قراءة في اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي – صيف 2026
استطلاعات رأي إسرائيلية تكشف عن تزايد القلق من الانقسام الداخلي وتراجع الثقة بالقيادة السياسية، وتظهر النتائج تراجع الإيمان بتحقيق "النصر المطلق".
-
قراءة في اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي – صيف 2026
تكشف مجموعة استطلاعات الرأي الإسرائيليّة المنشورة خلال الأشهر الأخيرة، والصادرة عن مؤسسات بحثية ووسائل إعلام مختلفة، عن صورة مركبة للرأي العام الإسرائيلي في صيف 2026. فـ"إسرائيل" لا تظهر في هذه الاستطلاعات مجتمعًا منشغلًا بالتهديدات العسكرية الخارجية فحسب؛ بل مجتمعًا يحمل في الوقت نفسه مستوى مرتفعًا من القلق تجاه الانقسامات الداخليّة، وأداء القيادة السياسيّة، وطبيعة "النظام الديمقراطي"، ونزاهة الانتخابات، وقدرة الحرب على تحقيق أهداف نهائيّة.
هذه القراءة تستند إلى مصادر رئيسية جرى فحصها معًا، مع إبقاء الفروق المنهجيّة بينها في الاعتبار: معهد دراسات "الأمن القومي" INSS، معهد السياسات والاستراتيجيا IPS/مؤتمر هرتسليا، مؤشر المجتمع الإسرائيلي التابع للمعهد الإسرائيلي لسياسات الشعب اليهودي JPPI كما نشرته "ماكور ريشون".
عند وضع النتائج المختلفة جنبًا إلى جنب، تظهر ستة اتجاهات تكاد تكون ثابتة:
- التهديد الداخلي أصبح جزءًا من "الأمن القومي". فالتوتر الاجتماعي، الانقسام السياسي، "الديمقراطية" والتجنيد لم تعد ملفات مدنية منفصلة عن الأمن.
- هناك فجوة واسعة بين الثقة بالمؤسسة الأمنية والثقة بالقيادة السياسية. فـ"الجيش" و"الموساد" يتجاوزان 70%، بينما الحكومة عند نحو الربع ونتنياهو نحو الثلث.
- الجمهور يشك في تحقق "الحسم". حماس لم تختف، إيران لم تُحسم، اتفاق لبنان لا يعني نزع سلاح حزب الله، و"النصر المطلق" لا يحظى بتصديق الأغلبية.
- عدم الثقة بالحسم لا يساوي رفض القوة العسكرية. نسبة كبيرة ما زالت تؤيد العمل العسكري ضد إيران، واليمين يؤيد بدرجة كبيرة العودة إلى الحرب في غزة.
- العلاقات مع الولايات المتحدة ما زالت ركيزة استراتيجية رغم تراجع الثقة بترامب.
- المجتمع يعاني أزمة ثقة لكنه لا يظهر مؤشرات انهيار في الانتماء.
أهمية الاستطلاعات
أهمية هذه المجموعة لا تكمن في أي نسبة منفردة، بل في أنها تسمح بتجاوز القراءة التقليدية للرأي العام الإسرائيلي التي تقسمه فقط إلى "يمين ويسار" أو "مؤيد للحرب ومعارض لها". الاستطلاعات تشير إلى أن المزاج الإسرائيلي في صيف 2026 يتحرك عبر خمسة مستويات متداخلة:
1. مستوى وجودي أمني: إيران، الصواريخ، حماس وحزب الله ما زالت تُنظر إليها كتهديدات جدية.
2. مستوى استراتيجي: يتراجع الاعتقاد بإمكان إزالة هذه التهديدات بصورة نهائية.
3. مستوى مؤسساتي: الثقة بالأجهزة الأمنية أعلى بكثير من الحكومة والسياسيين.
4. مستوى اجتماعي: الخوف من الانقسام الداخلي أصبح أحيانًا أعلى من الخوف من العدو الخارجي.
5. مستوى سياسي–انتخابي: التآكل في الثقة بدأ يظهر في ميزان المقاعد، لكن المعارضة لم تنتج بعد قيادة واحدة مهيمنة.
6. يوجد بُعد سادس يتصل بما يمكن تسميته "ما بعد عقيدة النصر المطلق". فالاستطلاعات لا تعني أن الإسرائيليين أصبحوا مسالمين أو مستعدين للتنازل عن استخدام القوة؛ بل تشير إلى أن جزءًا متزايدًا منهم أصبح يميز بين استخدام القوة وبين الاعتقاد بأنها تستطيع إنهاء المشكلة نهائيًا. وهذه مسألة مهمة لفهم التحول في النقاش الإسرائيلي من "كيف ننتصر؟" إلى "كيف ندير تهديدًا قد يبقى قائمًا؟".
الخلاصة
تقدّم استطلاعات صيف 2026 صورة لـ"إسرائيل" بعد سنوات من الحرب باعتبارها مجتمعًا أمنيًا ما زال يشعر بأنّه مهدّد، لكنه أقل ثقة بقدرة قيادته السياسية على تحويل القوة العسكرية إلى إنجاز استراتيجي نهائي.
فالتهديد الإيراني ما زال حاضرًا، وحماس لم تُعّد في نظر الأغلبية تهديدًا تمت إزالته، ولا توجد ثقة بأن اتفاق لبنان سينتهي بالضرورة إلى نزع سلاح حزب الله. وفي الوقت نفسه، لا تعتبر أغلبية واضحة أن "النصر المطلق" قد تحقق، بل إن معظمها يشك حتى في إمكانية الوصول إليه مستقبلًا في غزة.
لكن المفارقة الأعمق ليست خارجية، بل داخلية: الإسرائيلي يقلق من الانقسام داخل "إسرائيل" أكثر مما يقلق من التهديد الخارجي، بحسب معهد دراسات "الأمن القومي"؛ ويعتقد أن المجتمع غير متماسك، وفق " معهد السياسات والاستراتيجيا -هرتسليا"؛ يمنح الحكومة ربع مستوى الثقة تقريبًا، لكنه يمنح "الجيش" و"الموساد" نحو ثلاثة أرباعها؛ ويشك أكثر من نصفه في أن القرارات الأمنية للقيادة السياسية تُتخذ أساسًا وفق اعتبارات أمنية.
بذلك تصبح الأزمة الإسرائيلية في هذه الاستطلاعات ثلاثية الأبعاد: أزمة حسم، لأن الحرب لم تنتج شعورًا بانتهاء التهديدات؛ أزمة ثقة، لأن المؤسسة السياسية لا تحظى برصيد المؤسسة الأمنية؛ وأزمة تماسك، لأن الخوف من الصراع الداخلي أصبح أحد أكبر التهديدات التي يحددها الإسرائيليون لأنفسهم.
تبدو "إسرائيل" في صيف 2026، وفق هذه الاستطلاعات أكثر شبهًا بمجتمع يعيش تناقضًا طويل الأمد بين قوة "الدولة" وضعف الثقة بقيادتها، وبين الاستعداد لمواصلة المواجهة وتراجع الإيمان بإمكان إنهائها، وبين الانتماء لـ"الدولة" والقلق من طبيعة المجتمع و"الدولة" التي ستخرج من الحرب.