رفح: حين تتحوّل الحدود إلى قطيعة والمعبر إلى أداة حصار
مدينة رفح تقع على تخوم جغرافية وسياسية حساسة، تحمل اسمين يعكسان انقسامها الإداري بين مصر وفلسطين، لكنها تاريخياً كانت مدينة واحدة موحدة. ومع اندلاع الحرب على غزة أصبح المعبر فيها الذي مثل لسنوات شريان الحياة الوحيد للقطاع، أداة تحكم صارمة.
-
رفح: حين تتحوّل الحدود إلى قطيعة والمعبر إلى أداة حصار
لم تعد رفح مجرّد مدينة حدودية موزّعة الأرض بين قطاع غزة ومصر، لقد تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان مكثّف لتحوّلات سياسية وأمنية وإنسانية عميقة أعادت تشكيل المكان والإنسان معاً.
المدينة التي عاشت تاريخياً ككيان اجتماعي واحد رغم انقسامها الإداري بين مصر وفلسطين، وجدت نفسها تدريجياً أمام واقع جديد: منطقة عازلة من جهة، وحدود مغلقة من جهة أخرى، ومعبر يتحكّم بمصير مئات الآلاف من السكان.
وبين هدم الأحياء في رفح المصرية، وتدمير المدينة الفلسطينية، وتشديد السيطرة على معبر رفح، تلاشت ملامح الامتداد الطبيعي الذي كان يربط العائلات والأسواق والحياة اليومية على جانبي الحدود.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة، اكتسب هذا التحوّل بعداً أكثر قسوة. فقد أصبح معبر رفح الذي مثّل لسنوات شريان الحياة الوحيد للقطاع، أداة تحكّم صارمة بحركة المرضى والمسافرين والمساعدات، في وقت تنهار فيه المنظومة الصحية تحت وطأة الدمار والاستنزاف.
وبين عائلات مقسومة لا يجمعها سوى الاتصال عبر الشاشات، ومرضى ينتظرون فرصة عبور قد لا تأتي، تتجسّد في رفح صورة مكثّفة لواقع الحصار والفصل القسري، حيث تتحوّل الجغرافيا إلى أداة ضغط، والحدود إلى قطيعة تمسّ أبسط الحقوق الإنسانية في الحركة والعلاج وصلة الرحم.
رفح المصرية: من مدينة نابضة بالحياة إلى منطقة عازلة على الحدود مع غزة
تقع مدينة رفح على تخوم جغرافية وسياسية حسّاسة، تحمل اسمين يعكسان انقسامها الإداري بين مصر وفلسطين، لكنها تاريخياً كانت مدينة واحدة موحّدة اجتماعياً وعمرانياً، يمتد نسيجها البشري عبر الضفتين برباط المصاهرة والقرابة وحركة التجارة اليومية.
منذ مطلع القرن العشرين، وعبر اتفاقية ترسيم الحدود عام 1906 بين مصر والدولة العثمانية، تمّ رسم خط إداري فاصل لم يؤثّر على وحدة المدينة عملياً، وظلت الحركة بين الجانبين طبيعية، كما حافظ الأهالي على ملكياتهم للأراضي والمياه والتنقّل اليومي.
استمر هذا الامتداد الاجتماعي رغم تقلّبات السياسة الإقليمية، بما في ذلك حرب 1967 وسيطرة "إسرائيل" على غزة، واتفاقية "كامب ديفيد" عام 1978 التي كرّست الخط الحدودي بوصفه حدوداً سيادية، إلا أنّ الروابط العائلية والاجتماعية ظلت تتجاوز الأسلاك والحواجز، محافظة على وحدة المدينة غير المرئية.
التحوّل الجذري جاء بعد عام 2014، حين أطلقت السلطات المصرية حملة موسّعة تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب" في شمال سيناء، تضمّنت إنشاء منطقة عازلة بمحاذاة قطاع غزة بعمق 5 كيلومترات وطول 14 كيلومتراً من البحر المتوسط حتى معبر كرم أبو سالم.
ترافق ذلك مع عمليات إخلاء واسعة، هدم آلاف المنازل والمزارع، وتسوية أحياء بالكامل، ما أفرغ رفح المصرية من كتلتها السكانية، وحوّل المدينة من فضاء عمراني مترابط إلى شريط أمني مغلق يفصل بين ضفتين كانتا متصلتين تاريخياً بالدم والمكان.
وقد عزّزت هذه الإجراءات الجدار الحدودي والفاصل الأمني، وأدت إلى تدمير مئات الأنفاق التي كانت تربط سيناء بقطاع غزة، ما ألغى أي منفذ طبيعي للتواصل أو الدعم اللوجستي للقطاع الفلسطيني.
مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة، أصبح معبر رفح الفلسطيني تحت سيطرة إسرائيلية مشدّدة، لا يسمح بدخول أيّ شاحنات إغاثية أو إخراج المرضى إلا عبر آليات التفتيش والموافقات الإسرائيلية، ما حوّله من منفذ إنساني محتمل إلى نقطة عبور مشروطة تماماً، تحدّ من حركة السكان وتزيد من معاناة القطاع.
في المقابل، شهدت رفح المصرية تغييرات عمرانية وأمنية جذريّة، حيث أصبح الوصول إلى الحدود شبه مستحيل، وتحوّلت المنطقة الممتدة بين سيناء وغزة إلى حزام أمني مغلق، يحول دون أيّ تواصل اجتماعي وثقافي بين شطري المدينة.
عائلات مقسومة وحدود مغلقة: رفح بين الذاكرة والقطيعة
في شهادة إنسانية مكثّفة "للميادين نت"، يستعيد الدكتور إبراهيم برهوم من مدينة رفح سيرة العائلات الفلسطينية –المصرية التي عاشت لعقود على إيقاع حدودٍ مرسومة سياسياً، لكنها لم تنجح طويلاً في اقتلاع الروابط الاجتماعية الضاربة في المكان.
يروي برهوم كيف كانت الحياة اليومية تتجاوز السلك الشائك؛ يقف أفراد الأسرة الواحدة أزواجاً وأبناءً وإخوة متقابلين على جانبي السياج، يتبادلون الأحاديث بصوت مرتفع، يهنئون بعضهم في الأفراح، ويتقاسمون العزاء في الأتراح.
لم تكن الهواتف الذكية ولا وسائل التواصل الحديثة حاضرة، لكنّ الجغرافيا القريبة كانت كافية لحفظ دفء العلاقات، وجعلت من الخط الحدودي فاصلاً إدارياً أكثر منه حاجزاً إنسانياً. كانت رفح بروايته مدينة واحدة بنصفين تتوزّع فيها البيوت بين جهتين بينما تبقى العائلة ممتدة في الاتجاهين.
ويشير برهوم إلى انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، حيث شكّل لحظة استثنائية في الذاكرة الجمعية لأهالي رفح. ففي 12 أيلول/سبتمبر من ذلك العام، تدفّقت العائلات عبر الحدود في مشهد عفوي كثيف الدلالات؛ فلسطينيون يعبرون إلى مصر، ومصريون يدخلون إلى غزة، بحثاً عن أقارب لم يلتقوهم منذ سنوات.
تعرّف الجدّ إلى حفيده الذي وُلد خلال سنوات الانفصال، والتقت الأخوات بعد فراق طويل، وتشكّلت ألفة جديدة بين أجيال لم تتح لها فرصة اللقاء سابقاً. بدأت آنذاك مرحلة من الزيارات المباشرة، والإقامة المتبادلة، واستعادة الذاكرة المشتركة، كأنّ المدينة تحاول ترميم نفسها بعد أعوام من القطيعة المفروضة.
حتى ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بقي معبر رفح يشكّل شرياناً إنسانياً يحفظ الحد الأدنى من هذا التواصل.
ويوضح برهوم أنّ السفر كان متاحاً بصورة شبه يومية، وأنّ حضور المناسبات العائلية لم يكن استثناءً، بل ممارسة معتادة. "كنا نحضر الفرح ونعود في اليوم التالي، أو نؤجّل جنازة ساعات حتى يصل أحد أفراد العائلة من الطرف الآخر"، يقول في إشارة إلى مستوى الترابط الاجتماعي الذي ظل قائماً رغم التعقيدات السياسية وتراجع التواصل المباشر على الحدود بعد نقل سكان رفح المصرية إلى العريش والشيخ زويد. ورغم القيود والإجراءات ظل المعبر الرسمي نافذة العائلة الواحدة على نفسها، ووسيلتها لصون صلة الرحم.
غير أنّ الحرب الأخيرة قلبت المشهد بالكامل. فمدينة رفح الفلسطينية تعرّضت لدمار واسع، ونزحت عائلاتها إلى مناطق متفرقة، فيما أُعيدت السيطرة على محور "فيلادلفيا" ومعبر رفح، ما أغلق الباب أمام أيّ لقاء مباشر.
يؤكّد برهوم أنّ الواقع الجديد أنهى ما تبقّى من حلم التواصل؛ لم يعد ممكناً الوقوف على الحدود كما في السابق، ولا السفر عبر المعبر، ولا حتى زيارة المدينة التي تختزن ذاكرة الطفولة والعائلة. "نحن عائلة واحدة، نصفها في رفح المصرية ونصفها في رفح الفلسطينية. إغلاق المعبر يعني قطع هذه العلاقة بنسبة 100%"، ويوضح أنّ التواصل اختُزل اليوم في مكالمات هاتفية ورسائل عبر الشاشات، بلا احتضان ولا مشاركة فعلية في لحظات الفرح أو الفقد.
بهذا المعنى، أصبح الانقسام جغرافياً وجودياً. فالعائلة التي كانت تتقاسم المكان نفسه أصبحت موزّعة على خرائط مغلقة، وصلة الرحم التي كانت ممارسة يومية غدت شبه مستحيلة.
يختم برهوم شهادته بتأكيد أنّ ما يطالب به أهالي رفح حقاً إنسانياً بديهياً وهو أن يرى الإنسان أخته أو أخاه، أن يحتضن قريباً، أن يقف إلى جانب عائلته في مناسبة أو مصيبة. واقع حوّل الحدود إلى قطيعة كاملة وجعل من الذاكرة آخر مساحة مشتركة لعائلات لا يجمعها اليوم سوى الصوت البعيد وانتظار نافذة قد تُفتح يوماً.
واقع العمل في معبر رفح قبل الإبادة وبعد احتلال المعبر
قبل اندلاع الحرب والإغلاق الكامل الذي فرضته "إسرائيل"، كان معبر رفح يمثّل شريان الحياة الرئيسي لسكان قطاع غزة، وربطاً أساسياً بين القطاع ومصر وبقية العالم.
كان المعبر يشهد عبور مئات الفلسطينيين يومياً إلى مصر لأغراض متنوعة، بينها العلاج الطبي، الدراسة في الخارج، السفر العائلي أو المهني، والزيارات الإنسانية. كما كانت حركة العودة من مصر إلى غزة شبه منتظمة، ما أضفى على المعبر طابعاً ديناميكياً ومفتوحاً نسبياً، مع أقل قدر ممكن من القيود الإدارية مقارنة بما أصبح معتمداً بعد الحرب.
وكان للمعبر دور محوري على الصعيد الاقتصادي، إذ ساهم في تسهيل مرور البضائع التجارية والغذائية والمواد الأساسية، كما مكّن من تدفّق المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وقد شكّل ذلك عنصراً أساسياً في توازن الحياة اليومية لسكان غزة، إذ ساعد على دعم الأسواق المحلية، وتقليل الضغط على البنية التحتية، وتخفيف أثر الحصار المفروض منذ سنوات.
على الصعيد الإنساني، كان معبر رفح هو المنفذ الأول لنقل الحالات الطبية الحرجة إلى مستشفيات مصر، حيث تلقّى آلاف المرضى علاجاً متخصصاً غير متوفر في غزة، بما في ذلك عمليات جراحية معقّدة وعلاج الأورام وزراعة الأعضاء. كما كان يسهّل حركة الطلاب الفلسطينيين الدارسين في الخارج، والعائلات المنقسمة جغرافياً نتيجة النزوح أو السفر، ما جعله رمزاً للارتباط بين القطاع والعالم الخارجي.
وكان التشغيل الإداري للمعبر يتم بتنسيق مشترك بين وزارة الداخلية في غزة والجانب المصري، ضمن آلية منظمة تحافظ على انتظام الحركة وتخفّف العقبات أمام المسافرين، مع إجراءات أمنية معتدلة لا تؤثّر على حرية التنقّل، ما جعله نموذجاً نسبياً للتسيير اليومي للمعابر الفلسطينية قبل تحوّل الوضع لاحقاً إلى الإغلاق الكامل بسبب الحرب والإبادة الإسرائيلية.
في مقابلة مع "الميادين نت"، قدّم مسؤول سابق كان يعمل في معبر رفح، فضّل عدم الكشف عن هويته صورة تفصيلية عن واقع العمل في معبر رفح قبل الإبادة واحتلال المعبر، مقارنةً بما آل إليه الوضع بعد احتلاله والسيطرة عليه.
قبل الإبادة واحتلال المعبر، أوضح المسؤول أنّ معبر رفح كان يشهد حركة سفر يومية نشطة نسبياً، إذ بلغ عدد المسافرين نحو ألف مسافر يومياً ضمن فئات متعدّدة شملت الطلبة الملتحقين بجامعات خارج القطاع، والمرضى المحوّلين للعلاج، إضافة إلى حالات إنسانية وأمنية جرت وفق آليات تنسيق معتمدة.
وأشار إلى أنّ المعبر كان يستقبل في المقابل قرابة 500 مسافر عائد إلى قطاع غزة يومياً، ما ساهم في الحفاظ على دورة حياة طبيعية نسبياً، رغم القيود والإجراءات المعقدة التي كانت مفروضة آنذاك.
وعلى الصعيد التجاري، بيّن أنّ معبر رفح التجاري كان يعمل 3 أيام في الأسبوع، وكانت تمر عبره نحو 300 شاحنة في كلّ يوم عمل، محمّلة بسلع ومواد أساسية أسهمت في تزويد الأسواق المحلية بجزء مهم من احتياجاتها، وساعدت في الحد من تفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية في القطاع.
أما بعد الإبادة واحتلال المعبر، فقد تغيّر المشهد بشكل جذري، بحسب المسؤول، حيث توقّفت حركة السفر بشكل شبه كليّ، وانقطعت قدرة السكان على مغادرة القطاع أو العودة إليه، بمن في ذلك المرضى والطلبة والحالات الإنسانية الطارئة. وأصبح المعبر الذي كان شرياناً حيوياً لسكان غزة، خارج الخدمة الفعلية، ما فاقم العزلة المفروضة على القطاع.
وأضاف أنّ الحركة التجارية عبر المعبر توقّفت أو خضعت لقيود شديدة، الأمر الذي انعكس مباشرة على توفّر المواد الأساسية والسلع في الأسواق، وتسبّب في تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية بشكل غير مسبوق.
وأكّد أنّ إغلاق المعبر واحتلاله لم يكن إجراءً إدارياً أو أمنياً فحسب، بل بات يشكّل أداة ضغط جماعي أثّرت على مجمل تفاصيل الحياة اليومية لسكان القطاع.
وختم المسؤول بالقول إنّ الفارق بين المرحلتين يوضح الدور المحوري لمعبر رفح في حياة الفلسطينيين في غزة، مشدّداً على أنّ فقدان هذا المنفذ الحيوي حوّل الأزمات المزمنة إلى كارثة إنسانية شاملة، لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.
معبر رفح يعود للعمل جزئياً: قيود مشدّدة وعراقيل مستمرة أمام المسافرين والمرضى
استأنف معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة عمله في 2 شباط/فبراير الجاري للمرة الأولى منذ نحو عامين، وسط توقّعات بتسهيل حركة العبور للفلسطينيين، ولا سيما المرضى والمرافقين لهم. ورغم التفاهمات المعلنة التي نصّت على عبور 50 فلسطينياً إلى غزة في اليوم الأول مقابل خروج 50 مريضاً مع مرافقين، جاءت الأرقام الفعلية أقل بكثير، إذ دخل 12 شخصاً فقط إلى القطاع وغادر 8.
وفي اليوم الثاني عاد 40 فلسطينياً بعد انتظار طويل وسط عراقيل وصعوبات وقيود وصفها العائدون بالشديدة.
أما في اليوم الثالث، فقد أعيد 26 مريضاً ومرافقاً إلى غزة، بينما سُمح لسفر 20 مريضاً فقط من دون توضيح الأسباب، ما يعكس استمرار سياسة التحكّم بأعداد العابرين وتقليص حركة السفر.
وشهد اليوم الرابع إلغاء تنسيق سفر الدفعة الثالثة من المرضى والجرحى، قبل أن يصل في اليوم الخامس 25 فلسطينياً إلى القطاع بعد استكمال رحلة علاج خارجية.
وفي سياق يفضح محدودية هذا " الفتح الجزئي"، أعلنت وزارة الصحة في غزة، يوم السبت 7 شباط/فبراير 2026، أنّ عدد من جرى إجلاؤهم منذ افتتاح معبر رفح لم يتجاوز 36 مريضاً فقط، فيما غادر القطاع 196 شخصاً بمختلف الفئات، وهي أرقام تعكس اتساع الفجوة بين الاحتياج الإنساني الفعلي وما يُسمح به عملياً.
ويأتي ذلك في وقتٍ أُغلق فيه المعبر مجدّداً، ما فاقم معاناة الأهالي، ولا سيما المرضى والجرحى الذين يواجهون تدهوراً متسارعاً في أوضاعهم الصحية مع استمرار الانتظار على بوابة معطّلة، في ظل انهيار المنظومة الصحية وغياب أيّ أفق واضح لاستمرارية العمل في المعبر أو توسيع آليات العبور.
وتشير إفادات العائدين إلى أنهم خضعوا لتفتيشات وتحقيقات ميدانية مطوّلة، وتعرّض بعضهم لإهانات أثناء المرور عبر شارع صلاح الدين في رفح وخان يونس، ما يعكس أنّ عملية فتح المعبر تتمّ تحت إشراف وتنسيق مشدّدين من "الجيش" الإسرائيلي، مع استمرار التغييرات المفاجئة في أعداد المغادرين والعائدين، ما يجعل من فتح المعبر خطوة محدودة التأثير أمام واقع القيود والحصار المفروض على قطاع غزة.
معبر رفح: أداة احتلال لإدارة المعاناة وفرض سياسة الهجرة القسرية
يؤكّد الكاتب والباحث السياسي محمد العيلة "للميادين نت" ، أنّ سياسات الاحتلال تجاه معبر رفح لا يمكن اختزالها في إجراءات أمنية مؤقتة أو شكلية، فهي جزء من استراتيجية ممنهجة لتأبيد معاناة سكان غزة، وخلق ضغوط مستمرة تدفعهم نحو الهجرة، بما يخدم أهدافاً بعيدة المدى لإفراغ الأراضي وتحقيق السيطرة الديموغرافية والسياسية.
ويشير العيلة إلى أنّ فتح المعبر بصورة محدودة والسماح بخروج أعداد ضئيلة من المسافرين، إلى جانب التضييق على العائدين عبر التهديدات، وتأخير السماح لهم بالعبور، يعكس توجّهاً واضحاً يهدف إلى إرهاب السكان ومنعهم من ممارسة أبسط حقوقهم، بما في ذلك حقّ العودة إلى منازلهم.
ويرى أنّ هذه السياسات تحوّل المعبر إلى أداة ضغط يومية، حيث يصبح الانتظار لساعات أو أيام، مع الإجراءات المعقّدة والمراقبة المكثّفة، جزءاً من أساليب الاستنزاف النفسي والاجتماعي الذي يعانيه السكان، ويزيد من هشاشة حياتهم اليومية.
ويشير العيلة أيضاً إلى أنّ الدور الأوروبي في الإشراف على المعبر يقتصر على تقديم غطاء سياسي للإجراءات الاحتلالية، من دون أيّ صلاحية فعلية لتعديل آليات تشغيل المعبر أو حماية حقوق السكان، مما يجعل هذه المشاركة شكلية فقط، فالقرار النهائي دائماً بيد الاحتلال الذي يسعى إلى تحويل أيّ خطوة نحو فتح المعبر إلى إجراء شكلي، يضفي على العملية مظهر الضبط والتنظيم، بينما يكرّس في الواقع الحصار ويحوّل أيّ تسهيلات بسيطة إلى أدوات جديدة للسيطرة والسياسة العقابية.
ويختم العيلة بالقول إنّ حقّ التنقّل أصبح ساحة صراع بحدّ ذاته، حيث تُوظّف المعابر كأداة ضغط يومية على السكان، لفرض الهجرة القسرية، وإبقاء الغزيين تحت استنزاف مستمر، وخلق واقع يحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، ويؤكّد أنّ المعبر لم يعد مجرّد منفذ عبور، بل أصبح رمزاً للسيطرة والاحتلال والضغط السياسي طويل الأمد.
المنظومة الصحية تحت الأنقاض ومعبر رفح بوابة النجاة المؤجّلة
في ظلّ الحرب الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة، تواجه المنظومة الصحية كارثة غير مسبوقة، إذ أكّد مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية في مقابلة مع "الميادين نت"، أنّ الاحتلال استهدف هذه المنظومة بشكل ممنهج، ما أدى إلى تدمير أكثر من 80% من المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وإخراجها عن الخدمة أو تقليص قدرتها التشغيلية إلى أدنى حدّ. هذا الدمار شمل كلّ مستويات الرعاية الصحية، من الطوارئ إلى العمليات الجراحية المعقّدة، ما جعل القدرة على تلبية احتياجات المرضى الحرجة شبه مستحيلة.
ووفق ما كشفه أبو سلمية، بلغ عدد الشهداء في غزة أكثر من 70 ألف شخص، فيما تجاوز عدد الجرحى 170 ألفاً، بينهم نحو 20 ألف مريض يحتاجون إلى علاج عاجل خارج القطاع نتيجة عدم توفّر الإمكانات الطبية اللازمة.
وتشمل هذه الحالات 4500 طفل، و4500 مريض سرطان، وما يقارب 10 آلاف مصاب يحتاجون إلى جراحات متقدّمة في العظام والمخ والأعصاب والأوعية الدموية. وقد توفي نحو 1300 منهم أثناء انتظار فرصة السفر لتلقّي العلاج، وهو رقم يوضح الثمن البشري الهائل لانعدام الوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة.
ويشير أبو سلمية إلى أنّ الضغط على المنظومة الصحية لا يقتصر على نقص الإمكانات، بل يمتد إلى استنزاف بشري هائل، بعد استشهاد أكثر من 1700 فرد من الطواقم الطبية واعتقال نحو 350 آخرين بينهم استشاريون وأطباء خبراء، إضافة إلى نفاد أدوية الطوارئ والمنقذة للحياة إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل المستشفيات غير قادرة على استيعاب المزيد من الجرحى والمرضى.
في هذا السياق، يتحوّل معبر رفح من مجرّد منفذ حدودي إلى شريان حياة يتوقّف عليه مصير آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع. إلا أنّ فتح المعبر اليوم يتمّ بشكل جزئي ومقيّد، مع مرور أعداد قليلة يومياً، لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الأزمة. هذا التشغيل المحدود يعكس واقعاً مفاده أنّ المعبر تحوّل إلى أداة ووسيلة لإدارة الأزمة ببطء، بينما تتفاقم معاناة المرضى كلّ ساعة، وتستمر حصيلة الوفيات في الارتفاع.
بالتالي، فإنّ مصير المنظومة الصحية في غزة ونجاة آلاف المرضى مرتبط بشكل مباشر بمدى توسيع فتح معبر رفح وتحويله إلى منفذ إنساني حقيقي، لا مجرّد بوابة رمزية تسمح بمرور عدد محدود من الحالات، في وقت تتزايد فيه الحاجة الملحة لإنقاذ حياة آلاف المرضى والجرحى الذين باتوا محاصرين بين الدمار والعزلة.
مدينة أُعيد تعريفها بالقوة
هكذا تقف رفح اليوم على تخوم المعنى، مدينة أُعيد تعريفها بالقوة، لا بما اختارته لنفسها. نصفها تحوّل إلى منطقة عازلة تُمحى فيها البيوت لتُرسم خرائط أمنية، ونصفها الآخر مدينة منكوبة يُثقلها الحرب والحصار، وبينهما معبر يتأرجح بين أن يكون بوابة نجاة أو أداة حصار وعزل.
في هذا المشهد، لا تبدو الحدود مجرّد خطوط سيادية، بل منظومة تتحكّم بالحركة والدواء واللقاء، وتعيد صياغة الحياة اليومية لسكان قطاع غزة وفق إيقاع أمني صارم.
رفح تُظهر واقعاً سياسياً وأمنياً يتحكّم بالحياة اليومية للسكان، حيث تقسم العائلات بين ضفتين، وتصبح المدينة خاضعة لمراقبة صارمة، بينما يتحوّل الحقّ في العلاج إلى انتظار طويل أمام بوابة مغلقة.
ومع تراكم الدمار وانهيار المنظومة الصحية وتقييد حركة العبور، تتزايد التساؤلات حول معنى السيادة والحدود وحقوق الإنسان في المدينة. وبين ذاكرة رفح الموحّدة في الماضي وواقعها المقسم حالياً، تظلّ المدينة معلّقة بين احتمالين: أن تعود كجسر حياة للسكان، أو أن تثبت كخط فصل دائم ضمن جغرافيا الصراع؟!