تصعيد أميركي جديد على كوبا.. وهافانا تبني استعدادها لمواجهة طويلة

تكشف هذه الاستعدادات أنّ كوبا تخوض معركة بقاء لا معركة انتصار، إذ تدرك أنّ الحصار مصمَّم لإنتاج انهيار داخلي يغني عن أيّ تدخّل مباشر.

  • تصعيد أميركي جديد على كوبا.. وهافانا تبني استعدادها لمواجهة طويلة
    تصعيد أميركي جديد على كوبا.. وهافانا تبني استعدادها لمواجهة طويلة

واصلت واشنطن في مطلع حزيران/يونيو الجاري تشديد قبضتها على كوبا، فأصدرت في الرابع منه جولة عقوبات ثالثة خلال أقل من شهر، طالت هذه المرة الرئيس ميغيل دياز كانيل وزوجته ليس كويستا، وألخاندرو كاسترو نجل زعيم الثورة راؤول كاسترو وحفيده راؤول غييرمو كاسترو، إضافةً إلى وزارة القوات المسلحة الثورية. وتزامن ذلك مع حلول مهلة الخامس من حزيران/يونيو التي فرضتها وزارة الخزانة على الشركات الأجنبية لإنهاء أيّ تعامل مع مجموعة "غايسا" العسكرية التي تدير حصة واسعة من الاقتصاد. وكانت النتيجة المباشرة، مؤخّراً فحسب، هي انسحاب مجموعتي الفنادق الإسبانية "إيبيروستار" والكندية "بلو دايموند"، اللتين سلّمتا عشرات المنشآت إلى شركات محلية، في إفراغٍ متسارع لما تبقّى من حضور أجنبي على الجزيرة.

وبالتوازي مع هذا الخنق المالي، تصاعدت المؤشرات العسكرية إلى مستوى غير مسبوق. فقد رست حاملة الطائرات النووية "نيميتز" في ميناء كينغستون بجامايكا بين الأول والخامس من حزيران/يونيو، على بُعد لا يتجاوز تسعين ميلاً من السواحل الكوبية، فيما نُشرت منذ أواخر أيّار/مايو الوحدة البحرية الاستطلاعية الرابعة والعشرون بأكثر من ألف وثلاثمئة جندي ضمن عملية أُطلق عليها "الرمح الجنوبي"، إلى جانب أكثر من مئة وخمسين ساعة استطلاع جوي فوق الجزيرة. وهذا النمط، الذي يجمع الحصار الاقتصادي والملاحقة القضائية والحشد العسكري، يكرّر بدقة المسار الذي سبق اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ويوحي بأنّ واشنطن تسعى إلى استنساخ النتيجة ذاتها في الكاريبي.

وفي مواجهة ذلك، لم تنتظر هافانا لحظة العدوان لتبدأ التحضير، بل أعلنت عام 2026 "عام التحضير للدفاع"، وحوّلت يوم السبت إلى موعد أسبوعي ثابت للتدريب العسكري والسياسي تنخرط فيه ميليشيا قوات الإقليم التي يتجاوز قوامها المليون فرد، إلى جانب الاحتياط ومنظومات الدفاع المحلية. وتقوم العقيدة المعتمدة على مبدأ "حرب الشعب كلّه"، أي رفع تكلفة أيّ تدخّل إلى حدٍّ يجعله متعذّراً، وليس الدخول في موازنة تسليحية تقليدية تدرك كوبا اختلالها. ومن هذا المنطلق جرى تحصين شبكات الأنفاق ومراكز القيادة الأرضية لمواجهة الضربات الدقيقة، وأشرف الرئيس دياز كانيل بنفسه على مناورات قرب مداخل العاصمة، مؤكداً أنّ أفضل ردع هو جعل الاعتداء باهظ الثمن.

بيد أنّ الجبهة الأهم هي الطاقة، لأنها نقطة الاختناق التي تراهن عليها واشنطن. فكوبا التي لا تنتج سوى نحو 40% من حاجتها النفطية مضت في تحويل أزمة الوقود إلى مشروع استقلال طاقي طويل الأمد، عبر شراكة واسعة مع الصين لإقامة اثنتين وتسعين حديقة شمسية تستهدف ألفي ميغاواط بحلول عام 2028، وقد رُكّب منها ما سعته نحو ألف ميغاواط حتى الآن. وتضاعفت واردات الألواح الصينية أضعافاً خلال عام واحد، فيما لجأت البيوت والمنشآت الخاصة إلى تركيب ألواحها بنفسها لتعويض انقطاع الشبكة. والهدف رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 24% بحلول عام 2030، بما يقلّص ارتهان الشبكة لإمدادات يمكن قطعها بقرار خارجي. وهذه خطوة بطيئة الأثر بطبيعتها لا تُنهي الانقطاعات سريعاً، لكنها تنزع تدريجياً السلاح الأمضى من يد الحصار.

وعلى الصعيد المعيشي، تتحرّك هافانا لتقليص نقاط الانكشاف التي يستهدفها الحصار. فقد أطلقت في السابع عشر من أيّار/مايو الماضي حملة للسيادة الغذائية والإيكولوجيا الزراعية تستعيد بها إرث الإصلاح الزراعي، سعياً إلى خفض الاعتماد على استيراد الغذاء الذي يضربه شحّ الوقود والعملة الصعبة. وفي القطاع نفسه، سمحت للقطاع الخاص باستيراد الوقود للمرة الأولى منذ نحو سبعين عاماً، واستبدلت السعر الثابت بآخر متغيّر يواكب تكلفة الاستيراد، ولجأت إلى تقنين الكهرباء وتعديل ساعات العمل والدراسة لترشيد ما تبقّى من وقود. وهذه إجراءات تكيّف اضطرارية أكثر منها إصلاحاً بنيوياً، وهي تهدف إلى توزيع الأعباء وامتصاص الصدمة من دون المساس بشبكة الحماية الاجتماعية التي يصعب تعديلها في ظرف كهذا.

أما سياسياً، فقد ثبّتت القيادة الكوبية خيار رفض أيّ تنازل تحت الإكراه، ونقلت معركتها إلى المحافل الدولية، إذ وصف وزير الخارجية برونو رودريغيز أمام مجلس الأمن في السادس والعشرين من أيّار/مايو الماضي الحصار النفطي بأنه "عمل من أعمال الحرب" قد يفضي إلى كارثة إنسانية، ولا يتوقّف المسؤولون الكوبيون عن إصدار مثل هكذا تصريح على نحو يوميّ. وفي الداخل، نظّمت القيادة حشداً شعبياً واسعاً أمام السفارة الأميركية في الثاني والعشرين من أيّار/مايو رفضاً لملاحقة راؤول كاسترو. كما عمدت إلى نزع بعض الذرائع، فأفرجت عن أكثر من ألفي سجين وأصلحت قانون الهجرة بإلغاء قيد الإقامة في الخارج، في محاولة لتجفيف الملفات التي توظّفها واشنطن لتصوير الجزيرة بؤرة قمع وتهديد.

ويستند هذا الصمود إلى عمق خارجي يخفّف العزلة. فالصين أرسلت إلى الجزيرة شحنات أرز بلغت عشرات آلاف الأطنان، ومنحتها ثمانين مليون دولار وتسعاً وعشرين اتفاقية تعاون، وتتولى تجهيز المستشفيات بالأنظمة الشمسية. وأرسلت روسيا منذ بداية التصعيد ناقلة نفط حملت نحو مئة ألف طن رغم خطر العقوبات، فيما واصلت المكسيك وكندا وغيرها تقديم مساعدات إنسانية وغذائية إلى الجزيرة، فيما نظّمت مجموعة "الأممية التقدمية" قوافل تضامن كسرت رمزياً جدار الحصار. ويتقاطع ذلك مع غطاء دبلوماسي أوسع، من تصويت الجمعية العامة شبه الإجماعي ضد الحصار، إلى إدانات داخل مجموعتي "سيلاك" و"ألبا" اللاتينيتين، وإن بقيت هذه الأطر هشّة ومنقسمة بفعل انزياح أغلب حكومات المنطقة نحو واشنطن، وهو ما يجعل التضامن الشعبي عبر الحدود أكثر فاعلية من المنابر الرسمية.

تكشف هذه الاستعدادات أنّ كوبا تخوض معركة بقاء لا معركة انتصار، إذ تدرك أنّ الحصار مصمَّم لإنتاج انهيار داخلي يغني عن أيّ تدخّل مباشر. ولذلك تنصبّ جهودها على إطالة أمد الصمود وتحويل نقاط الضعف إلى مشاريع استقلال، في حين يبقى التحدّي الأعمق اقتصادياً وديموغرافياً، بعدما غادر أكثر من مليون مواطن خلال عامين وانكمش الاقتصاد إلى مستويات تضاهي بل تتخطّى في جوانب منها أسوأ مراحل التسعينيات. وعلى هذه الأرضية ستُحسم المواجهة كما يبدو، وليس في ساحة السلاح، إذ تراهن واشنطن على نفاد قدرة المجتمع على احتمال الضغوط المستمرة والمتزايدة، بينما تعوّل هافانا على أنّ صمود المجتمع سيتجاوز قدرة الحصار على كسره وتضع سيادتها ونظامها السياسي خارج دائرة أيّ تفاوض.

اقرأ أيضاً: الرئيس الكوبي يكشف ثلاثة سيناريوهات تدرسها واشنطن ضد كوبا.. ما هي؟

اخترنا لك