توماس سانكارا: تشي غيفارا أفريقيا وأيقونة القارة

اغتيل توماس سانكارا الثوري المناهض للإمبريالية، لأنه سعى إلى قتل "البؤس المُستعبِد" الذي كرسته القوة الاستعمارية في بلاده وفي أفريقيا، ولأنه وضع أسس استقلال بلاده من قيود التبعية لفرنسا.

  • الزعيم الأفريقي طوماس سانكارا
    الزعيم الأفريقي توماس سانكارا

توماس سانكارا، زعيم أفريقي، معادٍ للإمبريالية، وُلد في كانون الأول/ديسمبر 1949، والتحق أولاً بالأكاديمية العسكرية في أنتسيرابي (مدغشقر)، ثم بالأكاديمية العسكرية في المغرب. ويعتبر سانكارا "أبو ثورة بوركينا فاسو" وأيقونة أفريقية. كان اشتراكياً مناهضاً للإمبريالية، ولقّبه البعض بتشي غيفارا أفريقيا.

تولى الكابتن سانكارا رئاسة "هوت فولطا" إثر انقلاب قاده سنة 1983، فقام بتغيير الاسم الذي أطلقه المستعمر الفرنسي على بلاده، ليصبح اسمها "بوركينا فاسو" الذي يعني "بلاد الرجال النزهاء". وظل في السلطة حتى 1987 حينما تم اغتياله.

يُجمع كل من عرف الرجل أنه كان يتميز بكاريزما كبيرة وبذكاء متميز، وكان واسع الأفق وخطيباً مفوهاً. تمتع سانكارا بشعبية كبيرة واعتبر بطلاً وطنياً حتى قبل وصوله لرئاسة بلاده، أولاً بسبب بلائه خلال النزاع الحدودي مع مالي في عام 1974، ثم بسبب استقالته في عام 1982 من منصبه كوزير دولة للإعلام في الحكومة العسكرية للعقيد ساي زيربو، احتجاجاً على القمع المبالغ فيه ضد الشعب البوركينابي.

إنجازاته السياسية والاقتصادية

مدعوماً بالحماس الشعبي، حقق نظام توماس سانكارا نجاحات تعتبر قياسية مقارنة بفترة حكمه التي لم تتعد أربع سنوات. إذ بدأ أثناء رئاسته للمجلس الوطني للثورة (CNR) انطلاقاً من 1984 بالقيام بإصلاحات واسعة تشمل العديد من المجالات: الإدارة، التجارة، التعليم، الزراعة، الإسكان، والعلاقات الخارجية. فعمد إلى محاربة الفساد، وخفّض رواتب المسؤولين الحكوميين، وباع السيارات الفاخرة الحكومية واستبدلها بسيارات بسيطة، وسعى إلى تحسين وضع المرأة والرفع من مكانتها. فحارب ختان الإناث وزواج القاصرات، وعرّف نساء في مناصب حكومية. كما حاول جعل بلاده مكتفية ذاتياً، فشجع الإنتاج المحلي بدل الاستيراد وأصلح القطاع الفلاحي، لأنه كما قال: "من يطعمك يسيطر عليك".

ويمكن القول إن سانكارا سعى من خلال الإصلاحات التي قام بها إلى وضع بوركينا فاسو على طريق الثورة الديمقراطية والشعبية، التي استهدفت نقل السلطة من أيدي البرجوازية إلى أيدي الشعب، وهو ما زاد من تأييد عموم الناس له.

سعى إلى تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي الحقيقي لبلاده، فرفض التبعية الاقتصادية للدول الاستعمارية الغربية وفي المقدمة فرنسا، وانتقد سانكارا بشدة الديون الخارجية المفروضة على الدول الأفريقية، واعتبرها شكلاً من أشكال الاستعمار الجديد وأداة لهيمنة الاستعمار على أفريقيا وفرض التبعية الاقتصادية. كما آمن بضرورة الوحدة الأفريقية لمواجهة القوى الاستعمارية المتربصة بثروات أفريقيا، وكثيراً ما ردد أمام القادة الأفارقة قولته: "إما أن ننجح معاً أو نهزم معاً".

اغتيال سانكارا

في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1987، اغتيل توماس سانكارا مع 12 من رفاقه على يد قوات "كوماندوس" في مقر "المجلس الوطني للثورة" بالعاصمة واغادوغو، إثر انقلاب قاده رفيقه السابق في السلاح بليز كومباوري.

دوافع الانقلاب عليه والإصرار على اغتياله

كانت الغاية من اغتيال توماس سانكارا هو تغييب رجل أزعج الاستعمار، ودفن مكاسب الثورة التي حققها، وإعادة بوركينا فاسو لتكون جزءاً من نظام فرانسا-أفريقيا (شبكة النفوذ الفرنسية غير الرسمية في أفريقيا بعد الاستعمار)، وهو ما تم بواسطة قائد الانقلاب، بليز كومباوري، الذي استغل عدة أسباب للقيام بانقلابه، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي:

الأسباب الداخلية: بالرغم من النجاحات التي حققتها سياسات سانكارا على أكثر من صعيد، إلا أن الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها وضعته في مواجهات مع القوى المتضررة منها ومع النقابات. وهي المواجهات التي اتسمت بالعنف الذي مارسته لجان الدفاع عن الثورة التي كانت تعمل تحت قيادة المجلس الوطني للثورة، وانتهى بها الأمر بالابتعاد عنه والانقلاب عليه. كما أثارت سياساته التقشفية الصارمة وتقشفه غضب بعض الضباط وكبار المسؤولين والنخبة السياسية التي كانت قد تعودت في السابق على الريع. وأدخلته سياساته الثورية ضد الفساد والنخب التقليدية في صراع مع زعماء القبائل وبعض رجال الأعمال.

الأسباب الخارجية: في خطابه الشهير أمام منظمة الوحدة الأفريقية سنة 1987، أعلن سانكارا تحديّه للنظام الاقتصادي العالمي حينما دعا الدول الأفريقية إلى رفض سداد ديونها، ما أقلق المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض وفي مقدمتها البنك الدولي، وأقلق الدول المهيمنة على هذه المؤسسات.

اغتيل توماس سانكارا الثوري المناهض للإمبريالية، لأنه سعى إلى قتل "البؤس المُستعبِد" الذي كرسته القوة الاستعمارية في بلاده وفي أفريقيا، ولأنه وضع أسس استقلال بلاده من قيود التبعية لفرنسا التي لم يكن يتوانى عن الهجوم على سياساتها في بوركينا فاسو وفي أفريقيا.

اغتيل سانكارا لأن القوى الاستعمارية بقيادة فرنسا رأت فيه خطراً على نفوذها ومصالحها في أفريقيا، عندما تجرأ على توثيق علاقة بلاده مع فيدل كاسترو في كوبا ومعمر القذافي في ليبيا، وساهم في تحسين علاقة بلاده بالاتحاد السوفياتي.

على الصعيد الإقليمي، يرى العديد من المراقبين أن سانكارا كان يزعج الحكام الأفارقة المنخرطين في ما كان يسمى آنذاك بــ"فرانس أفريك"، وعلى رأسهم، هوفيه بوانيي، رئيس ساحل العاج، من تأثير خطابه الثوري على شعوبهم، ومن احتمال أن تلهم أفكاره شعوبهم ما يشكل خطراً على أنظمتهم.

ما بعد الاغتيال: المحاكمة والتورط الفرنسي

بعد مرور 34 عاماً على اغتيال توماس سانكارا و12 من رفاقه، فُتح باب المحاكمة حول ملابسات اغتياله، حيث أظهرت التحقيقات أن الانقلاب لم يكن محلياً فقط، قاده بليز كومباوري ضد رفيقه في السلاح سانكارا، بل تورط فيه أيضاً فليكس هوفيه-بوانيي رئيس ساحل العاج وركيزة فرنسا-أفريقيا، كما اتهمت فيه فرنسا من خلال تورط بعض الفرنسيين بالاشتراك في المؤامرة على سانكارا.

وبحكم ارتباط بوركينا فاسو سياسياً بفرنسا في الفترة ما قبل وما بعد الانقلاب على سانكارا، فقد طالبت عائلته في عام 2017 الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته للعاصمة واغادوغو بالكشف عن الوثائق السرية الفرنسية المرتبطة باغتيال توماس سانكارا، وهو ما وافق عليه، حيث تعهد - حسب قوله - بتقديم "جميع الوثائق التي أصدرتها الإدارات الفرنسية خلال نظام سانكارا والمغطاة بسرية الدفاع الوطني". لكن واغادوغو لم تحصل سوى على أرشيف دبلوماسي عادي، إذ لم ترفع الإدارة الفرنسية السرية عن أي وثيقة أو أرشيف يتعلق بهذه القضية، وخصوصاً الصادرة عن مكاتب الرئيس فرانسوا ميتران أو رئيس الحكومة جاك شيراك خلال فترة "التعايش السياسي الأولى" التي عرفتها فرنسا بين سنة 1986 و1988.

رمز من رموز أفريقيا.. حاضر حتى اليوم

لقد كانت فترة حكم توماس سانكارا قصيرة، إلا أنها بصمت الذاكرة السياسية البوركينابية والأفريقية. فالانقلاب لم يمحُ ذكرى سانكارا، الذي أعيد الاعتبار إليه كبطل وطني وتحول عند الكثير من الأفارقة إلى رمز من رموز القارة السمراء، ولا يزال يُستشهد بخطبه وأفكاره حتى اليوم.

بعد قرابة أربعة عقود من رحيل غيفارا أفريقيا، أسست مالي والنيجر وبوركينا فاسو تحالف دول الساحل، الذي يعد أول تكتل يتحدى البنى الإمبريالية المتجذرة لـ"فرنسا-أفريقيا". وإذا استطاع هذا التحالف تحقيق سيادة حقيقية سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وتجاوز كل المعيقات  التي تواجهه من طرف قوى إقليمية ودولية، فسيكون هذا تجسيداً فعلياً لحلم سانكارا الذي سعى الاستعمار الجديد لإجهاضه.

اخترنا لك