"إسرائيل" تدفع أثمان المستنقع الشمالي من جديد: حرب بلا حسم

تتواصل حالة الاستنزاف والنزف اليومي المستمر لـ"الجيش" الإسرائيلي في جنوب لبنان، والتي تلخصت الثلاثاء بمقتل قائد سرية وإصابة جنود آخرين في القوزح والمنارة، مما يعمق المأزق العسكري والنفسي لـ "إسرائيل" العالقة في مستنقع لبناني متجدد في وقت تتأهب فيه جبهتها لمواجهة محتملة مع إيران.

  • معاريف الإسرائيلية: الجيش الإسرائيلي يتآكل ويخسر من مستوى جهوزيته على الجبهة الشمالية
    "إسرائيل" تدفع أثمان المستنقع الشمالي من جديد (أرشيف)

في يومٍ واحد، بدا الواقع شمال فلسطين المحتلة كأنّه يختصر المعادلة التي تحاول "إسرائيل" الهروب من تسميتها: لا وقف نار فعلياً، ولا حسم واضح، بل نزف يومي داخل مستنقع لبناني يتجدّد بأدوات مختلفة.

فخلال أمس الثلاثاء 19-05-2026، سُجّل مقتل ضابط برتبة رائد، قائد سريّة في كتيبة المظليين الاحتياط 7008، في اشتباك ببلدة القوزح قرب الحدود، إلى جانب إصابة مجموعة من الجنود كما جاء في التقارير الإسرائيليّة، فيما أُصيب إسرائيليّان آخران، أحدهما بجراح خطرة، جرّاء مسيّرة أصابت آليّة في مستوطنة المنارة.

وفي الخلفيّة الداخليّة للحرب، سُجّل أيضاً انتحار ضابط صف في قاعدة وزارة الأمن في الكرياه بـ"تل أبيب"، بما يعكس واقع البنية النفسيّة والعسكريّة لحالة الحرب الطويلة.

تأتي هذه الوقائع في يوم كان فيه المشهد الإسرائيلي موزعاً بين ساحتين: الإيرانية واللبنانية.

وفي الوقت الذي تحدثت فيه التقارير الإسرائيليّة عن تصاعد الجهوزيّة تجاه إيران، وعن اكتمال الاستعداد الأميركي الإسرائيلي، وعن تقديرات بأن الهجوم ليس مسألة هل سيحدث بل متى، كان الجنوب اللبناني يسحب الثمن من "الجيش" الإسرائيلي ميدانياً: اشتباكات، مسيّرات، إصابات، ومقتل ضابط من وحدة نخبويّة.

وهذا التداخل بين الحرب الكبرى المنتظرة مع إيران والنزف الجاري في لبنان يكشف مأزق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: العين على طهران، لكن الدم يستنزف عند الحدود الشماليّة.

وفق خلاصة الخسائر، بلغ مجموع الإصابات المعلن عنها خلال يوم الثلاثاء 12 إصابة، ليرتفع مجموع الإصابات الإسرائيليّة منذ وقف إطلاق النار مع إيران إلى 882، فيما بلغ مجموع الإصابات في مستشفيات الشمال منذ بداية الحرب 2953، ومجموع الإصابات المعترف بها بين جنود وضباط "الجيش" 1043، أما مجموع الإصابات الإسرائيليّة منذ بداية الحرب فبلغ 8783.

هذه الأرقام لا تبدو مجرد عدّاد طبّي أو عسكري، بل مؤشّر على أن "إسرائيل" تدفع ثمن حرب ممتدّة بلا إقفال سياسي أو ميداني أو تحقيق للأهداف التي من أجلها خرجت. فكلّ يوم جديد يضيف رقماً إلى الخسائر، ويزيد الضغط على الجبهة الداخليّة، ويعمّق الشعور بأن وقف إطلاق النار في الشمال ليس سوى تسمية سياسيّة لواقع عمليّاتي مفتوح مغاير لمرحلة الربح الصافي لما قبل ما يسمى بـ"زئير الأسد".

الأهم أنّ الخسائر الإسرائيلية تأتي في سياق إسرائيلي داخلي مشحون بالانتقادات. فقد عبّرت أصوات من الشمال ومن داخل النقاش الإسرائيلي عن شعور متزايد بأنّ" الجيش" عاد إلى ما يشبه تجربة "الحزام الأمني": وجود داخل لبنان، تهديد دائم، أهداف غير مكتملة، وقوات تتحرك تحت قيود سياسية وعسكرية.

وبرز في التقارير الإسرائيلية توصيفات تتحدّث عن "مستنقع" وعن جنود يجلسون داخل "الحزام الأمني" ويتعرضون للمسيّرات المفخخة، فيما يزداد الإحساس بأنّ حزب الله، رغم الهجمات التي تلقاها، لا يزال قادراً على فرض وتيرة استنزاف وإبقاء الشمال في فلسطين المحتلة في حالة حرب مفتوحة.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل الخسائر الإسرائيلية (آخرها مقتل قائد سريّة الثلاثاء) عن الصورة الأوسع: "إسرائيل" تحاول تثبيت معادلة تقول إنّها تهاجم في لبنان وتستعد لإيران و"تدير غزة"، لكن الوقائع اليوميّة تقول إن تعدّد الساحات يتحوّل إلى تعدّد في مصادر النزف.

وفي جنوب لبنان تحديداً، يبدو أنّ ثمن البقاء في الأرض اللبنانيّة يعود إلى الواجهة: كل موقع يحتاج حماية، كل حركة معرّضة للمراقبة والاستهداف، وكل مسيّرة صغيرة قد تتحوّل إلى حدث قاتل أو إلى مادة دعائيّة تلاحق المؤسّسة العسكريّة والرأي العام.

عدّاد الإصابات بين الضباط والجنود الإسرائيليين يسجّل عودة السؤال القديم بصيغة جديدة: ماذا تفعل "إسرائيل" في لبنان؟ فإذا كانت لا تريد حرباً شاملة، ولا تستطيع إنهاء تهديد المسيّرات، ولا تملك مساراً سياسياً قادراً على نزع سلاح حزب الله حتى الآن، فإنّها تصبح عالقة في منطقة وسطى هي الأخطر: لا انسحاب واضح، ولا حسم كامل، ولا أمن للمستوطنات، ولا طمأنينة للجنود.

وفي هذه المنطقة تحديداً، يولد المستنقع من جديد، لا كعنوان إعلامي، بل كحقيقة يوميّة تُقاس بالقتلى والإصابات والإنهاك النفسي والسياسي داخل "إسرائيل".

اخترنا لك