مضيق هرمز يُفاوض بالنيابة عن إيران
إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية تُربك واشنطن وحلفاءها وتعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة والعالم عبر حصار معاكس يرهق خصومها أكثر مما يرهقها.
-
مضيق هرمز يُفاوض بالنيابة عن إيران
تتّجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى إسلام آباد حيث يُحتمل أن تُعقَد الجولة الثانية من المفاوضات بين طهران وواشنطن، لكن طهران ترفض حتى الآن الذهاب إلى الجولة الثانية ما لم ترفع واشنطن حصارها البحري على موانئها، الذي فرضته في الثالث عشر من نيسان ردّاً على فشل الجولة الأولى في اليوم السابق. بيد أن هذا الشرط الإيراني ليس مجرد اعتراض على إجراء عدائي وغير قانوني، وإنما إعلان عن معادلة جديدة لم تعرفها العلاقة بين البلدين من قبل: إيران لا تُفاوض لرفع الحصار عنها، بل تنتظر أن يُفاوضها الطرف الآخر لرفع الحصار الذي يفرضه المضيق عليه.
وعلى هذا الأساس، لم تعد المفاوضات تدور حول ما الذي ستدفعه إيران ثمناً لرفع الحصار عنها، وإنما حول الحدّ الذي يستطيع العالم عنده تحمّل كلفة الإغلاق قبل أن يُجبِر واشنطن على التراجع والقبول بشروط طهران.
منذ إعلان حرس الثورة السيطرة الكاملة على المضيق في الرابع من آذار/مارس، عملت طهران وفق منطق دقيق حوّل الإغلاق من فعل كلّي إلى آلية تحكّم متدرّجة تُدار بقرار سيادي يومي. فالسفن الصينية والهندية والمصرية والكورية مُنحت حق العبور المشروط مقابل رسوم أمن وسلامة تتجاوز المليون دولار للسفينة، فيما حُرمت منه كلياً سفن الدول المنخرطة في العدوان أو المتواطئة معه.
وحين وافق الكيان الصهيوني على وقف إطلاق النار في لبنان في السادس عشر من نيسان، فتحت طهران المضيق للملاحة التجارية على سعته؛ وحين انكشف ذلك الالتزام على أنه مناورة مع تمسّك واشنطن بحصارها البحري، أعادت إغلاقه خلال أربع وعشرين ساعة. وعلى هذا النحو، جعلت طهران من حركة الملاحة مؤشراً مباشراً على التزام الطرف المقابل بشروطها، وربطت المضيق بملفات تتجاوز نطاقه الجغرافي، تبدأ من لبنان ولا تنتهي عند العقوبات والأصول المجمّدة.
وتدخل واشنطن الجولة الثانية بمطالب تتجاوز ما يستطيع مفاوضها فرضه ميدانياً بأشواط، إذ تطالب بتجميد التخصيب عشرين عاماً ونقل المخزون عالي التخصيب إلى خارج إيران، وفتح المضيق فوراً ودون شروط، وتقييد دعم طهران لقوى المقاومة في المنطقة بما فيها حزب الله وأنصار الله وفصائل العراق وفلسطين. وخلف هذا السقف العالي، يقف ترامب تحت ضغط داخلي قاسٍ بعد حملة عسكرية فشلت في تحقيق أي من أهدافها المعلنة، وبعد ما لحق بالقواعد الأميركية في الخليج من خسائر تشغيلية ومادية غير مسبوقة يتعذّر تعويضها، وبعد ارتفاع أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة إلى مستويات تُهدّد موقع الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وهذا التفاوت بين المطالب والقدرة الفعلية على إنفاذها يكشف أن ما تحتاجه الإدارة الأميركية ليس اتفاقاً يحقّق أهدافها المُعلنة، إنما نصّاً شكلياً يتيح لها الادّعاء بأن الحرب انتهت إلى انتصار يخفي الهزيمة الميدانية عن الرأي العام الأميركي الذي يرفض جزء كبيراً منه الحرب أصلاً.
أمّا على المستوى الإقليمي، فالمعادلة الأمنية التي قامت عليها دول الخليج طوال نصف قرن انهارت خلال الأسابيع السبعة الماضية. فالقواعد الأميركية في البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية، والتي قُدِّمت لعقود بوصفها "ضمانةً لاستقرار الحكومات الخليجية واستمرار تدفّق نفطها"، تحوّلت خلال الحرب إلى أهداف عسكرية مباشرة جلبت على الدول المضيفة ضربات صاروخية ومسيّرات إيرانية دون أن تقدر على توفير ردّ دفاعي فعّال، وخرج أغلبها عن الخدمة. والمفارقة أن الإغلاق الإيراني للمضيق يُعرّض اقتصادات هذه الدول لانكماش يتجاوز في قطر والكويت على سبيل المثال أربعة عشر بالمئة، ولا تستطيع المظلّة العسكرية الأميركية فعل شيء حيال مثل هذه التكاليف.
وحين تتحوّل "الحماية الموعودة" إلى مصدر الخطر ذاته، تجد عواصم الخليج نفسها مُجبَرة على إعادة حساب جذريّ لمعنى وأسلوب الارتباط بواشنطن، وهو ما بدأت تعكسه اتصالات خليجية متسارعة مع طهران ومحاولات وساطة تدرك أن أمن المنطقة لم يعد قابلاً للتأمين خارج التفاهم مع إيران.
لكن الفارق الأعمق بين إيران وخصومها في هذه المواجهة لا يكمن في القدرة العسكرية، إنما في تراكم خبرة التعامل مع الحصار ذاته. فإيران أمضت أربعة عقود تحت عقوبات مركّبة ومتصاعدة، بنت خلالها اقتصاداً موازياً وشبكات التفاف وتحوّطاً استراتيجياً يجعل الحصار البحري الجديد امتداداً لتجربة خبرتها جيداً لفترة طويلة. وفي المقابل، الاقتصاد الأميركي وأسواق الطاقة الأوروبية ومصافي آسيا الشرقية واقتصادات الخليج لم تُختَبر يوماً في مواجهة اضطراب من هذا المستوى، ولم تَبنِ مرونة داخلية تسمح بامتصاص الصدمة.
ولذا، فإن الحصار الذي يُفترض أن يُرهق إيران انقلب إلى أداة إرهاق لخصومها، مع ارتفاع برميل النفط فوق المئة دولار، وتخفيض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي، وإعلان الفلبين حالة طوارئ طاقة، وتقييد كوريا الجنوبية لتصدير النفتا، وتحذير وزير الطاقة القطري من احتمال إعلان "القوة القاهرة" لكل منتجي الخليج.
ومن المفارقات اللافتة أن إيران، عملياً، لا تحتاج إلى اتفاق مع واشنطن لتحقيق ما يعادل رفع العقوبات وإعادة أموالها المجمّدة وتحصيل تعويضات عن العدوان. فرسوم العبور التي تفرضها طهران على السفن وتُحصّلها بعملات غير الدولار، وفي مقدّمتها اليوان الصيني، ستوفّر لإيران إيرادات سنوية محتملة قد تتجاوز خمسين مليار دولار وفق تقديرات خبراء، وهو رقم يعادل تقريباً ما كانت العقوبات تحرمها منه.
كما أن الحق السيادي في منع سفن الدول الملتزمة بالعقوبات الأميركية من العبور يفرض تكلفة باهظة على هذه الدول تدفعها إلى إعادة النظر في التزامها بمنظومة العقوبات أصلاً، وإلى البحث عن تفاهمات ثنائية مع طهران تتجاوز الإطار الأميركي. وبهذا المعنى، يتحوّل المضيق إلى آلية إنفاذ ذاتية للمطالب الإيرانية لا تحتاج إلى توقيع نصّ في إسلام آباد لتفعيلها. والطرف الوحيد الذي يحتاج فعلياً إلى اتفاق مكتوب هو ترامب، الذي يبحث عن وثيقة يُخفي بها فشل حملته العسكرية ويُحوّلها إلى انتصار قابل للتسويق.
ويمتدّ أثر معادلة مضيق هرمز جنوباً حيث يُشكّل باب المندب الجبهة المكمّلة لها، إذ أنذرت القوات المسلحة اليمنية في الثامن عشر والتاسع عشر من نيسان/أبريل بإغلاقه كلّما تصاعدت تكلفة العدوان على إيران ولبنان. فأهمية الترابط بين الجبهتين لا تنبع من التضامن السياسي وحده، وإنما من كون باب المندب أصبح الممرّ البديل الوحيد المتاح لتصدير نفط الخليج بعد إغلاق مضيق هرمز، حيث ترسو عشرات الناقلات قرب ميناء ينبع السعودي ضمن مدى الصواريخ اليمنية.
وبالنتيجة، يضع الإغلاق المتزامن للمضيقَين معاً نحو خمس وعشرين بالمئة من إمدادات الطاقة العالمية تحت إدارة محور المقاومة بجناحَيه الإيراني واليمني، فيحوّل الجغرافيا الإقليمية المتكاملة إلى منظومة ردع استراتيجي لم تعرفها أي مرحلة سابقة من الصراع مع المشروع الأميركي-الإسرائيلي، ويُعرّي بوضوح أدوات الهيمنة التي كانت تُضبط بها شرايين العالم.