كوثر بن هنية ترفض "جائزة" برلين انتصاراً لدم هند رجب
المخرجة التونسية كوثر بن هنية ترفض جائزة "سينما من أجل السلام" في برلين؛ احتجاجاً على تكريم ضابط إسرائيلي والتواطؤ الدولي في جريمة قتل الطفلة الفلسطينية هند رجب.
-
المخرجة التونسية كوثر بن هنية تحمل صورة الشهيدة هند رجب على السجادة الحمراء أثناء وصولها لحضور عرض فيلم "صوت هند رجب" ضمن مهرجان فينيسيا السينمائي في إيطاليا (رويترز - أرشيف)
في واحدةٍ من أكثر اللحظات السينمائية تمرّداً وعنفواناً في العصر الحديث، تحوّل حفل "سينما من أجل السلام" في برلين من احتفالية متبادلة الابتسامات والجوائز إلى محاكمة أخلاقية علنية هزّت أركان القاعة.
لم تكن المخرجة التونسية كوثر بن هنية تبحث عن تصفيق الجمهور أو بريق "أفضل فيلم"، بل صعدت المنصة لتمارس فعل المقاومة بالكلمة والموقف، معلنة سقوط أقنعة "السلام الزائف" الذي يغضّ الطرف عن الجرح الفلسطيني النازف.
مواجهة في عقر دار النخبة: السينما حين تغدو محاكمة
أمام وجوه سياسية بارزة لطالما صاغت ملامح النظام الدولي، وعلى رأسهم هيلاري كلينتون، وقفت بن هنية لا لتهدي فوزها لأحد، بل لتعلن براءتها من سلام يقتات على الصمت وتبييض الجرائم. بلهجةٍ حازمة لا تعرف المواربة، أطلقت رصاصتها الأخلاقية:"لا سلام بلا مساءلة" .
وأضافت بن هنية أنّ "الجيش" الإسرائيلي قتل هند رجب وعائلتها والمسعفَين الاثنين اللذين جاءا لإنقاذها، بتواطؤ من أقوى حكومات العالم ومؤسساته، مؤكدةً أنّ أيّ حديثٍ عن السلام لا يمكن أن يكون جدّياً من دون مساءلة المسؤولين عن الجرائم.
الجائزة "الوديعة": احتجاج صامت فوق الخشبة
في مشهدٍ سينمائي واقعي فاق قوة أيّ فيلم، أعلنت بن هنية رفضها تسلّم الجائزة. ولم يكن هذا حركةً استعراضية، بل موقفاً وجودياً يرفض تحويل مأساة الطفلة هند رجب إلى تمثالٍ يُزيّن الرفوف، أو وسامٍ يُجمّل السيرة الذاتية.
تركت المخرجة جائزتها وحيدةً على خشبة المسرح، قائلة: "لن آخذ هذه الجائزة إلى بيتي؛ أتركها هنا لتكون تذكيراً بالدم لا تكريماً للفنّ"، مضيفةً: "وعندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزاماً قانونياً وأخلاقياً، متجذّراً في المساءلة عن الإبادة الجماعية، عندها سأعود وأقبلها بفرح".
بهذا الفعل، حوّلت بن هنية الجائزة من مجرّد رمزٍ للفوز إلى صرخةٍ للإدانة والمساءلة.
خلفية سياسية: تكريم الجنرال الإسرائيلي
وجاء رفض بن هنية على خلفية تكريم المؤسسة نفسها للجنرال الإسرائيلي المتقاعد نوعام تيبون، الذي شارك في فيلم وثائقي كندي بعنوان "الطريق بيننا" حول إنقاذه أسرته خلال عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
واعتبرت بن هنية هذا التكريم جزءاً من محاولة تقديم خطاب "متوازن" يخفّف من مسؤولية الطرف الأقوى في الحرب ويعيد تأطير قتل المدنيين على أنه مجرّد "ظروف معقّدة" أو "دفاع عن النفس".
السينما فعل مقاومة: صرخة هند التي لا تموت
فيلم "صوت هند رجب" يوثّق استشهاد الطفلة الفلسطينية خلال العدوان الإسرائيلي على غزّة، ويستند إلى مكالماتها الأخيرة مع طواقم الهلال الأحمر.
نجحت بن هنية في منع "تدجين" صرخة الطفلة داخل الأطر الدبلوماسية الناعمة، مؤكّدةً أنّ الفنّ المقاوم لا يقبل الحلول الوسط، ولا يرتضي بالتكريم بينما القاتل يشارك الفضاء ذاته. مؤكدةً أنّ السينما ليست تبييضاً بالصور، والعدالة تعني المساءلة، ومن دونها لن يتحقّق السلام.
صدى الموقف واحتجاجات الفنانين
موقف بن هنية جاء في وقتٍ متوتر داخل مهرجان برلين، حيث أعلنت الروائية الهندية أرونداتي روي انسحابها احتجاجاً على تجاهل المهرجان لجرائم الإبادة في غزّة، معتبرةً تصريحات لجنة التحكيم بقيادة فيم فيندرز صادمة وغير مقبولة.
كما وقّع أكثر من ثمانين فناناً، من بينهم خافيير بارديم وتيلدا سوينتون، بياناً ندّدوا فيه بـ"صمت" المهرجان حيال الأحداث في غزّة، مؤكّدين أنّ الفنّ لا يمكن فصله عن السياسة، وأنّ المؤسسات السينمائية مسؤولة عن عدم غضّ الطرف عن الجرائم ضدّ الإنسانية.
زلزال الضمير: ما بعد الجائزة المرفوضة
وفي ليلة برلين، أعادت كوثر بن هنية تعريف "الالتزام الفنّي" في زمن الانهيارات الأخلاقية الكبرى. بتركها الجائزة خلفها، وجّهت صفعة لازدواجية المعايير الدولية، مثبتة أنّ دماء الأبرياء أثقل من أن تُحمل في حقائب السفر كذكرى من مهرجان دولي.
وبتركها التمثال على المنصّة، طرحت سؤالاً وجودياً سيظلّ يطارد الحاضرين: ما نفع الجائزة إذا صفّقنا للفيلم وتركنا القاتل طليقاً؟
لقد أثبتت كوثر بن هنية أنّ السينما المقاومة لا تنتهي بانتهاء العرض، بل تبدأ حين يواجه المبدع العالم بضمير لا يُشترى ولا يباع.