مفدي زكريا.. نبض الثورة الجزائرية المكتوب بالدم واللهب

في نيسان/أبريل 1955، ومن داخل الزنزانة رقم 69 بسجن بربروس، خطّ الشاعر بدمه وعرقه كلمات النشيد الوطني "قسماً"، ليصيغ بياناً سياسياً ينتزع الحرية انتزاعاً، ويضع النقاط فوق الحروف بكلمات صاعقة.

  • مفدي زكريا.. نبض الثورة الجزائرية المكتوب بالدم واللهب
    مفدي زكريا.. نبض الثورة الجزائرية المكتوب بالدم واللهب

يبرز الجزائري مفدي زكريا كشاهدٍ حيّ على ظاهرة "المناضل المثقف" الذي طوّع الكلمة لتصير رصاصة، وحوّل القيد في معتقلات الاحتلال الفرنسي إلى قيثارة تعزف لحن الحرية. في مسيرته الفكرية، تماهى الأديب بالسياسي؛ فصاغ الفكرة البراغماتية الصارمة بقلمٍ يمنحها الخلود والجزالة الوجودية التي هزت أركان الاستعمار.

النشوء والوعي المغاربي المبكر

ولدت شرارة النضال لدى ابن وادي ميزاب (المولود في بني يزقن بغرداية عام 1908) في بيئة محافظة تشرّب فيها الفقه وحفظ القرآن الكريم في الكتاتيب، ما منح شعره لاحقاً متانة لغوية نادرة. وإثر التضييق الفرنسي ومنع تدريس اللغة العربية في الجزائر، سافر في بعثة علمية إلى تونس، حيث احتضنت مدارس العطارين، والخلدونية، وجامع الزيتونة بواكير وعيه القومي. هناك، انخرط في "الشبيبة الدستورية" واختلط بنخبة المثقفين كالشاعِر أبي القاسم الشابي، ما غرس فيه إيماناً مطلقاً بوحدة المغرب العربي ككلٍّ لا يتجزأ.

ولم تقف مواقفه القومية عند حدود التنظير؛ ففي السابعة عشرة من عمره، نشر أولى قصائده في الصحافة التونسية وهي قصيدة "إلى الريفيين"، تمجيداً لثورة الريف في شمال المغرب ضد الاستعمار الإسباني بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي، وجاء فيها:

هنيئًا بني الريفِ قد فُتِحَتْ ... لكم جنةُ الخلدِ من يبتدرْ

سلامُ بني الريفِ من مُهَجٍ ... تكادُ تطيرُ ولا تصطبرْ

نضالًا نضالًا بني الريفِ عنْ ... تراثٍ لكم عالي المُدَّخَرْ

أجيبوا أجيبوا نداءَ الضميرْ ... وروحٌ تفيضُ مع العبراتِ

غرامًا وحبًّا لشعبٍ أَغَرّْ ... كعبدِ الكريمِ عظيمِ الحماةِ

ليحيى جليلًا بذكرٍ عَطِرْ ... ويبقى مثالًا على صُحُفِ

الدَّهْرِ لِلْعُظَمَاءِ بِأَيِّ العَصِرْ

تُرجم هذا النضج عملياً عند عودته إلى الجزائر؛ فكان في طليعة الوجوه التي أثثت المشهد الاستقلالي، بانتمائه إلى "نجم شمال أفريقيا"، ثم صعوده أميناً عاماً لـ "حزب الشعب الجزائري"، وحركة انتصار الحريات الديمقراطية، وصولاً إلى جبهة التحرير الوطني مع اندلاع الثورة. واعتبر مفدي زكريا السياسة تكليفاً وجودياً دفع ثمنه سنوات طويلة من الاعتقال في السجون الفرنسية، كان أقساها زنازين سجن "بربروس" الرهيب، حيث سُلط عليه التعذيب، فزاد القيد قلمه مضاءً وقوة.

المسار السياسي والنضالي

تعرض للاعتقال مرات عديدة من قبل الاحتلال الفرنسي، وسجن سنوات طويلة بسبب نشاطه السياسي. صاغ كلمات النشيد الوطني (قسماً) عام 1955 وهو في سجن بربروس ويقال إنه كتب النشيد الوطني بدمه والذي أصبح رمزاً للثورة والاستقلال، يقول في مقطع فيه :

يَا فَرَنْسَا قَدْ مَضَى وَقْتُ العِتَابْ

وَطَوَيْنَاهُ كَمَا يُطْوَى الكِتَابْ

يَا فَرَنْسَا إِنَّ ذَا يَوْمُ الحِسَابْ

فَاسْتَعِدِّي وَخُذِي مِنَّا الجَوَابْ

إِنَّ فِي ثَوْرَتِنَا فَصْلَ الخِطَابْ

وَعَقَدْنَا العَزْمَ أَنْ تَحْيَا الجَزَائِرْ

فَاشْهَدُوا... فَاشْهَدُوا... فَاشْهَدُوا... 

وبعد فراره من السجن عام1959، واصل نضاله من المغرب وتونس، مسهماً في التعريف بالثورة الجزائرية.

العبقرية الأدبية.. الكلمة كسلاح تحريري سري

مع اشتداد المقاومة، واجه الشاعر الرقابة الاستعمارية اللصيقة التي حظرت شعره المحرّك للجماهير، فلجأ إلى الذكاء النضالي مستخدماً أسماءً مستعارة، فكتب الشعر باسم "ابن تومرت" والمقالات باسم "فتى المغرب"، مواصلاً عمله في الصحافة وإذاعة تونس ليكون صوتاً للحق.

وفي نيسان/أبريل 1955، ومن داخل الزنزانة رقم 69 بسجن بربروس، خطّ الشاعر بدمه وعرقه كلمات النشيد الوطني "قسماً"، ليصيغ بياناً سياسياً ينتزع الحرية انتزاعاً، ويضع النقاط فوق الحروف بكلمات صاعقة:

قَسَماً بِالنَّازِلَاتِ المَاحِقَاتْ ... وَالدِّمَاءِ الزَّاكِيَاتِ الطَّاهِرَاتْ

وَالبُنُودِ اللَّامِعَاتِ الخَافِقَاتْ ... فِي الجِبَالِ الصَّامِخَاتِ الشَّاهِقَاتْ

نَحْنُ ثُرْنَا فَحَيَاةٌ أَوْ مَمَاتْ ... وَعَقَدْنَا العَزْمَ أَنْ تَحْيَا الجَزَائِرْ

فَاشْهَدُوا... فَاشْهَدُوا... فَاشْهَدُوا...

وقد تضمن النشيد مقطعاً حاسماً وجريئاً واجه فيه المستعمر مباشرة بلا مواربة:

يَا فَرَنْسَا قَدْ مَضَى وَقْتُ العِتَابْ ... وَطَوَيْنَاهُ كَمَا يُطْوَى الكِتَابْ

يَا فَرَنْسَا إِنَّ ذَا يَوْمُ الحِسَابْ ... فَاسْتَعِدِّي وَخُذِي مِنَّا الجَوَابْ

إِنَّ فِي ثَوْرَتِنَا فَصْلَ الخِطَابْ ... وَعَقَدْنَا العَزْمَ أَنْ تَحْيَا الجَزَائِرْ

فَاشْهَدُوا... فَاشْهَدُوا... فَاشْهَدُوا...

وتجلت شاعريته الوطنية والمواقف الصارمة في تخليد شهداء الثورة؛ ففي قصيدته الشهيرة "الذبيح الصاعد" التي رثا بها الشهيد أحمد زبانا (أول محكوم بالإعدام بالمقصلة)، صاغ فلسفة الفداء والتحدي لرجال المقاومة وهم يساقون إلى الموت صامدين، وترددت أبياتها في الساحات والمعتقلات:

قـام يـخـتـال كـالمسيح وئيدا ... يـتـهـادى نشوانَ، يتلو النشيدا

بـاسـمَ الثغر، كالملائك، أو كـالْطـفـل، ... يـسـتقبل الصباح الجديدا

شـامـخـاً أنـفـه، جلالاً وتيهاً ... رافـعـاً رأسَـه، يناجي الخلودا

رافـلًا فـي خلاخل، زغردت تمـلأُ ... مِـن لـحـنها الفضاء البعيدا!

حـالـمـاً، كـالكليم، كلّمه المجد، ... فـشـد الحبال يبغي الصعودا

وتـسـامى، كالروح، في ليلة القدر، ... سـلَاماً، يشِعُّ في الكون عيدا

وامـتطى مذبح البطولة معرا ... جاً ووافـى الـسـمـاءَ يرجو المزيدا

وتـعـالى، مثل المؤذن، يتلو… ... كـلـمات الهدى، ويدعو الرقودا

صـرخة، تـرجف العوالم منها ... ونـداءٌ مـضـى يـهز الوجودا:

اشـنقوني، فلست أخشى حبالا ... واصـلبوني فلست أخشى حديدا

وامـتـثـل سافراً محياك جلا ... دي، ولا تـلـتثم، فلستُ حقودا

واقض يا موت فيّ ما أنت قاضٍ ... أنا راضٍ إن عاش شعبي سعيدا

أنـا إن مـت، فالجزائر تحيا، ... حـرة، مـسـتـقـلة، لن تبيدا

وامتد عطاؤه الأدبي ليشمل دواوين خالدة مثل "لهب مقدس" (الذي حوى أيضاً الأبيات الصارمة الموجهة للفرنسيين وطغيانهم مثل: "قُلْ لِلفَرَنْسِيسِ الطُّغَاةِ تَأَهَّبُوا... لِحِسَابِ عَدْلٍ قَامَ فِيهِ رَسُولُ" وكذلك الأبيات المذكورة في سياق الرد القاطع: "نَطَقَ الـرَّصَاصُ فَمَا تُفِيدُ صُحُوفُ الشَّكْوَى؟... وَأُقْصِيَ المَنْطِقُ المَعْقُولُ، وَتَكَلَّمَ النَّارُ الـمُقَدَّسُ فِي الوَغَى... فَإِذَا الزَّمَاجِرُ وَالقَنَابِلُ قِيلُ")، و"تحت ظلال الزيتون"، و"من وحي الأطلس". وتوّج مسيرته بـ ــ"إلياذة الجزائر" (1001 بيت)، التي ألقاها عام 1972 في ملتقى الفكر الإسلامي لتعيد رسم هوية الجزائر وجنانها عبر التاريخ:

جَزائر، يا مَطلعَ المعجزات ... وَيَا حجَّة الله في الكائنات

وَيَا بسمَةَ الرَّب في أرضهِ ... وَيَا وجهَه الضاحكَ القسمات

وَيَا لوحةً في سجلِّ الخلودِ ... تموج بهَا الصُّور الحالمات

جَزائرُ أنتِ عَروسُ الدُّنا ... وَمنكِ استمَدَّ الصَّباحُ السنَآ

وَأنتِ الجِنان الذي وعَدوا ... وَإن شغلونا بطيب المنى!

وَأنتِ الحنان، وأنتِ السَّماحُ ... وَأنتِ الطِّماح، وأنت الهنآ

وَأنتِ السُّمو، وأنت الضمير الصَّـ ... ـريحُ الذي لم يخُنْ عهدنا

شَغَلْنَا الوَرَى وَمَلَأْنَا الدُّنَا ... بِشِعْرٍ يُرَتَّلُ كَالمُعْجِزَاتْ

خَفَقْنَا لِأَجْلِ الجَزَائِرِ بَنْداً ... وَصُغْنَا لَهَا الصَّاعِقَاتِ صَلَاةْ

الصدام، الوفاة، والإرث الخالد

بعد استقلال الجزائر عام 1962، تقاطعت مواقفه الحرة وتطلعاته للديمقراطية والوحدة المغاربية مع التوجهات السياسية لبعض قادة الدولة الوليدة، فاختار النفي الاختياري متنقلاً بين تونس والمغرب، مفضلاً صون حرية قلمه وفكره على الاقتراب من كراسي الحكم. وحافظ على مبادئه مشاكساً وداعياً للوحدة حتى وافته المنية في تونس في 17 أغسطس 1977، لينقل جثمانه ويدفن في ثرى مسقط رأسه ببني يزقن تنفيذاً لوصيته، بعد أن ترك بيته هناك ليتحول إلى مكتبة ومركز إشعاع علمي.

كرّمته الجزائر بنيل أرفع الأوسمة كـ "وسام الأثير" و"وسام المقاوم"، واقترن اسمه بـ "قصر الثقافة" في العاصمة تقديراً لعطائه الذي لا يندثر.

اخترنا لك