من الكاريبي إلى هرمز: إيران في قلب استراتيجية ترامب للسيطرة على الممرات البحرية

ترسم إدارة ترامب في ولايته الثانية استراتيجية "الإخضاع الاستراتيجي" للسيطرة على النفط والممرات البحرية، من الكاريبي إلى مضيق هرمز، لإجبار الصين وروسيا على التفاوض من موقع ضعف وتأمين الهيمنة الأميركية على الاقتصاد العالمي.

  • حاملة طائرات أميركية
    حاملة طائرات أميركية

تعتمد رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب "أميركا أولاً" في ولايته الثانية (2025-2026)، على مفهوم "الإخضاع الاستراتيجي" بدل الاكتفاء بسياسات تغيير الأنظمة التقليدية. وتشمل هذه المقاربة أدوات متعدّدة، من العقوبات والتحكّم بالتأمين البحري وتسليح الدولار، إلى السيطرة على سلاسل الإمداد والشركات العابرة للحدود. 

ويتمثّل الهدف المركزي لهذه الرؤية في التحكّم بممرات التجارة العالمية ومنابع الطاقة، بوصفها أدوات حاسمة لضمان التفوّق الأميركي طويل الأمد في مواجهة الخصمين الاستراتيجيين، الصين وروسيا. وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم التحرّكات الأميركية في فنزويلا أو تجاه إيران كأحداث منفصلة، بل كجزء من استراتيجية كبرى مترابطة تمتد جغرافياً من الكاريبي إلى مضيق هرمز.

نموذج فنزويلا "مبدأ مونرو" وتكريس الهيمنة في الكاريبي

أعاد ترامب رسم دور واشنطن في أميركا اللاتينية بطريقة لم تشهدها المنطقة منذ عقود، مستخدماً الضغوط العسكرية والاقتصادية، ومتعاملاً مع القارة باعتبارها "منطقة نفوذ حصرية"، وفق صحيفة "وول ستريت  جورنال"، وذلك على الرغم من أنّ هذا التحوّل لا يزال يواجه تحدّيات ميدانية وقانونية.

وأظهرت العمليات العسكرية والاستخباراتية التي قادتها إدارة ترامب ضد فنزويلا في كانون الثاني/يناير 2026 أنه لم يكن هدفها النظام الفنزويلي بحدّ ذاته فقط، بل إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية للكاريبي. فقد جرى نشر أسطول بحري أميركي ضخم بقيادة حاملة الطائرات "جيرالد فورد"، وفرض حصار بحري تحت ذريعة "مكافحة المخدرات".  ما أتاح، وفق تقديرات، فرض سيطرة أميركية شبه كاملة على الطرق البحرية في غرب المحيط الأطلسي وصولاً إلى شرق المحيط الهادئ، وتحويل الكاريبي عملياً إلى ما يشبه "بحيرة أميركية" مغلقة.

كما مكّن هذا التمركز واشنطن من التحكّم بأكبر احتياطي نفطي في العالم وكسر ورقة ضغط الطاقة التي قد تستخدمها قوى أخرى. وقد أشار ترامب إلى أنّ النفط الخام الفنزويلي أصبح تحت السيطرة الأميركية ويتدفّق بالفعل إلى مصافي التكرير الأميركية، في مؤشّر على تحوّل عميق في موازين القوة الجيوسياسية في أميركا اللاتينية.

وفي حديثه لصحيفة "نيويورك بوست"، قال ترامب: "لا يُسمح لي بإخباركم بذلك، ولكن دعونا نقولها بهذه الطريقة، ليس لديهم أي نفط. نحن نأخذ النفط".

وضمن نقاشات خبراء في معهد  بروكينغز (Brookings) حول تصريحات ترامب في 3 كانون الثاني/يناير 2026 بشأن "إدارة فنزويلا"، خلص المشاركون إلى أنّ السيطرة على فنزويلا لم تهدف فقط إلى إزاحة نظام مادورو، بل إلى تحويل الكاريبي إلى "منطقة نفوذ حصرية".

وعليه، يمكن فهم السيطرة الأميركية على فنزويلا كجزء من استراتيجية شاملة للهيمنة على مفاصل الطاقة العالمية، مماثلة للجهود الأميركية في غرب آسيا تجاه إيران. ففي حين يضمن الكاريبي السيطرة على أكبر احتياطي نفطي في نصف الكرة الغربي، يتيح إخضاع إيران النفطي والسياسي في شرق العالم أداة ضغط مباشرة على الاقتصاد الصيني وأسواق الطاقة العالمية. بهذا الشكل، تصبح الولايات المتحدة قادرة على التحكّم بمفاصل الطاقة من أميركا اللاتينية إلى الخليج، ما يعزّز موقعها التفاوضي ويحوّل الموارد الحيوية إلى أداة للإخضاع الاستراتيجي على نطاق عالمي.

إخضاع طهران: "القطعة الأخيرة" في أمن غرب آسيا

في هذا السياق، نشر معهد "تشاتام هاوس" (Chatham House) دراسة حديثة خلصت إلى أنّ سياسة ترامب تجاه إيران في ولايته الثانية انتقلت من محاولة "تغيير السلوك" الإيراني إلى السعي لفرض "خضوع استراتيجي شامل". ووفق الدراسة، لم يعد الهدف احتواء إيران، بل إجبارها على قبول قيود دائمة تنهي دورها كقوة إقليمية منافسة، وتضمن المصالح الأميركية في غرب آسيا على المدى الطويل، بما يجعل الولايات المتحدة "القوة الوحيدة المقرّرة" في الإقليم.

وتأتي الصين في قلب هذا الاستهداف، كونها المستورد الأكبر للنفط الإيراني، ما يجعل إخضاع إيران أداة ضغط مباشرة على الاقتصاد الصيني. وفي الوقت ذاته، يضمن النفوذ الأميركي في فنزويلا تأمين نصف الكرة الغربي. لذلك، تُعدّ غرب آسيا "عقدة الربط" لتقرير مصير الصين قبل أيّ اشتباك في بحر الصين الجنوبي، في استراتيجية "الخنق من المنبع"، حيث تُحسم المعركة في مضيقي هرمز وباب المندب قبل أيّ مواجهة في مضيق تايوان، وفق مجلة "فورين أفيرز".

عقيدة الممرات البحرية وصراع القوى العظمى

تتبلور هنا ما يمكن تسميته بـ "عقيدة ترامب" الجديدة في السيطرة على الممرات البحرية والتجارة العالمية لمواجهة الصين وروسيا، ويوضح تقرير معهد هدسون (Hudson Institute) بعنوان "المفاتيح الخمسة لاستراتيجية ترامب الكبرى" أنّ واشنطن تركّز على التحكّم بنقاط الاختناق البحرية الرئيسية.

ويتحدّث التقرير عن سعي الولايات المتحدة للسيطرة على 5 مضائق استراتيجية، وهي (قناة بنما، قناة السويس، مضيق هرمز، مضيق باب المندب، ومضيق مالاكا). ويرى أنّ السيطرة على هذه الممرات تحوّل واشنطن إلى "شرطي المرور العالمي" للتجارة البحرية، وتخنق عملياً مشروع "الحزام والطريق" الصيني، بحيث يصبح الربط البحري والبري للصين رهينة للتفوّق العسكري الأميركي.

كما تشير الدراسة إلى أنّ التحكّم بالممرات وأسواق الطاقة يمنح واشنطن القدرة على خفض أو رفع الأسعار عالمياً، ما يشكّل ضغطاً مباشراً على الميزانية الروسية المعتمدة بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز.

 ولا يقتصر التأثير على الصين وروسيا فحسب، بل يمتد أيضاً إلى حلفاء واشنطن التقليديين. إذ يشير تقرير نشرته "الغارديان" إلى أنّ تحوّل أوروبا من الغاز الروسي إلى الغاز الأميركي بعد الحرب الأوكرانية جعلها "مستفيداً مشروطاً"، إذ تبقى التدفقات الأميركية للطاقة خاضعة للسياسات الأميركية، بما في ذلك فرض التعريفات أو استخدام الطاقة كأداة ضغط، وينطبق الأمر نفسه على الدول المنتجة للنفط من حلفاء أميركا المحيطين بإيران والذين يصدرون غالبية نفطهم عبر المضائق الاستراتيجية.

الوزن العالمي للمضائق: أرقام ودلالات

تؤكّد تقارير الكونغرس الأميركي ومنظمة الأونكتاد (UNCTAD) الأهمية الاقتصادية البالغة للمضائق البحرية، إذ تشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في أيار/مايو 2025 إلى أنّ نحو 80% من التجارة العالمية تمر عبر البحر.

كما بيّنت تقارير لـ "الكونغرس" الأميركي عن الصراع الإيراني ومضيق هرمز وتأثيراتهما على سوق النفط والغاز، وأكد حينها أنّ مضيقي هرمز وباب المندب يمثّلان شريانين أساسيين للطاقة العالمية، وأنّ أيّ تهديد لهما يؤدي إلى اضطرابات في الأسواق وسلاسل التوريد، فمعظم صادرات النفط الخليجية عبر مضيق هرمز إلى آسيا، بما في ذلك الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان.

ويمر عبر مضيق هرمز ما بين 20 و27% من تجارة النفط الخام ومشتقاته عالمياً، إضافة إلى أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وتشير تقارير الكونغرس إلى أنّ أيّ تعطيل للمضيق "سيؤدّي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مع تأثيرات مباشرة على الاقتصاد الأميركي، فضلاً عن الاقتصادات الآسيوية والأوروبية".

وفي حال إخضاع إيران أو تحييدها، تكون الولايات المتحدة قد أحكمت سيطرتها على بحر العرب، ما يمنحها نفوذاً متقدماً على المحيط الهندي، ويُكمل حلقة الهيمنة الممتدة أصلاً عبر الأطلسي والكاريبي وصولاً إلى الخليج. وعليه، لا تبدو تحرّكات ترامب أحداثاً منفصلة، بل "كماشة جيوسياسية" متكاملة تهدف إلى الإمساك بمفاصل الاقتصاد العالمي: الطاقة، والممرات البحرية، والتجارة الدولية، لإجبار الصين وروسيا على التفاوض من موقع ضعف. ويصبح من يسيطر على النفط والمضائق قادراً على التأثير في القرار السياسي في بكين وموسكو، وتوجيه تدفقات التجارة العالمية.

اقرأ أيضاً: الممرات البحرية في عهد ترامب.. بين السيادة والابتزاز

اخترنا لك