بين وقف النار وغياب الحسم: كيف يحاول محور نتنياهو الاستماتة في صناعة نصر لم يتحقّق؟
هذا التناقض يتجلّى بشكل أوضح في العجز شبه الجماعي لدى المتحدثين عن الإجابة المباشرة على سؤال بسيط: هل ما جرى يُعدّ انتصارًا؟
-
رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو (أرشيف)
تُظهر متابعة الخطاب الإسرائيلي في الأيام الأخيرة، من وزير الحرب مرورًا بأعضاء الكابينت مثل أرييه درعي، وصولًا إلى وزراء وأعضاء كنيست في حزب الليكود ومحللي القناة اليمينية 14 معروفة التوجّه، حالة من الاستماتة الواضحة في إدارة صورة الإنجاز في مرحلة وقف إطلاق النار.
فالتوازي بين الحديث عن إنجازات غير مسبوقة وبين التأكيد المتكرر على أن وقف إطلاق النار مؤقت وأن إسرائيل مستعدة للعودة إلى القتال في أي لحظة، كما عبّرت عنه عضو الكابينت غيلا غمليئيل، يكشف عن محاولة مزدوجة: من جهة تخفيف الضغط الداخلي الناتج عن غياب نصر واضح، ومن جهة إبقاء باب التصعيد مفتوحًا كتعويض عن هذا الغياب.
هذا التناقض يتجلّى بشكل أوضح في العجز شبه الجماعي لدى المتحدثين عن الإجابة المباشرة على سؤال بسيط: هل ما جرى يُعدّ انتصارًا؟
فبدل تقديم تعريف واضح للنصر، يجري الالتفاف نحو تعداد الإنجازات الجزئية، مثل ضرب القيادة الإيرانية، إلحاق أضرار اقتصادية، أو إضعاف القدرات، وهي كلها عناصر تُستخدم لتبرير استمرار الحرب لا لإنهائها. حتى نتنياهو نفسه، في توجيهاته للجيش حول تظهير الإنجازات، لا يتحدث عن تحقيق الأهداف بقدر ما يركّز على ضرورة إقناع الجمهور بوجود إنجاز، ما يعكس إدراكًا داخليًا للفجوة بين الواقع الميداني والسرديّة المطلوبة.
وعند ربط التصريحات ذات الصلة بواقع مجريات الأمور، تتضح حدود هذا الإنجاز. فملف اليورانيوم، الذي يشكّل جوهر الهدف الاستراتيجي للحرب، لا يزال غير محسوم، بل تعترف القيادات نفسها بأنه سيُعالج لاحقًا إما بالحرب أو بالاتفاق، ما يعني عملياً أنه لم يُحل.
كذلك، فإن تقديرات المؤسّسة الأمنيّة حول مخزون الصواريخ، سواء الباليستية أو غيرها، تشير إلى قدرة على التعافي وإعادة الإنتاج خلال فترة زمنية غير طويلة، وهو ما يتناقض مع فكرة إزالة التهديد.
أما مسألة إسقاط النظام، التي جرى التلويح بها ضمنيًا وعلنيًّا في الخطاب السياسي، فقد تحوّلت إلى هدف مؤجّل أو افتراضي بل وتم إبتلاعها في أفواه من تحدّث بها، مع الاعتراف الضمني بعدم تحقّق أي تغيير فعلي في بنية الحكم داخل إيران بل قيل أنه ازداد تطرّفًا على حد تعبيراتهم.
هذا النمط من الخطاب يتقاطع أيضًا مع ما رُصد في الساحات الأخرى، وخصوصًا الجبهة الشماليّة، حيث أظهرت بيانات الإصابات في المستشفيات نمطًا ثابتًا من الاستنزاف، دون الانتقال إلى مرحلة الحسم. فاستمرار الاشتباكات، يعكس أن القدرة على فرض تغيير جذري في ميزان الميدان ما زالت محدودة. وهو ما يعيد إنتاج الفجوة نفسها: كثافة في الفعل العسكري، مقابل محدودية في النتائج الاستراتيجيّة.
في هذا السياق، يصبح وقف إطلاق النار أداة لإدارة الوقت أكثر منه تتويجا للنصر. فهو يتيح إعادة ترتيب الصفوف، وتخفيف الضغط الداخلي، ومحاولة إعادة صياغة السرديّة أمام الجمهور، خصوصًا مع تزايد المؤشّرات على استمرار نزف الجبهة الداخليّة، واستمرارها في حالة من عدم الاستقرار. وفي الوقت نفسه، يُستخدم التهديد بالعودة إلى القتال كوسيلة لتعويض هذا الفراغ، وكأن النصر مؤجّل إلى جولة لاحقة.
بذلك، لا يبدو أنّ الخطاب الإسرائيلي الحالي يعكس ثقة بإنجاز مكتمل، بل محاولة مستمرة لإنتاجه إعلاميًا. فكلما غاب الجواب المباشر على سؤال "هل انتصرنا؟"، وكلّما تمّ استبداله بسرديّات جزئيّة أو مشروطة، دلّ ذلك على أنّ ما تحقّق حتى الآن يقع في منطقة رماديّة بين الإنجاز والتعثّر وفشل في تحقيق الأهداف. وهذه المنطقة هي التي تفسّر الإصرار على إبقاء الحرب مفتوحة زمنيًا وسياسيًا في الخطاب الإسرائيلي الرسمي، لأن الحسم الفعلي لم يتحقّق بعد، ولأن تحويل ما جرى إلى نصر يتطلب أكثر من مجرد تكرار القول بوجوده.