محلقات حزب الله تؤجج الخلاف بين الساسة والعسكر في "إسرائيل"
تقاذف مسؤوليات واتهامات مبطنة وعلنيّة بين المستويين السياسي والعسكري تدل على أن "إسرائيل ربما دخلت مرحلة البحث عن كبش فداء في مرحلة ما بعد وقف النار".
-
نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير ووزير الدفاع يسرائيل كاتس خلال اجتماع سابق
تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة الاحتكاك بين المستويين السياسي والعسكري في "إسرائيل"، وقد أشعل شرارته - فضلًا عن التباين في الموقف من وقف إطلاق النار في لبنان - ما جاء في بيان صادر عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، قال فيه إنه طلب من الجيش "الرد بقوة" على "انتهاكات حزب الله" لاتفاق وقف إطلاق النار.
غير أن مسؤولين في "الجيش"، نقل عنهم معلقون، وصفوا البيان بأنه "ذرٌّ للرماد في العيون"، يرمي إلى تخفيف ضغط مستوطني الشمال.
وبلغ هذا الاحتكاك ذروته مع السجال حول مدى تأثير المُحلّقات التي يستخدمها حزب الله ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
كما هي الحال عند كل مفترق مسار في حرب "إسرائيل" المستمرة منذ طوفان الأقصى، يظهر التباين والخلاف بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية والعسكرية، وخصوصاً رئيس الأركان.
ومثلما حصل في حرب غزة مع رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي، تكرر المشهد مع رئيس الأركان الحالي إيال زمير، ولا سيما مع انطلاق عملية "جدعون 2".
اقرأ أيضاً: سماء بلا سيطرة: كيف غيّرت مُحلّقات حزب الله قواعد الاشتباك؟
"اجتماعات الكابينت مخصصة للتطاول على رئيس الأركان"
الجديد – بحسب معلق عسكري- أنه لا توجد سابقة لوضع يقوم فيه رئيس حكومة، ووزير الأمن، وزراء وأعضاء كنيست "بمهاجمة قادة الجيش بشكل يومي تقريباً. وزير "الحرب"، يسرائيل كاتس، مشغول بتأجيج الصراعات بشكل استعراضي مع المؤسسة الموكل بها، فيما أصبحت اجتماعات الكابينت عرضاً إعلامياً للتطاول على رئيس الأركان".
مؤشرات هذا الخلاف شبه العلني، بدأت تظهر أكثر بعد وقف إطلاق النار مع إيران، حيث اتهم نتنياهو المؤسسة الأمنية والعسكرية بأنها أخفقت في إظهار مدى إنجازاتها العسكرية في إيران، ما انعكس سلباً على نظرة الإسرائيليين بشأن مدى تحقيق الأهداف السياسية.
وقد ظهر ذلك جلياً في استطلاعات الرأي، لكن ذروة الخلاف بين المستوى السياسي والمستوى العسكري برزت بشكل أوضح مع إعلان نتنياهو مساء السبت الماضي أنه وجه "الجيش" الإسرائيلي بالرد بقوة ضد حزب الله في لبنان بعد ما سُمي تكرار انتهاك حزب الله لوقف إطلاق النار وإطلاق المسيرات والمحلقات والصواريخ على "إسرائيل" والقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
لكن مسؤولين كباراً في "الجيش" الإسرائيلي أوضحوا أنه واقعًا "لا يوجد أي تغيير في تعليمات العمل"، ورأوا أن هذا الهجوم (الذي شنه "الجيش: بعد بيان نتنياهو في منطقة شمال الليطاني) لم يكن استثنائياً، ولا حتى قوياً، كما ادعى نتنياهو، بل نُفذ، بحسب المسؤولين، "ضمن قواعد اللعبة"، ووصفوا إعلان نتنياهو بأنه ما هو إلا "ذر للرماد في العيون يهدف للتخفيف من الضغط الجماهيري.
وأضاف المسؤولون أن إعلان نتنياهو ليس مصادفة، وهو يهدف إلى "رمي المسؤولية على الجيش الإسرائيلي باعتباره لا يقدم النتائج المطلوبة".
في المقابل، أشاروا إلى أن "نشاط الجيش يحصل بالضبط وفقاً لتعليمات المستوى السياسي".
"الخلاف تصاعد بعد تسريب أن نزع سلاح حزب الله لم يعد هدفاً"
لم يكن هذا الخلاف بين "الجيش" الإسرائيلي والمستوى السياسي حول النشاط في لبنان الأول من نوعه. ففي بداية شهر نيسان، سبقه خلاف بين المستويين على خلفية تصريح ضابط وُصف بالرفيع (تبين لاحقا أنه قائد المنطقة الشمالية)، في إحاطة للمراسلين، قال فيه إن "النشاط في لبنان لا يهدف إلى نزع سلاح حزب الله، ولن يحقق ذلك"، بخلاف التصريحات العلنية للمستوى السياسي، الذي صرح أكثر من مرة على لسان رئيس الحكومة ووزير الأمن أن هذه المرة لن تتوقف الحرب من دون نتيجة حاسمة، وعلى رأسها تجريد حزب الله من سلاحه.
وفيما تخرج التسريبات سرًا وعلنًا على لسان مسؤولين وضباط في "الجيش" الإسرائيلي أن يدي الأخير مكبلتان في الرد على حزب الله بسبب انصياع المستوى السياسي لأمر وقف إطلاق النار الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفرضه على "إسرائيل" - أبرزها تلك التي رشحت على لسان مصدر عسكري من أنهم "في الجيش يهاجمون المستوى السياسي لأن أيدينا مكبّلة في مواجهة حزب الله بسبب المفاوضات مع إيران"- أتت هجمات حزب الله الفاعلة والمؤثرة بالمحلقات المفخخة ونجاحه في إيقاع خسائر في صفوف القوات الإسرائيلية ما عُدّ عودة إلى الوحل اللبناني أو الوقوع مرة أخرى في حرب استنزاف في جنوب لبنان.
اقرأ أيضاً: محلّقات حزب الله الانقضاضية.. التهديد الجديد الذي يقلق "إسرائيل"
ووصل وصف أحد المحللين العسكريين إلى القول إن "إسرائيل" التي ظنّت أنها أوقعت حزب الله في فخ استراتيجي، هي نفسها من وقع في فخه، و"إذا لم تجد طريقاً للتخلص منه قريباً، ستتحول أشهر الربيع والصيف إلى شتاء لبناني دائم الدماء للجنود ولسكان الشمال".
هذا الوضع، الذي وصفه قادة عسكريون بالمعقد في الجنوب، دفع مصدراً أمنياً كبيراً إلى الاعتراف بالقول إن "الطائرات المسيرة المفخخة هي مفاجأة كبيرة في ساحة المعركة. لم نستعد بشكل كافٍ لهذا التهديد"، لكن بنيامين نتنياهو، وكعادته، استغل هذا الوضع وأشار (الاثنين) خلال مؤتمر هيئة القيادة العليا لـ"الجيش" الإسرائيلي بأن تهديد الصواريخ؛ والطائرات المسيّرة والمحلقات، هما العائقان أمام الحل السياسي في لبنان.
وبحسب أقواله، "إذا حُلت هاتان المشكلتان، سيكون بالإمكان حل الجانب السياسي أيضًا"، في إشارة محتملة إلى "اتفاق سلام" مع لبنان، وهو، بقوله هذا، وتخليه عن النصر المطلق والحسم وتجريد السلاح، يشير ضمنًا بإصبع الاتهام إلى أن "الجيش" الإسرائيلي بعجزه أمام محلقات حزب الله يعطل الإنجاز السياسي مع لبنان.
اقرأ أيضاً: هكذا فاجأ حزب الله "إسرائيل"
وفيما دعا نتنياهو إلى العمل عملانيًا وتكنولوجيًا لحل مشكلة المحلقات، فإن كلامه لم يأتِ من فراغ، ففي الأيام الأخيرة، ارتفعت أصوات المحللين والمعلقين محذرة من خطر المحلقات، وخصوصاً بعد حادثة الطيبة (جنوبي لبنان)، فاتُهم "الجيش" الإسرائيلي بأنه استيقظ متأخراً على مدى هذا التهديد، ودعا محلل عسكري هيئة الأركان بأن تنشغل في عام 2026 أقل بالشعارات وأكثر بتهديد المحلقات الانتحارية.
في المقابل، فيما أشار مراسل عسكري إلى غضب متزايد تجاه القيادات في ساحة المعركة، وهو "غضب مبرر"، أشار إلى أنهم ليسوا المسؤولين عن هذا الإخفاق، بل الصناعات العسكرية، وسلاح البر، وأقسام تطوير الوسائل التي تحلل أنماط تسليح العدو، وكتّاب العقيدة القتالية.
من جهة أخرى، دعا محلل عسكري رئيس الأركان إلى وجوب الإيضاح- حتى للمستوى السياسي المعادي- معنى ونتائج الحرب التي لا تنتهي، والتي أصبحت أهدافها غامضة وسياسية بشكل علني، والتي تهدد بتفكيك "الجيش" الذي يتولى مسؤوليته.
من ناحية أخرى، أُشير إلى أن تقاذف مسؤوليات واتهامات مبطنة وعلنيّة بين المستويين السياسي والعسكري تدل على أن "إسرائيل" ربما "دخلت مرحلة البحث عن كبش فداء في مرحلة ما بعد وقف النار"، لكن محللاً آخر أشار إلى أنهم "في الجيش الإسرائيلي يعلمون أنهم خسروا في هذه المعركة الحالية الإنجاز الذي تحقق بعد حرب سهام الشمال".
ورأى أن القيادة السياسية تقود الجيش خطوةً خطوة للعودة إلى سياسة الاحتواء التي سادت سنوات مع حزب الله، لكنه يرى أن المشكلة ليست في القيادة السياسية التي- حسب قوله- لم يعد لدى الجمهور الكثير من التوقعات منها في ما يتعلق بأمن "إسرائيل"، بل المشكلة تكمن في القيادة العسكرية ومن يقف على رأسها، حيث من المتوقع من رئيس الأركان أن يعرض للجمهور موقفه وتحفظاته من الوضع الحالي.