ماذا لو أصبحت الحرب على إيران حرباً على ذاكرة الذكاء الاصطناعي؟
ماذا لو قررت واشنطن، أو جهات مرتبطة بها، استهداف البيئة المعلوماتية نفسها بهدف التأثير في الطريقة التي تفهم بها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحرب على إيران؟
-
ماذا لو أصبحت "الحرب على إيران" حرباً على ذاكرة الذكاء الاصطناعي؟
في الحروب الحديثة، لم يعد السؤال فقط: من يسيطر على الأقمار الصناعية، أو المجال الجوي، أو شبكات الاتصالات؟ هناك ساحة جديدة أقل وضوحاً وأكثر خطورة: من يسيطر على المعلومات التي ستتعلم منها أنظمة الذكاء الاصطناعي ما الذي حدث؟
وهنا يبرز سيناريو افتراضي شديد الأهمية في أي مواجهة أميركية ـ إيرانية: ماذا لو قررت واشنطن، أو جهات مرتبطة بها، استهداف البيئة المعلوماتية نفسها بهدف التأثير في الطريقة التي تفهم بها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحرب على إيران؟
المقصود هنا ليس اختراق ChatGPT أو تغيير خوارزمية نموذج بعينه بالضرورة، بل شيء أكثر تعقيداً: تلويث مصادر المعلومات التي يمكن أن تصل إليها نماذج الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث وأنظمة الاسترجاع المعززة بالذكاء الاصطناعي.
من «تضليل الجمهور» إلى «تضليل الآلة»
التضليل التقليدي يستهدف الإنسان. تنشر جهة ما خبراً كاذباً، صورة مفبركة أو رواية انتقائية، أملاً في أن يصدقها الجمهور.
أما Data Poisoning فيستهدف منظومة البيانات نفسها.
ويعرّف المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا NIST تسميم البيانات بأنه إدخال بيانات فاسدة أو مصممة بصورة عدائية إلى منظومة التعلم بهدف التأثير في سلوك نموذج الذكاء الاصطناعي. ويشير NIST تحديداً إلى أن هجمات التسميم يمكن أن تستهدف نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما فيها النماذج النصية، وأنها قد تؤثر في التدريب أو في مراحل لاحقة مثل الضبط بالتعليمات والتعلم بالتغذية الراجعة. (NIST Publications)
وهذا يفتح الباب أمام مفهوم أكثر اتساعاً يمكن تسميته «تسميم البيئة المعلوماتية».
فإذا أصبحت شبكة الإنترنت أحد المصادر التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي في الإجابة عن الأسئلة الحديثة، فإن تغيير البيئة المعلوماتية نفسها قد يصبح وسيلة غير مباشرة للتأثير في الإجابات المستقبلية.
كيف يمكن أن يبدو السيناريو الإيراني؟
لنفترض، افتراضاً تحليلياً فقط، أن الولايات المتحدة أرادت التأثير في الطريقة التي يجيب بها الذكاء الاصطناعي عن أسئلة مثل:
ماذا حدث في الحرب الأميركية ـ الإيرانية؟ ما حجم الخسائر الإيرانية؟ هل أصابت الصواريخ الإيرانية أهدافاً أميركية؟ ما مدى فعالية الدفاعات الإيرانية؟ ماذا حدث في منشأة معينة؟ من بدأ التصعيد؟ وما حجم الأضرار؟
في النموذج التقليدي للحرب المعلوماتية، سيكون الهدف هو المستخدم.
أما في السيناريو الجديد، فيمكن أن يصبح الهدف السجل المعلوماتي الذي سيستخدمه الذكاء الاصطناعي للإجابة عن المستخدم بعد أيام أو أشهر أو سنوات.
وهنا تصبح المعركة مختلفة تماماً.
المرحلة الأولى: إغراق الفضاء المعلوماتي
بدلاً من نشر خبر كاذب واحد، يمكن نظرياً إنتاج كميات ضخمة من المحتوى المتشابه عبر مواقع وحسابات ومنشورات مختلفة.
الفكرة ليست أن يصدق الإنسان كل هذه المعلومات.
بل أن يجد نظام آلي، عندما يبحث لاحقاً، عدداً كبيراً من المصادر التي تبدو مستقلة بينما تعيد في الحقيقة الرواية نفسها.
وهذا مهم لأن نماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمة البحث الحديثة تتعامل مع كميات هائلة من النصوص والمصادر، ولا يوجد نظام قادر على التحقق بشرياً من كل معلومة تدخل في هذه البيئة.
NIST يحذر تحديداً من أن حجم بيانات التدريب وتنوع مصادرها يخلق «سطح هجوم» واسعاً أمام تسميم البيانات. (NIST Publications)
المرحلة الثانية: صناعة «إجماع وهمي»
الخطر الأكبر ليس بالضرورة اختراع معلومة واحدة،الأخطر هو خلق انطباع بأن هناك إجماعاً حولها.
مثلاً، إذا ظهرت رواية معينة في:
• مواقع إخبارية،
• مقالات تحليلية،
• مدونات،
• منشورات اجتماعية،
• صفحات موسوعية،
• ملفات PDF،
• قواعد بيانات،
• ومصادر تبدو مستقلة،
فإن النظام الذي يسترجع المعلومات قد يواجه عشرات الإشارات إلى الرواية نفسها.
لكن عشرة مواقع لا تعني بالضرورة عشرة مصادر مستقلة.
قد تكون جميعها تعيد إنتاج المصدر الأصلي نفسه.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: الذكاء الاصطناعي يستطيع تجميع المعلومات، لكنه لا يستطيع دائماً معرفة تاريخ إنتاج كل معلومة ومن يقف خلفها.
المرحلة الثالثة: تحويل «الكذب المتكرر» إلى «حقيقة آلية»
وهنا يصبح السيناريو أكثر خطورة.
الإنسان يستطيع أن يقول: «هذه الرواية موجودة في الإعلام الأميركي، لكنها قد تكون منحازة.»
لكن المستخدم الذي يسأل نظام ذكاء اصطناعي قد يحصل على إجابة تبدو أكثر موضوعية:
«تشير التقارير المتاحة إلى أن...»
المشكلة أن كلمة «التقارير» قد تخفي وراءها منظومة كاملة من المصادر التي تعيد إنتاج الرواية نفسها.
وهكذا يمكن أن ينتقل التضليل من:
خبر → جمهور
إلى:
خبر → الإنترنت → محرك البحث/نظام الاسترجاع → نموذج الذكاء الاصطناعي → الجمهور.
وهذا، في حال تحقق، يجعل الذكاء الاصطناعي ليس فقط ناقلاً للمعلومة، بل مضاعفاً لها.
السيناريو الأخطر: «تلويث التاريخ»
قد تكون أخطر نتيجة ليست التأثير في إجابة الذكاء الاصطناعي اليوم.
بل التأثير في كيف سيكتب الذكاء الاصطناعي تاريخ الحرب بعد عشر سنوات.
تخيل أن باحثاً في عام 2036 سأل: «ما الذي حدث في الحرب الأميركية ـ الإيرانية عام 2026؟»
إذا كانت البيئة الرقمية تحتوي على ملايين الصفحات التي تكرر رواية معينة، بينما اختفت أو أصبحت نادرة المصادر الإيرانية الأصلية، فقد يحصل الباحث على إجابة تبدو موثقة ومتماسكة، لكنها مبنية على بيئة معلوماتية غير متوازنة منذ البداية.
وهنا يتحول مفهوم «التضليل» من عملية تستهدف الرأي العام إلى عملية تستهدف الذاكرة الرقمية للحرب.
لماذا الذكاء الاصطناعي معرض لهذه المشكلة؟
لأن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك «عيناً على الحقيقة».
النموذج لا يرى الصاروخ الذي سقط.،ولا يعرف بنفسه إن كانت صورة الأقمار الصناعية أصلية، ولا يستطيع العودة إلى الماضي للتحقق من أن حادثة معينة وقعت فعلاً.
هو يعتمد على البيانات التي أُتيح له الوصول إليها وعلى جودة المصادر وآليات التحقق المستخدمة في النظام.
ولهذا حذرت NIST من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتأثر بالبيانات غير الموثوقة، وأنه لا توجد حتى الآن وسيلة دفاع مثالية ضد مختلف أشكال الهجمات العدائية على أنظمة الذكاء الاصطناعي. (NIST)
في الحرب التقليدية، تحاول الجيوش تدمير رادارات الخصم أو التشويش عليها.
وفي الحرب السيبرانية، تستهدف شبكات الحاسوب. أما في حرب المعلومات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فقد يصبح الهدف شيئاً جديداً:
سلسلة المعلومات التي يبني عليها الذكاء الاصطناعي فهمه للواقع.
وهذا يعني أن المستقبل قد يشهد نوعاً جديداً من الصراع:
من يسيطر على البيانات، لا يسيطر فقط على ما يقرأه الإنسان، بل قد يؤثر أيضاً في ما تقوله الآلة للإنسان.
وبالنسبة إلى إيران، التي تخوض صراعاً إعلامياً وسياسياً وعسكرياً مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، فإن حماية الأرشيف الرقمي، وتوثيق الأحداث بمصادر مستقلة، وحفظ الصور والبيانات الأصلية، وإتاحة المصادر الأولية بلغات متعددة، قد تصبح جزءاً من الأمن القومي وليس مجرد عمل إعلامي.
فالخطر في نهاية المطاف ليس أن يكذب أحد على الذكاء الاصطناعي.
الخطر أن تصبح الكذبة، بعد تكرارها بما يكفي، جزءاً من البيئة التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي كيف يصف الحقيقة.
وهنا تحديداً قد تكون الحرب على إيران في المستقبل حرباً على «ذاكرة الآلة» بقدر ما هي حرب على الأرض والسماء والبحر.