كيف تفاعل الإسرائيليون مع مقتل العميل ياسر أبو شباب في غزة؟
شكل الإعلان عن مقتل العميل الإسرائيلي في غزة ياسر أبو شباب مادة دسمة لتعليقات الإسرائيليين، الذين انقسموا حول مقتله وطبيعته ولكنهم اتفقوا على انتقاد حكومتهم ومؤسساتهم الأمنية.
-
كيف تفاعل الإسرائيليون مع مقتل العميل ياسر أبو شباب في غزة؟
مقتل ياسر أبو شباب في غزّة لم يُستقبل في "إسرائيل" كخبر عابر عن تصفية "زعيم ميليشيا محلية"، بل تحوّل سريعاً إلى ما يشبه مرآة كبيرة عكست أزمات الأمن والسياسة والمجتمع في "إسرائيل".
منذ الساعات الأولى لانتشار الخبر، خصّصت القنوات التلفزيونية العبرية، والمواقع الإخبارية الكبرى، ومنصّات التواصل، مساحات للحديث عن أبو شباب ودوره، وعن الفشل أو "النجاح" في استثماره. والتشديد على أنه قُتل على خلفية شجار وخلافات داخلية، لا على يد حماس كي لا يعطوا لها إقراراً بالإنجاز.
تعليقات روّاد المواقع وقرّاء المقالات وفي شبكات التواصل ترسم بعض التوجهات أمكن تلخيصها في عدّة محاور متداخلة.
اقرأ أيضاً: إعلام إسرائيلي: مقتل ياسر أبو شباب وعدد من معاونيه في رفح جنوبي قطاع غزة
أولاً: شماتة عنيفة وتطرّف لا يُخفي نفسه
-
بعض الإسرائيليين رأى أنه "كلما كان هناك قتلى أكثر في غزة كلما كان أفضل"
تيار واسع من المعلّقين عبّر عن فرح صريح بمقتل أبو شباب، لا من موقع الاعتراض على التعاون مع "إسرائيل"، بل من موقع كراهيةٍ جذرية لكل ما هو غزّي أو فلسطيني. عبارات من نوع "كلما قتلوا بعضهم كان ذلك أفضل"، "ممتاز أن يصفّي بعضُهم بعضاً"، أو الدعاء بأن "يموت مليون غزّي في صراعات داخلية" تكررت بلا حرج، مع تشجيع واضح على ترك "الميليشيات" تتناحر بدل التدخل.
إلى جانب الشماتة، برزت موجة من نزع الإنسانية: الحديث عن "حيوانات"، "وحوش"، تشبيه الناس بـ"أرانب صخرية" أو السخرية من ملامحهم وشكلهم، وكلّها تعليقات تعكس مستوى عميقاً من التحريض العنصري والتجريد من الإنسانية، وتحوّل مقتل شخص محدّد إلى مناسبة لتفريغ الكراهية الشاملة المعتادة والمألوفة ضدّ سكّان القطاع.
ثانياً: "نهايةُ عميلٍ حقير"…تيار يرى أن أبو شباب نال جزاءه
-
بعض الإسرائيليين اعتبر أن أبو شباب مجرد إرهابي وتاجر مخدرات
في مواجهة هذا التيار، برز خطّ آخر لا يذرف دمعة على الرجل، لكن من منطلق مختلف: ليس لأنه "غزّي" بل لأنه "مُتعاون" مع الاحتلال. هنا يُقدَّم أبو شباب كـ"مجرم، تاجر مخدّرات، عميل للشاباك"، و"نهايته الطبيعية" هي ما يُنتظر من كلّ من يعمل مع "إسرائيل".
تعليقات من نوع "نهاية عميل حقير"، "مجموعة من المجرمين المشترين بالمال"، "خبر ممتاز، هذا ما يجب أن يحصل لكلّ المتعاونين مع الشاباك"، تضع مقتل أبو شباب في سياق أوسع: "من يتعاون مع إسرائيل، سواء في غزّة أم لبنان أم الضفة، مُعرّض حتماً للتصفية، إمّا على يد أبناء شعبه أو نتيجة لعبة مصالح أكبر منه".
هذا التيار لا يعارض سياسة الاعتماد على "وكلاء محليين" أخلاقيّاً بقدر ما ينظر إليها كجزء من "اللعبة القذرة" العادية في الشرق الأوسط، حيث "الحلفاء" هم غالباً مزيج من مجرمين، تجّار مخدرات وميليشيات.
ثالثاً: نتنياهو و"السيد أمن" تحت النار: تكرار سيناريو أنطوان لحد وسعد حدّاد
-
البعض اعتبر أن تجربة أبو شباب تكرار لتجارب سابقة في لبنان وغزة والضفة
خطّ ثالث وربّما الأعمق سياسياً، ركّز على نقد مفهوم كامل في الاستراتيجية الإسرائيلية: الاعتماد على ميليشيات محليّة أو حلفاء "خفاف" ليشكّلوا بديلاً عن خصمٍ أساسيّ. هنا يظهر تشبيه أبو شباب بجيش لبنان الجنوبي، بـ"روابط القرى" في الضفّة، وبمحاولات سابقة فاشلة مع "أبناء القرى" في غزة والضفة.
عدد من المعلّقين عدّد السلسلة: "فشلنا مع الكتائب ثم مع جيش لبنان الجنوبي، وفي الضفة وغزّة مع أبناء القرى، والآن مع ميليشيات غزّة… نفس القرف يتكرر"، فيما يهاجم آخرون مباشرةً "السيد أمن" نتنياهو، والشاباك، والجيش والموساد، على تبنّيهم مخططات يعترفون هم أنفسهم في التعليقات بأنها "استراتيجية سخيفة"، و"خطة هزلية" و"مشروع آخر انهار من مطبخ نتنياهو".
إحدى النقاط المتكررة هي سؤال: ماذا عن السلاح والمال اللذين جرى ضخّهما لأبو شباب ورجاله؟ أين ذهبت كلّ الأسلحة التي سلّمتها الحكومة واليمين الكامل المطلق لهذا الرجل؟ وهل تحوّلت الآن إلى جزء من فوضى سلاح جديدة في القطاع؟
في هذا السياق يظهر أبو شباب بوصفه "أنطوان لحد" في غزة: رهانه سقط، ومقتله اعتُبر لدى كثيرين برهاناً على إفلاس فكرة الاعتماد على "حليف محلي" يزيح قوةً كحماس، تماماً كما سقط رهان شارون على شخصيات في لبنان.
اقرأ أيضاً: حماس: مقتل أبو شباب هو مصير كل خائن لشعبه ووطنه ونثمّن موقف العشائر
رابعاً: فشل "اليوم التالي" وانهيار وهم البديل عن حماس
-
مستوطنون قالوا إن حكومتهم فشلت في إنتاج بديل حقيقي لحماس في غزة
خيط مهمّ في التفاعل يربط مقتل أبو شباب بفشل أوسع في بناء أي بديل سياسي أو اجتماعي لحماس بعد عامين من الحرب. أكثر من تعليق يذكّر بأنّ الحكومة لم تنجح خلال سنتين من القتال في إنتاج "بديل حقيقي لحماس"، وأنّ نتنياهو فضّل حماية ائتلافه وترك حلفائه يحلمون بالعودة إلى "غوش قطيف"، بدلاً من استغلال الوقت لبناء قيادة فلسطينية قادرة على إزاحة حماس بعد الحرب.
من هنا جاء السؤال الساخر: "هل كانت خطة العمل لدولة إسرائيل للانتصار المطلق على حماس هي الاعتماد على أبو شباب؟" تعليق آخر يلخّص: "مشروع آخر من مشاريع نتنياهو الاستراتيجية ينهار… فشلٌ مطلق".
هذا الإحساس بالفشل لا يقتصر على غضب يساريين أو معارضي الحكومة؛ بل يتقاطع مع شعور أوسع بأنّ "إسرائيل" أصبحت "دولة تفرّط بحلفائها"، "تتخلى عن شركائها منذ عهد باراك"، و"تفشل في حماية من عمل معها"، الأمر الذي يطرح سؤالاً أكثر عمقاً في بعض التعليقات: إذا كان مصير كلّ من يساعدنا هكذا، "فكيف سنجد أشخاصاً يمكن التحدّث معهم أصلاً؟".
خامساً: أقلية متعاطفة… وقلق من التخلّي عن الحلفاء
إلى جانب الشماتة والغضب والنقد السياسي، برزت أيضاً أقلية تعبّر عن أسف حقيقي لمقتل الرجل، وترى فيه حليفاً خاطر بنفسه في واقعٍ مستحيل. بعضهم نعاه تقريباً كـ"جندي إسرائيلي"، أو كبطل "ضحّى بحياته من أجل إسرائيل"، وآخرون قالوا إنّه إنسان "اضطر للعيش بين أهل سدوم وحاول إنقاذ الإنسانية" على حدّ تعبير أحد المعلّقين.
هنا يظهر موقف مختلف: ليس دفاعاً عن أبو شباب بحد ذاته، بقدر ما هو رفض لمبدأ أن تتبنّى الدولة أشخاصاً، تمكّنهم، ترسم على ظهورهم هدفاً، ثم تتخلّى عنهم في لحظة الخطر. أحد الأصوات يقول بوضوح: من أسوأ ما يمكن أن تفعله دولة هو أن تترك في ساعة الضيق أشخاصاً عقدت معهم تحالفاً ما.
هذه الأقلية تخشى أن يتحوّل مقتل "العميل الغزّي" إلى رسالة ردع لكلّ فلسطيني يمكن أن يفكّر يوماً في التعاون أو الانخراط في مشروعٍ مختلف عن حماس، ما يعني عملياً إغلاق نافذة "اليوم التالي" التي يدّعي السياسيون البحث عنها.
سادساً: صراع الروايات وفقدان الثقة بالمؤسسة الرسمية
-
جزء من المعلقين اعتبر أنه لا يمكن الوثوق بمصادر الحكومة الإسرائيلية
جزء آخر من النقاش دار حول "من قتل أبو شباب؟". الحكومة والإعلام الرسمي يفضّلان رواية "صراع بين ميليشيات/عشائر"، بينما حماس تعلن أنها من صفّته.
بعض المعلّقين يؤكّدون أن التجربة أثبتت أن حماس "تكذب أقلّ من المتحدث باسم الجيش ومكتب رئيس الحكومة"، بحسب هؤلاء، فيما يردّ آخرون باتهام هؤلاء بابتلاع "دعاية حماس". وراء هذا الجدال تقبع أزمة ثقة بالمؤسسة الرسمية وبالإعلام التقليدي، إذ يعلّق البعض على أنّ صحافيين مستقلّين هم من سيكشفون الحقيقة في النهاية، لا بيانات الجيش أو مكتب رئيس الحكومة.