلا حدود، وفرض سياساتها عبر عملتها، لم يعد يعمل بنفس السلاسة. ومع كل أزمة جديدة من 2008 إلى 2022 إلى اليوم تتراكم الشقوق.

وفي عالم المال، الشقوق الصغيرة لا تبقى صغيرة إلى الأبد. السؤال لم يعد ما إذا كان الدولار سينهار. بل ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع الحفاظ على الثقة العالمية. في وقت تختبر فيه هذه الثقة أكثر من أي وقت مضى مع رئيسٍ أميركيٍ مجنون يبدو فاقدا للسيطرة و عاجزاً أمام صلابة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إن ما نشهده اليوم ليس فقط إعادة رسمٍ لخرائط النفوذ السياسي وحسب بل إعادة نسج للشبكات الإقتصادية من منطقة شرق آسيا وتحديداً مضيق هرمز.

اخترنا لك