نصر الله في عيون إسرائيليّة: من بيت العنكبوت إلى محور المحور

تقرير يتناول صدقية خطابات السيد حسن نصر الله وقدرته على قراءة المجتمع الإسرائيلي والتأثير فيه، ودور خطابه في معادلات الردع والحرب النفسية، وصولًا إلى استمرار تأثيره بعد استشهاده، مع الإشارة إلى أن "إسرائيل" نفسها تعاملت معه بوصفه خصمًا استثنائيًا وهدفًا استخباريًا مركزيًا.

  • نصرالله في عيون إسرائيليّة: من بيت العنكبوت إلى محور المحور
    من خطابات السيد الشهيد حسن نصرالله (أرشيف)

(دائمًا في وقت الذروة، أجبر نصر الله كل من تابع الحرب، وبالتأكيد كل من كان يغطّيها ويحللها، على الالتصاق بشاشة التلفزيون، وإسكات كل ضجيج محيط به، وإعداد القلم والورقة أو جهاز التسجيل، وقطع الاتصالات الهاتفية، وتكريس جسده وروحه للاستماع إلى الأمين العام. كانت إطلالاته مهمة إلى درجة أنه إذا غاب أكثر من يومين، تبدأ موجة من التكهنات بشأن مصيره، وليس أقل من ذلك بشأن مصير الحرب. وعندما كان يظهر، كانت تُحلَّل كل قطرة عرق على وجهه، وتسريحة شعره ولون شعره، والأثاث الذي يجلس عليه، والخلفية التي تظهر وراءه).

تسفي بارئيل، الصحافي والمحلّل الإسرائيلي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مجلة «العين السابعة»

ليس سهلًا أن ترسم صورة سماحة السيد الشهيد حسن نصرالله من خلال الخطاب السياسي والمقاربة الاستخباريّة والمهنيّة وعبر عدسة وصفحات الإعلام في إسرائيل؛ فاللغة التي أحاطت باسمه طوال أكثر من ثلاثة عقود هي، في الأصل، لغة عدوّ يتحدث عن عدوّ. لكن ما إن تُجمع عشرات المواقف والتصريحات والتقارير والدراسات والمقابلات الإسرائيليّة، وتُقرأ على امتداد زمني يبدأ من يوم تعيينه أمينًا عامًّا لحزب الله وحتى تحرير لبنان في الـ2000 فحرب تموز 2006 وما بعدها، وحتى ما بعد استشهاده، حتى تظهر خلف لغة العداوة صورة أكثر وضوحًا: قائد استثنائي في نظر أعدائه، خطيب فرض الاستماع إليه، رجل بنى صدقية حتى داخل جمهور العدو، درس إسرائيل بقدر ما درسته، وحوّل الكلمة والخطاب والمعادلة إلى عناصر من عناصر القوة والردع والحرب النفسيّة.

في آذار 2019، افتتحت قناة «كان» برنامجًا كاملًا عنه بالقول إنه لا يوجد «عدو عربي يشغل الرأي العام في إسرائيل مثل حسن نصرالله»، قبل أن تأتي الجملة الأكثر دلالة: «نحن الإسرائيليون نصغي إليه ونصدقه». وفي البرنامج نفسه قيل إن كل كلمة يقولها، بل «كل نصف جملة»، تتحول إلى عنوان رئيسي في إسرائيل، وإن نوعًا من «الكيمياء غير المباشرة» نشأت بينه وبين جمهور المشاهدين الإسرائيليّين.

حين أصبح خطاب العدو مصدرًا للمعلومة

تعود جذور هذه الظاهرة إلى ما قبل حرب 2006. ففي 26 كانون الثاني 2004، كتب رعنان شاكيد، الصحافي والكاتب الإسرائيلي وناقد التلفزيون في «يديعوت أحرونوت» آنذاك، عن نصرالله بوصفه صاحب كاريزما تلفزيونية من الطراز الأول، ورأى فيه، من الناحية الإعلاميّة، «القائد المثالي»، واصفًا إيّاه بأنّه «فعّال، جدّي، يذهب حتى النهاية، يقول ويفعل»، بل اعتبره في ذلك الوقت «القائد الأكثر فصاحة ووضوحًا في منطقتنا».

وبعد أيام، في 5 شباط 2004، ذهب الصحافي والكاتب الساخر أفي سيغال، الذي كان يكتب آنذاك في صحيفة «بشيفع» وموقع «القناة السابعة» تحت الاسم المستعار «دانييل روتيم»، أبعد من ذلك حين تناول صورة نصرالله لدى شرائح من الجمهور الإسرائيلي، مشيرًا إلى ما كان يُنسب إليه من «الكاريزما والنزاهة الشخصية»، قبل أن ينقل على لسان إسرائيلي يساري العبارة اللافتة: «ليتنا نملك فقط رئيس حكومة يقول الحقيقة. ليت لدينا نصرالله صغير خاص بنا، واحد يعد وينفّذ».

ثم جاءت حرب تموز 2006 لتحوّل ذلك الانطباع إلى ظاهرة إسرائيلية مكتملة. ففي دراسة حملت عنوان «إدارة الدعاية الإسرائيليّة في حرب لبنان الثانية»، قادها الدكتور أودي ليبل، الباحث والمحاضر آنذاك في علم النفس السياسي والعلاقات بين الجيش والإعلام في معهد بن غوريون بجامعة بن غوريون في النقب، جرى فحص أداء المنظومة الدعائية والإعلامية الإسرائيلية من خلال ست مجموعات تركيز شاهد أفرادها تسجيلات للجهود الإعلامية الإسرائيلية داخل إسرائيل وخارجها وأجابوا عن استبيانات بشأنها.

وأظهرت النتائج، كما نقلتها الصحافية عنات برشكوفيسكي في «يديعوت أحرونوت» في 3 أيلول 2006، أنّ المشاركين عندما سُئلوا عمّن منحهم شعورًا باليقين بشأن استمرار القتال، ومن حاز أعلى درجات المصداقيّة، أشاروا إلى خطابات نصرالله؛ بل إن أيًّا من المتحدثين باللغة العبريّة لم يحصل، وفق الدراسة، على درجات في المصداقيّة تضاهي الدرجات التي حصل عليها.

وعندها قال ليبل عبارته اللافتة: إن إسرائيل وصلت إلى «وضع جنوني»، إذ بدلًا من أن ينتظر الجمهور الإسرائيلي متحدثًا وطنيًا يشرح له ما يحدث يومًا بيوم ويقلّص حالة الفوضى، أصبح قسم من الجمهور ينظر إلى «زعيم العدو الذي نحاربه» باعتباره ذلك المصدر، وينتظر خطاباته بفارغ الصبر.

لم تتأسّس هذه الصورة على البلاغة وحدها، عندما أعلن السيّد الشهيد نصرالله خلال الحرب إصابة السفينة الحربيّة الإسرائيلية «حانيت» قبالة بيروت، ظهر لاحقًا أن السفينة أصيبت بالفعل وقُتل أربعة جنود. وفي قراءة إسرائيليّة لاحقة، صار ذلك المثال جزءًا من تفسير لماذا ترسخت صورة الرجل الذي إذا قال شيئًا، يُنتظر أن يكون قادرًا على تنفيذه.
ولهذا كتب تسفي بارئيل، الصحافي والمحلّل الإسرائيلي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، في مجلة «العين السابعة» بعد حرب تموز 2006، أن نصرالله كان يمثل أمام الإعلام الإسرائيلي ثلاث شخصيّات في وقت واحد: «عدوًا لدودًا وقائد جبهة الكاتيوشا؛ ومفسرًا للتحركات العسكريّة؛ ومحللًا ومراقبًا للمجتمع الإسرائيلي وجيشه». وأضاف بارئيل أن المحللين الإسرائيليّين كانوا يعرفون أنّ في كل خطاب أو مقابلة تقريبًا «فصلًا خاصًا» مخصّصًا لهم، أي للجمهور الإسرائيلي، تمامًا كما كانت القيادات العربيّة واللبنانيّة تنتظر الجزء المخصّص لها.

خبير في علم نفس المجتمع الإسرائيلي

ربما لا توجد صورة أكثر تكرارًا في المادة الإسرائيليّة من صورة نصرالله الذي يدرس إسرائيل، ففي أيلول 2006، وصفه الدكتور أودي ليبل، الباحث في علم النفس السياسي والعلاقات بين الجيش والإعلام في جامعة بن غوريون، بأنه «دكتور في علم نفس المجتمع الإسرائيلي»، في معرض مقارنته بين معرفة نصرالله بالمجتمع الإسرائيلي وقصور الدعاية الإسرائيليّة في فهم جمهورها وخصومها. وبعد ثلاثة عشر عامًا، نقل المحلل العسكري أمير بوحبوط في موقع «واللا» عن الملازم «ج» في لواء الأبحاث بشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» قوله إن نصرالله «ذكي جدًا وماكر، خصوصًا في الطريقة التي يحاول بها التأثير في الوعي الإسرائيلي»، وإنه اشتهر بوصفه «القائد العربي الذي فك شفرة الـDNA الإسرائيلي». وأضاف الضابط: «علينا طوال الوقت أن ندخل في حذاء نصرالله ونفهم كيف يتصرف». وفي شباط 2022، اختار الصحافي ليعاد أوسمو في «يديعوت أحرونوت» عنوانًا فرعيًا كاملًا لوصف هذه الظاهرة: «عالم الاجتماع الذي يدرس المجتمع الإسرائيلي»، مستعرضًا متابعة نصرالله للاستطلاعات الإسرائيليّة، والصحافة العبريّة، ومقالات الرأي، وأبحاث مراكز الدراسات، وتفاصيل المزاج السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل.

وبعد عام على استشهاده، جاءت شهادة أكثر تحديدًا من داخل لواء الأبحاث الإسرائيليّة. سُئل ضابط كان مسؤولًا عن تعقّب كبار المسؤولين: إلى أي مدى كان نصرالله يعرفنا؟ فأجاب: «في العمق كثيرًا». هل كان يقرأ بالعبريّة؟ نعم. هل يعرف السياسيّين الإسرائيليّين بأسمائهم؟ «بالتأكيد»، والصحافيّين؟ «طبعًا».

وفي تقرير مصوّر للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بعنوان «المُصفّون – الحلقة الثانية: حسن نصرالله»، نُشر في نيسان 2026، جاء أن نصرالله كان يعرف العبريّة، ويدرس الثقافة الإسرائيليّة وخرائط المدن، ويعرف السياسيّين بأسمائهم، ويقرأ سير الشخصيّات العامّة.

لكن المفارقة أن إسرائيل كانت في الوقت نفسه تدرس الرجل الذي يدرسها. في تقرير من داخل لواء الأبحاث في «أمان»، قال أحد الضباط إن مهمته كانت ببساطة «محاولة الدخول إلى رأس نصرالله» لفهم طموحاته ورؤيته واستراتيجيّته. وفي عام 2021 كُشف أنّ فريقًا يضم أكثر من خمسة عشر باحثًا في الاستخبارات العسكريّة كان يعمل على تحديث «ملف نصرالله» بهدف توقّع ردود فعله في السيناريوهات المختلفة.

كان، إذًا، مشهدًا فريدًا من المراقبة المتبادلة: نصرالله يقرأ إسرائيل لكي يعرف كيف يخاطب مجتمعها، وإسرائيل تقرأ نصرالله لكي تعرف كيف سيتصرف.

الردع حين يصبح الخطاب جزءًا من السلاح

لم يكن الخطاب عند السيد نصرالله، وفق المواد الإسرائيليّة نفسها، مجرّد أداة إعلاميّة تلحق بالفعل العسكري؛ بل كان جزءًا من صناعة المعادلة.

في مقابلة مع صحيفة الأخبار اللبنانية عام 2014، نقلتها يديعوت أحرونوت شرح هو بنفسه فلسفته بعبارة تكاد تختصر تجربته الاتصاليّة كلها: «الحرب النفسية تقوم على المصداقية». وقال إنه يمكن المبالغة أو خلق أجواء معيّنة، لكن لا يمكن إطلاق تهديد لا توجد قدرة على تنفيذه. ثم قدّم أمثلة من هذه المعادلات التي كانت دائما جزءًا مستحضرًا في جلسات الكابينت الأكثر حساسيّة على امتداد قرابة العقدين من الزمن، لا يؤخذ قرار في الكريا بمعزل عنها ولا يتم التصويت على موضوع بدون النظر إليها.

كان لهذه اللغة امتداد سابق في «حيفا، وما بعد حيفا، وما بعد ما بعد حيفا». وقد لاحظ بارئيل أن العبارة ترسّخت بقوة في الوعي الإسرائيلي إلى حد أن نصرالله لم يعد لاحقًا بحاجة إلى شرح ما يقصده بـ«ما بعد حيفا». أي إن اللغة نفسها أصبحت خريطة تهديد يفهمها الإسرائيلي قبل أن يشرحها المتحدّث.

ومن هنا لم تكن صورة الصاروخ وحدها هي التي تصنع الردع، بل كانت هناك صورة الإستهداف يقابله استهداف وأنّ التهديد يقابله تصعيد، وأن الجهوزيّة كانت عند رفع الأصبع على «إجر ونص». وفي مثالٍ آخر على «منهج المعادلات»، نقل الصحافي يوآف ليمور في «إسرائيل هيوم» شباط 2022 عنه قوله بعد عمليّة الرد على اغتيال جهاد مغنية جنوب سوريا: «قتلونا في وضح النهار ونحن قتلناهم في وضح النهار... ركزوا على سيارتين ونحن ركزنا على سيارتين».

هذه المعادلات لم تبقَ مجرّد كلام في القراءة الإسرائيليّة، ففي تحقيق نشرته الصحافيّة والمحللة الإسرائيلية للشؤون العربية سمدار بيري في «يديعوت أحرونوت» في 29 أيلول 2024، نقلت عن رجل استخبارات إسرائيلي مخضرم لم تكشف اسمه قوله بشأن فرص سابقة لاستهداف نصرالله: «كان بالإمكان إسقاطه. ولكن لم يتخذ القرار». وأوضحت بيري أن إسرائيل امتلكت على امتداد السنوات فرصًا غير قليلة لاغتياله، خصوصًا خلال انتقالاته إلى طهران أو منطقة البقاع. وهذا يعني أن الرجل الذي كانت إسرائيل قادرة أحيانًا على الوصول إليه لم يكن دائمًا هدفًا يُتخذ قرار تصفيته فورًا؛ إذ كانت حسابات ما بعد الاغتيال، وطبيعة الخلف، ورد الفعل، واحتمال فتح مواجهة أوسع، جزءًا من معادلة القرار الإسرائيلي.

وهذا هو جوهر الردع: ليس أن يمتنع الخصم عن التفكير في ضربك، بل أن يصبح ثمن الضربة وحساب ردها جزءًا من القرار قبل اتخاذه.

أفضل عرض في المدينة

بلغ تأثير نصرالله في الوعي الإسرائيلي حدًا بدا أحيانًا مربكًا حتى لرجال المؤسّسة الأمنيّة أنفسهم. ففي 17 تموز 2006، كتب العميد احتياط الدكتور يوسي بن آري، المسؤول الرفيع السابق في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، في «يديعوت أحرونوت» أنّه لم يستطع، وهو في طريق عودته إلى منزله، مقاومة إغراء التوقف عند مفرق موديعين كي لا يكتفي بسماع خطاب نصرالله، بل يشاهده أيضًا على شاشة التلفزيون في أحد المطاعم. وبعد ذلك تساءل منتقدًا لماذا كانت القنوات الإسرائيليّة تنقل خطابه مباشرة وتمنحه المنبر والجمهور اللذين يريدهما، لكنّه انتهى إلى اعتراف بالغ الدلالة: «فلنكن صريحين... يبدو أن نصرالله هو أفضل عرض في المدينة».

وبعد سنوات، بقي الوصف نفسه تقريبًا. ففي 29 كانون الثاني 2024، قال عوديد عيلام، الرئيس السابق لشعبة مكافحة الإرهاب في جهاز الموساد الإسرائيلي، في مقابلة ضمن حلقة لهيئة البث الإسرائيلية «كان» بعنوان «عندما لم تصل التعليمات من إيران: ماذا يخطط نصرالله؟»، إن نصرالله شخصية تتمتع بـ«كاريزما استثنائية»، وإن قدرته على الظهور أمام الجمهور تجعله يبدو «كأنه نجم روك»، مشيرًا إلى فهمه العميق للإعلام وإدراكه لقدرته على التأثير في الجمهور.

وعندما قارن عيلام نصرالله بقيادات أخرى في حزب الله، قال إنهم لا يمتلكون «القيمة الإضافية» نفسها التي كان يجلبها نصرالله، والتي تمكّنه، بحسب تعبيره، من خلق «نوع من النشوة الجماهيرية تقريبًا»، قبل أن يخلص إلى العبارة اللافتة: «ظهوره هو أفضل ما في المدينة».

وفي دراسة أكاديميّة إسرائيليّة أعدّتها الدكتورة تسفيرا غربلسكي ليختمان، ونُشرت عام 2012 في دورية «أطر الإعلام» تحت عنوان «العلاقة بين التطابق وعدم التطابق اللفظي وغير اللفظي وبين ردود فعل الصحافيين والمحللين: إطلالات حسن نصرالله التلفزيونية في حرب لبنان الثانية»، جرى تحليل مجمل إطلالاته التلفزيونيّة خلال حرب تموز 2006. وأظهرت الدراسة نتيجة لافتة: أن نسبة الملفوظات التي تضمّنت توجهًا صريحًا إلى مقاتلي حزب الله بلغت 44.98 في المئة، وهي النسبة نفسها تمامًا لتوجهه الصريح إلى المواطنين الإسرائيليين، 44.98 في المئة. أي إن الإسرائيلي لم يكن متلقيًا جانبيًا للخطاب، بل كان، بالقدر نفسه تقريبًا، جمهورًا مستهدفًا بحد ذاته.

لهذا كان الإعلام الإسرائيلي يحلّل ابتسامته وقطرات العرق على وجهه وتسريحة شعره والأثاث والخلفية التي يظهر أمامها، كما كتب تسفي بارئيل في مجلة «العين السابعة» بعد حرب 2006؛ بل إن غيابه لأكثر من يومين كان كافيًا لإطلاق دوامة من التكهنات حول مصيره، وبالقدر نفسه تقريبًا حول مصير الحرب.

وبعد نحو عقدين، بقيت الظاهرة حاضرة في التوصيف الإسرائيلي. ففي تقرير نشره ليؤور بن آري في «يديعوت أحرونوت» في 4 تشرين الأول 2024، قالت أورنا مزراحي، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي والباحثة الكبيرة في معهد دراسات الأمن القومي: «لقد علّمنا نصرالله أن نتعامل مع خطاباته بجدية، ونحن انجرفنا وراءه. لقد أصبح الأمر طقسًا. نصرالله يخطب والجميع يهرعون للقراءة، والجميع يهرعون للتفسير والشرح».

بيت العنكبوت: بصمة نفسيّة تجاوزت ربع القرن

ولعلّ خطاب «بيت العنكبوت» الذي ألقاه نصرالله في بنت جبيل في 26 أيار 2000 يمثّل المثال الأوضح على ما يمكن وصفه نفسيًا بـ«البصمة النفسيّة الجمعيّة الممتدّة»؛ إذ تحوّلت صورته عن إسرائيل التي تبدو شديدة القوة لكنها «أوهن من بيت العنكبوت» إلى مرجع ظلّ الإسرائيليون يعودون إليه كلما ناقشوا مناعة مجتمعهم وقدرته على تحمّل الخسائر. فمنذ عام 2003 كتب الصحافي عوفر شيلح أن رجال الاستخبارات الإسرائيليين كانوا يفسّرون تحركات نصرالله وتصريحاته استنادًا إلى «نظرية خيوط العنكبوت»، ثم ربط بنيامين نتنياهو بعد حرب 2006 بين الخطاب وبين تآكل الردع الذي نسبه إلى الانسحابات الأحادية، فيما كتب وزير الأمن السابق موشيه يعلون لاحقًا أن الصورة عبّرت عن تصور لدى أعداء إسرائيل بأن قدرة المجتمع الإسرائيلي على الصمود هي الحلقة الضعيفة في مناعته القوميّة.

ولم يبقَ الرد على الخطاب نظريًا. ففي حرب 2006 قال رئيس الأركان دان حالوتس إن «بنت جبيل رمز لحزب الله»، وجاءت العمليّة الإسرائيليّة في المدينة تحت اسم «خيوط الفولاذ» في رد رمزي مباشر على «خيوط العنكبوت». ومع ذلك بقيت العبارة حاضرة والعملية مكررة عام 2024 حيث كان الفشل نفسه من إقفال الحساب مع المدينة وملعبها؛ وقد عاد معهد دراسات الأمن القومي عام 2023 إلى استخدامها في تحليل قراءة نصرالله للانقسام الداخلي الإسرائيلي، وبعد اغتياله كتب مئير بن شبات الرئيس السابق لمجلس الامن القومي الإسرائيلي أن حديث «خيوط العنكبوت» اعتُبر على مدى سنوات، «وليس فقط لدى أعداء إسرائيل»، تعبيرًا عن اتجاهات حقيقيّة في المجتمع الإسرائيلي، فيما قالت أورنا مزراحي إن الخطاب بقي من أكثر ظهورات نصرالله رسوخًا في ذاكرتها.

أما المشهد الأكثر دلالة فجاء بعد ستة وعشرين عامًا، حين عادت القوات الإسرائيليّة للمرة الثالثة إلى بنت جبيل للنيل من ملعبها المرتبط بالخطاب، وهنا يتضح عمق الأثر: لم تكن قوّة «بيت العنكبوت» في كونه مجرّد خطاب، بل في أنّها ظلت ربع قرن تستحضره وتجادله وتحاول كسر رمزه؛ من الاستخبارات والسياسة إلى الجيش والدراسات، وصولًا إلى العودة إلى المكان نفسه للرد على كلمات قيلت سنة 2000.

من قائد حزب إلى «محور المحور»

لكن الصورة التي رسمها الإسرائيليّون لم تتوقّف عند الخطيب والردع، بعد اغتياله، وصفه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بأنه ليس «مجرد قائد عسكري آخر»، بل رمز وزعيم كاريزمي وسياسي متمرّس استطاع الجمع بين الرؤية الدينيّة والأيديولوجيّة بعيدة المدى، والعمليّة العسكريّة المعقّدة، والتكتيك الفوري. والأكثر دلالة أن المعهد ربط اسمه بما اعتبره «انتصارات وإنجازات» في مواجهة إسرائيل، من انسحاب عام 2000 حتى ما سمّاه «النصر الإلهي» عام 2006.

وفي قراءة إسرائيليّة أخرى عام 2025، كتب شمعون شابيرا في صحيفة «هآرتس»، ضمن مراجعة لكتاب «نصرالله: الأساطير لا تموت» الذي أعدّه ضابط استخبارات رفيع وباحثة استخباراتيّة كبيرة، أن نصرالله تحول بين عامي 2000 و2006 إلى ما وصفه بـ«صلاح الدين الجديد»، معتبرًا أنه أصبح «أول زعيم عربي ينجح في دفع إسرائيل إلى الانسحاب من أرض عربيّة من دون أي اتفاق». وأضاف شابيرا أنه بعد حرب 2006 تحول نصرالله إلى «رجل المعادلات»، الذي سعى إلى تحديد موازين التوازن والردع بين حزب الله وإسرائيل.

أمّا بنيامين نتنياهو نفسه، ففي روايته لقرار الاغتيال، قال إنّه قرأ تقريرًا استخباريًا من سبعين إلى ثمانين صفحة عن نصرالله مرّتين، ثم خلص إلى أنه أمام «شخصيّة استثنائيّة» ذات قدرات كبيرة بنت حزب الله على مدى أكثر من ثلاثة عقود. ومن التقرير نفسه خرج نتنياهو بتعبيره: «محور المحور الإيراني»، وقال إن تأثير نصرالله في الإيرانيين كان، وفق قراءته، أوسع من صورة الوكيل الذي يتلقى التعليمات فقط بل كان هو صاحب القرار معهم.

ثم ذهب إلى خبراء إيران في الأجهزة الإسرائيلية ليسأل عن هذه المركزية، وقال إنهم عززوا تقديره بأن نصرالله يمثل «تأثيرًا شخصيًا حقيقيًا وقياديًا»، وأن حزب الله، في المدى المنظور، لن يكون التنظيم نفسه في غيابه.

بعد عام من الاغتيال، ظل مسؤولون وباحثون إسرائيليّون يستخدمون أوصافًا مشابهة، ففي تقرير لقناة «i24NEWS» في 25 أيلول 2025، قال اللواء احتياط غرشون هكوهن، القائد السابق للفيلق الشمالي، إن نصرالله كان قائدًا يوحّد ليس فقط الطائفة الشيعيّة في لبنان، بل المجال الشيعي الأوسع المرتبط بإيران، وإنّه جمع في شخص واحد أدوار «القائد الروحي» و«القائد العسكري» والقائد المنخرط في شؤون الجمهور والحياة اليوميّة. ووصفه العقيد احتياط رونن كوهن، الرئيس السابق لساحة الإرهاب في شعبة الاستخبارات العسكريّة «أمان»، بأنه «قائد كاريزماتي، مؤثر وجذّاب، صاحب خطاب قوي جدًا». أما الدكتور هرئيل حورف، المؤرخ والخبير في الشأن اللبناني في مركز دايان بجامعة تل أبيب، فقال إن أحدًا لم ينافسه في مكانته أو كاريزمته أو قدراته أو أسلوبه أو قدرته على الخطابة والتوجّه إلى الجمهور، مضيفًا: «لم يكن له مثيل». وحورف نفسه شبّه نصرالله بـ«العمود المركزي في المحور»، قائلًا إنه منذ اللحظة التي أُصيب فيها «بدأ كل شيء بالانهيار».

"إسرائيل" تحاول بعده إعادة تفسيره

بعد أيلول 2024 ظهرت في الإعلام الإسرائيلي محاولة واضحة لبناء قراءة مضادّة: نصرالله الذي عرف إسرائيل طويلًا، أخطأ هذه المرة في قراءة مجتمعها؛ والرجل الذي صاغ «بيت العنكبوت» أصبح، وفق تلك الرواية، أسير التصور الذي بناه عن هشاشة إسرائيل.
لكن المفارقة أن نقدهم المتأخر يؤكّد، من حيث لا يقصد، حجم الصورة السابقة: لكي تقول إسرائيل بعد ثلاثة عقود إن نصرالله «أخطأ في فهمنا»، عليها أولًا أن تقر بأنّه كان الرجل الذي اعتقدت طويلًا أنّه يفهمها. ولذلك كانت العبارة التي استخدمها أحد الباحثين الإسرائيليّين بالغة الدلالة: لقد كان نصرالله بالنسبة إلى إسرائيل «عنوانًا نعرفه وندعي أننا نفهمه»، وغيابه أدخلها إلى مساحة جديدة من عدم اليقين.

وفي عام 2025، كشفت الملازم أول «لي»، رئيسة خلية تعقّب كبار المسؤولين في لواء الأبحاث في شعبة الاستخبارات الإسرائيلية «أمان»، في تقرير للقناة  i24أنّ الصورة التي ترسّخت طويلًا عن نصرالله بوصفه رجلًا محبوسًا تحت الأرض لم تكن مطابقة تمامًا للواقع؛ فقالت إنه «رأى الكثير من ضوء النهار»، وإنّ محيطه كان يحرص على أن تكون الأماكن التي يصل إليها بمستوى مرتفع. وأضاف التقرير أن نصرالله كان يقضي أوقاتًا فوق سطح الأرض، يعقد اجتماعات ويخرج أحيانًا، فيما أكد المقدّم «دي»، رئيسش قسم العمليات الخاصة، أن الاعتقاد بأنه كان يختبئ دائمًا في الأنفاق لم يكن دقيقًا. والمفارقة هنا أن الصورة التي لطالما سوّقتها إسرائيل نفسها عن «الرجل في المخبأ» كانت، عنصرًا في حرب الوعي المتبادلة، لا مجرد وصف لمكان وجوده.

من الموسوي إلى نصر الله...

هنا ربّما تكمن المفارقة التي لا تحتاج إلى إجابة جاهزة، في مراجعة إسرائيليّة لتاريخ الاغتيالات في آذار 2026، وُصفت عملية اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد عباس الموسوي بأنها عمليّة بدت نجاحًا في وقتها، لكنها عُدّت لاحقًا «خطأً استراتيجيًا»؛ لأن الرجل الذي حل مكانه كان حسن نصرالله، القائد الذي قالت المصادر الإسرائيليّة نفسها إنه نقل حزب الله من تنظيم محدود إلى قوّة كبيرة، وصنع لنفسه ولتنظيمه حضورًا استمر اثنين وثلاثين عامًا.
ومن ذلك الاغتيال خرج رجل «بيت العنكبوت»، والرجل الذي ربطت المصادر الإسرائيليّة اسمه بانسحاب عام 2000 وبنتائج حرب 2006، ثم بـ«حيفا وما بعد حيفا»، وبالمعادلات التي جعلت تل أبيب ومطار بن غوريون والبحر جزءًا من لغة الردع، وبخطاب كانت إسرائيل كلها تقريبًا تصغي إليه، حتى قالت قناتها الرسميّة: «نحن الإسرائيليين نصغي إليه ونصدقه».

رجل امتدت قيادته قرابة ثلاثة عقود ونصف، حتى صار في الوعي الإسرائيلي نفسه أكثر من شخص وأكثر من منصب: خصمًا، وخطيبًا، ومصدر معلومات، ومحللًا لمجتمعهم، ورجل معادلات، وهدفًا استخباريًا، ثم «محور المحور».
لقد اعتقدت إسرائيل عام 1992 أنّ اغتيال السيّد عباس الموسوي يطوي صفحة، وبعد سنوات، عادت بعض قراءاتها لتصف العمليّة نفسها بالخطأ الاستراتيجي لأنّها فتحت صفحة حقبة نصرالله أما الصفحة التي فُتحت بعد حسن نصرالله، فمن المبكر أن يعرف أحد ماذا سيكتب الإسرائيليّون عنها يومًا.

اقرأ أيضاً: السيد نصر الله.. السياسي الصادق: من الكلمة إلى الشهادة

اخترنا لك