حصار كوبا يتصاعد: ضغط أميركي متعدد الأدوات في الكاريبي
كوبا اليوم لا تواجه مجرد جولة جديدة من الضغط، وإنما هندسة شاملة تستهدف تفكيك الجمهورية بأدوات تتجاوز العقوبات إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في الكاريبي ونصف الكرة الغربي بأسره.
-
حصار كوبا يتصاعد: ضغط أميركي متعدد الأدوات في الكاريبي
بلغت السياسة الأميركية تجاه كوبا في الأسابيع الأخيرة نقطة تحول قاطعة، إذ انتقلت من مجرد تشديد الحصار الاقتصادي إلى ترتيب مركّب يجمع التهديد العسكري والحصار النفطي والعقوبات الثانوية والملاحقة القضائية للقيادة التاريخية للجزيرة.
ولم تعد هذه الأدوات تعمل بصورة منفصلة، بل باتت تتحرك ضمن منظومة ضغط متناسقة تستهدف إعادة تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية للجزيرة وفرض وقائع جديدة في الكاريبي.
فالملاحقات القضائية تؤمّن الغطاء القانوني، بينما تدفع العقوبات الثانوية الشركات الأجنبية إلى الانسحاب من السوق الكوبية، ويقود الحصار النفطي إلى إنهاك الشبكة الكهربائية وشلّ الاقتصاد، فيما يتصاعد الحشد العسكري الأميركي في المنطقة انتظاراً للحظة مناسبة.
وكان آخر إجراء اتخذته واشنطن هو توجيه وزارة العدل الأميركية سلسلة اتهامات جنائية إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، البالغ 94 عاماً، على خلفية إسقاط طائرتي منظمة "إخوة الإنقاذ" عام 1996 بعد تكرار اختراقهما المجال الجوي الكوبي في تجاهل لعشرات التحذيرات من جانب هافانا.
ومن بين الاتهامات التي وجِّهَت إلى كاسترو تهم "التآمر لقتل مواطنين أميركيين"، وهذه خطوة تحمل دلالة سياسية تتجاوز البعد القضائي، إذ تبدو واشنطن وكأنها تسعى إلى إنتاج شرعية قانونية لتصعيد أوسع ضد الدولة، على غرار المسار الذي اعتمدته ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل أشهر.
وقد تزامن ذلك مع إحياء دعاوى تعويض بمئات ملايين الدولارات ضد كوبا بموجب قانون "هيلمز-بيرتون"، بما يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى جديد من الحرب القانونية والمالية.
وجاء هذا التصعيد القضائي الأخير متزامناً مع تحركات اقتصادية ومالية واسعة النطاق. ففي الأول من أيّار/مايو الجاري، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بنقل العقوبات من إطار التعرفات الجمركية الذي قيدته المحكمة العليا الأميركية في شباط/فبراير الماضي إلى نظام حظر الأصول والعقوبات المالية المستند إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، وهو إطار أكثر شدة واتساعاً.
ولم يعد الاستهداف مقتصراً على مؤسسات الدولة الكوبية، بل شمل أي شركة أو جهة أجنبية تتعامل مع قطاعات الطاقة أو التعدين أو الموانئ أو الخدمات المالية المرتبطة بها، تحت طائلة عقوبات ثانوية قد تؤدي إلى تجميد أصولها أو حرمانها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
وسرعان ما توسعت لائحة العقوبات. ففي 7 أيار/مايو فُرضت العقوبات على مجموعة "GAESA" العسكرية التي تستحوذ على حصة كبيرة من نشاطات الاقتصاد الكوبي، وأيضاً على شركة "Moa Nickel" المشتركة مع كندا.
ومن ثم جاء الـ18 من أيّار ليُضاف إلى اللائحة أكثر من 10 مسؤولين بينهم وزراء الطاقة والاتصالات والعدل ورئيس الجمعية الوطنية، إلى جانب وزارة الداخلية وإدارة الاستخبارات والشرطة الثورية. وأعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن المزيد سيُفرض في الأسابيع المقبلة.
أنتجت هذه المنظومة العقابية أثراً تجاوز كوبا ذاتها. فشركتا الشحن العملاقتان "Hapag-Lloyd" الألمانية و"CMA CGM" الفرنسية أعلنتا في الشهر الجاري وقف جميع الحجوزات من وإلى الجزيرة بسبب مخاطر العقوبات الثانوية، وهو ما يهدد بتعطيل قرابة 60% من حركة الشحن البحري لكوبا.
وأمهلت وزارة الخزانة الأميركية الشركات الأجنبية حتى 5 حزيران/يونيو لإنهاء أي تعامل مع شركة "GAESA" المسؤولة عن إدارة الموانئ ومنطقة "Mariel" الاقتصادية الخاصة. كما علّقت شركة "Sherritt" الكندية مشاركتها فوراً في المشروع المشترك للنيكل.
وهكذا تحولت العقوبات الأميركية من مجرد أدوات ضغط على الحكومة إلى آلية عابرة للحدود تفرض عملياً انضباطاً سياسياً ومالياً على شركات ودول أجنبية تخشى خسارة وصولها إلى السوق الأميركية ومنظومة الدولار العالمية.
وفي قلب كل ذلك تقع أزمة الطاقة التي بلغت منتصف أيّار الجاري لحظتها الأشد منذ بداية الحصار البحري على الجزيرة. فقد أعلن وزير الطاقة والمناجم الكوبي، فيسنتي دي لا أو ليفي، نفاد احتياطيات البلاد من الديزل والفيول بالكامل بعد استهلاك آخر الشحنات الروسية التي وصلت في 31 آذار/مارس الماضي.
وسجّل العجز الكهربائي رقماً قياسياً بلغ 2204 ميغاواط، فيما انهارت أكبر محطة توليد كهرباء في البلاد للمرة التاسعة على التوالي، وتعطلت الشبكة الكهربائية في شرق البلاد، وبلغت ساعات الانقطاع في بعض المناطق 20 ساعة يومياً.
ولا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن الاستراتيجية الأميركية الأوسع في المنطقة. فكوبا لا تنتج سوى جزء محدود من احتياجاتها النفطية، وكانت تعتمد بدرجة كبيرة على الإمدادات الفنزويلية حتى تصاعد الضغط الأميركي على كاراكاس خلال الأشهر الماضية، كما علّقت المكسيك شحناتها النفطية التجارية إلى الجزيرة مؤقتاً لتفادي الرسوم الجمركية التي هددت بها واشنطن، مع استمرارها في إرسال مساعدات إنسانية وغذائية.
وفي السياق نفسه غيّرت إحدى الناقلات الروسية المتجهة إلى كوبا مسارها في أواخر آذار نحو ترينيداد وتوباغو خشية التعرض للعقوبات أو الاحتجاز. ومنذ ذلك الحين أصبحت الجزيرة تعتمد على تدفقات متقطعة وغير مستقرة من الوقود في صورة مساعدات، في وقت تحتاج فيه إلى عدة ناقلات شهرياً فقط للحفاظ على استقرار شبكتها الكهربائية.
وبموازاة ذلك تتصاعد المؤشرات العسكرية بصورة لافتة. ففي الـ14 من نيسان/أبريل وجّه البيت الأبيض البنتاغون إلى تكثيف الاستعدادات لعمليات عسكرية محتملة ضد الجزيرة الكوبية.
كما رصدت تحليلات لبيانات الرحلات أكثر من 25 رحلة استطلاع أميركية قرب السواحل الكوبية منذ مطلع شباط الماضي، شملت طائرات "P-8" و"RC-135" والمسيّرات الاستراتيجية عالية الارتفاع "MQ-4C Triton".
ولاحقاً دخلت حاملة الطائرات النووية "USS Nimitz" ومجموعتها الضاربة إلى البحر الكاريبي في الـ20 من الشهر الجاري، بالتوازي مع الإعلان عن الاتهامات ضد راؤول كاسترو، في نمط يشبه ما سبق العدوان الأميركي على فنزويلا والحرب على إيران.
وفي السياق ذاته، نشر موقع "أكسيوس" في الـ17 من الشهر الجاري مزاعم عن امتلاك كوبا 300 طائرة مسيّرة هجومية بدعم روسي وإيراني، في رواية تحمل بوضوح سمات الذرائع التقليدية التي غالباً ما تسبق أي تصعيد عسكري أميركي.
وضمن هذا السياق كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف زار هافانا في الـ14 من الشهر الجاري، حيث التقى مسؤولين في وزارة الداخلية الكوبية وراؤول رودريغيز كاسترو، حفيد الرئيس السابق، ضمن مسار تفاوضي موازٍ للتصعيد القائم.
وشملت المطالب الأميركية إغلاق محطات التنصت الروسية والصينية في الجزيرة وفتح الاقتصاد بصورة كاملة أمام رأس المال الأميركي، بما يعكس أن الضغوط الحالية لا تستهدف فقط تعديل سلوك الحكومة الكوبية، بل إعادة صياغة موقع كوبا الجيواستراتيجي والاقتصادي بالكامل.
وفي مواجهة هذا الترتيب المركّب، يبدو الموقف الكوبي ثابتاً على رفض المساس بالسيادة الوطنية والنظام الجمهوري. فالرئيس دياز كانيل لا يتوقف عن وصف العقوبات بأنها "لا أخلاقية وغير قانونية وإجرامية"، وحذّر مؤخراً من أن أي عدوان عسكري سيُسفر عن نتائج لا تُحصى عواقبها.
وضمن هذا السياق، سرّعت هافانا التحوّل نحو الطاقة الشمسية لتخفيف آثار الحصار فبلغت حصتها 10% من الشبكة الوطنية، وأقرّت قانوناً جديداً للهجرة في الـ5 من أيّار يُلغي قيد الـ24 شهراً على إقامة المواطنين خارج البلاد، وأفرجت في الـ3 من نيسان الماضي عن أكثر من 2000 سجين في أكبر عملية إفراج منذ عشر سنوات.
كما واصلت المكسيك وروسيا والصين وغيرها تقديم مساعدات إنسانية خففت من العزلة جزئياً.
يبدو أن توقيت هذا التصعيد يرتبط بمحاولة إدارة ترامب تحقيق اختراق سياسي سريع في نصف الكرة الغربي في ظل الاستنزاف في المواجهة مع إيران واقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، إضافة إلى اقتناع واشنطن شبه الواضح بأن النموذج الذي استُخدم ضد فنزويلا يمكن إعادة إنتاجه ضد كوبا، بعدما أثبت فاعليته في الجمع بين التهديد العسكري والحصار البحري والملاحقات القضائية.
وعليه، فإن كوبا اليوم لا تواجه مجرد جولة جديدة من الضغط، وإنما هندسة شاملة تستهدف تفكيك الجمهورية بأدوات تتجاوز العقوبات إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في الكاريبي ونصف الكرة الغربي بأسره.