بوركينا فاسو وفكرة "التاريخ المشترك".. هل هي انعطافة نحو "إسرائيل"؟
محللون يعتبرون خطاب الرئيس إبراهيم تراوري "انعطافة" في مواقف الرئيس تجاه "إسرائيل"، التي تسعى إلى التغلغل الناعم في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل مستخدمة فكرة "التاريخ المشترك" التي طرحها تيودور هرتزل.
-
بوركينا فاسو.. هل هي انعطافة نحو الكيان الصهيوني؟
يوم الخميس 16 تموز/يوليو 2026، ألقى رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري خطاباً ارتجالياً بالفرنسية، حمل في طياته رسائل متعددة. وجاء في الخطاب:
"كانوا يحاولون إبادتنا منذ أزمنة بعيدة، أتدركون ذلك؟ جاء الناس أوّلاً عبر الفتوحات العربية الإسلامية، أي أكثر من ألف عام من العبودية في أفريقيا [...] تحمّلنا أكثر من ألف عام من العبودية مع العرب، وأُغلق آخر سوق للرقيق في المدينة المنورة عام 1962. [...] وكانوا يخصون الرجال ليمنعوا الإنجاب. [...] ثم جاء الغربيون لمدة 400 عام، رحّلونا للعمل لديهم، وقتلونا بكل الوسائل. [...] لقد صدمونا بشدة، وجعلونا أكثر همجية، حتى صرنا نحبهم أكثر من أنفسنا. هذه هي متلازمة ستوكهولم التي أتحدث عنها. هذه هي المشكلة."
كما أثار الرئيس في خطابه قضية التطرّف الديني تحت العنوان الإسلامي، وطالب بعودة جميع الطلاب البوركينابيين المسجلين في تخصصات الشريعة الإسلامية في الجامعات العربية إلى البلاد، مرفقاً دعوته بتهديد صريح بفقدان الجنسية لمن يرفض العودة.
الدوافع المحتملة للخطاب
ثمة ثلاثة دوافع قد تكون وراء محتوى هذا الخطاب:
- المعاناة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها بوركينا فاسو حالياً
- الحرب التي تشنّها الجماعات المسلحة المتبنية للإسلام الراديكالي
- تطوّر العلاقات بين بوركينا فاسو و"إسرائيل"
1. الإرهاب والعنف الطائفي والإثني:
يواجه تراوري، منذ وصوله إلى السلطة في أيلول/سبتمبر 2022، مشكلات أمنية متشابكة، ويُعدّ الإرهاب والتطرّف أبرزها، إذ تشهد البلاد منذ عام 2015 تصاعداً في الهجمات التي تنفذها جماعات متطرفة مثل تنظيم القاعدة وجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، خصوصاً في شمال البلاد وشرقها. كما تتكرر محاولات الانقلاب داخل المؤسسة العسكرية، ما يعكس هشاشة التوازنات القائمة.
وتستغل الجماعات المتطرفة الفساد المستشري في الأجهزة الحكومية، والفقر المدقع، والبطالة، لتجنيد الأفراد. وتتسبب هجماتها التي تستهدف المدنيين والقوات الأمنية والبنية التحتية في نزوح الآلاف من السكان وتدمير الاقتصاد المحلي.
كما تعاني بوركينا فاسو من تصاعد النزاعات بين المزارعين والرعاة حول الأراضي والموارد المائية، إضافة إلى الصراعات بين مختلف المجموعات العرقية المتنافسة على النفوذ والسيطرة على المناطق.
2. المعاناة الاقتصادية والإجتماعية:
رغم محاولات الإصلاح الاقتصادي التي قامت بها السلطات، تظل بوركينا فاسو واحدة من أفقر دول العالم، حيث يعيش جزء كبير من سكانها تحت خط الفقر. ويعاني شبابها، الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان، من البطالة، ما يؤدي إلى الإحباط ويسهم في زيادة الهجرة غير النظامية والانضمام إلى الجماعات المسلحة.
يفتقر الاقتصاد البوركينابي إلى التنوّع، ويعتمد بشكل كبير على التجارة والزراعة وصادرات القطن والذهب، ما يجعله عرضة لتقلبات أسعار هذه السلع في الأسواق العالمية، ويؤثر سلباً على إيرادات الدولة ويزيد من هشاشة الاقتصاد. ويساهم تدهور الوضع الأمني في إضعاف النشاط الاقتصادي بشكل كبير.
كما أن ضعف البنية التحتية الأساسية كالطرق والكهرباء والمياه، يعيق النمو الاقتصادي المنشود. أما المدارس والمرافق الصحية التي غالباً ما تكون أهدافاً للهجمات الإرهابية، فمصيرها الإغلاق أو التدمير، ما يفاقم معاناة السكان ويعوق التنمية البشرية.
ويعتبر الفساد المتفشي وغياب الشفافية من العوائق الرئيسية أمام التنمية الاقتصادية، إذ يؤثران على ثقة المستثمرين ويحدّان من قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية.
3. تطوّر العلاقات بين بوركينا فاسو و"إسرائيل":
في حزيران/يونيو 2026، قدّم السفير الإسرائيلي الجديد لدى بوركينا فاسو، سيمون سروسي، أوراق اعتماده للسلطات في العاصمة واغادوغو. ويبدو أن "إسرائيل" تسعى إلى التغلغل الناعم في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، مستخدمة فكرة "التاريخ المشترك" التي طرحها تيودور هرتزل وتبناها اليوم قادة "إسرائيل" ونخبها.
يقول هرتزل في هذا الشأن "بالنظر إلى تاريخ كل من اليهود في الشتات والسود في أفريقيا، يمكن رصد عدد من الخبرات المشتركة، خاصة في ما يتعلق بالعنف الذي لاقاه الاثنان على مر تاريخهما... وسط اليأس الذي تعاني منه الشعوب الأفريقية، والذي لم يُحلّ حتى الآن، ولا يمكن فهم مأساته بالكامل إلا من قبل يهودي".
لكن عن أي تاريخ مشترك يتحدثون؟ فالشريعة اليهودية بمختلف تأويلاتها تُبيح اتخاذ العبيد من الأمم الأخرى وتوريثهم، ولا يجد المؤرخون اليهود غضاضة في الاعتراف بالدور اليهودي في تجارة الرقيق، معتبرين إياها تجارة عظيمة الربح والفائدة لليهود الذين ساهموا فيها بشكل كبير.
يؤكد المؤرخ اليهودي جاكوب ماركوس هذا الدور بقوله: "إن التجارة في العصور الوسطى والمظلمة في أوروبا كانت بيد اليهود، وخاصة تجارة الرقيق"، ويضيف: "من بداية القرن الثامن عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر، كان اليهود في شمال أميركا يمتلكون خدماً من السود، وفي الجنوب كانت كل المزارع التي يمتلكها اليهود تعج بالعمالة السوداء..."
كما كان بعض أعضاء الجماعات اليهودية من كبار تجار العبيد، إذ كانوا يشحنون السفن بالعبيد الذين يُباعون في المزارع الأميركية وجزر الكاريبي. ومن أسماء هؤلاء التجار: مانويل ألفاريس كوريا، وآرون لوبيز، وجيكوب رودريغيز، وإيزاك دا كوستا، وديفيد فرانكس، وديفيد هنريك، وهيمان ليفي، وألكسندر ليندو، وجيكوب لفين (رئيس الجماعة اليهودية في ساوث كارولينا)، وإسرائيل جونز (رئيس الجماعة في موبيل، ألاباما).
وجاء في كتاب "تاريخ اليهودي من السبي البابلي إلى نهاية الحرب العالمية الثانية" الذي نشرته جمعية النشر اليهودي في أميركا: "كان اليهود من أهم تجار العبيد في المجتمع الأوروبي".
وللأسف الشديد، وفي ظل صمت بل غياب المثقفين والمؤرخين العرب والمسلمين، أصبح التجني على تاريخ الوجود الإسلامي في غرب أفريقيا عملة متداولة في خطابات بعض النخب الأفريقية القريبة من "إسرائيل"، أو الواقعة تحت تأثير البروباغاندا الإسرائيلية أو الجهات المطبعة.
بموازاة الهجوم على الدور العربي والإسلامي في أفريقيا، هناك محاولات لإلغاء الذاكرة الأفريقية، خاصة ما يتعلق بالإمبراطوريات الإسلامية العظيمة التي قامت في غرب أفريقيا، مثل: إمبراطورية الفولاني (خلافة صكتو في شمال نيجيريا) التي أسسها عثمان دان فوديو، وإمبراطورية التوكولور التي شملت مساحات واسعة من السنغال ومالي وغينيا بقيادة الحاج عمر الفوتي، وإمبراطورية القائد السوداني رابح فضل الله التي امتدت من بحيرة تشاد إلى مناطق في الكاميرون ونيجيريا وأفريقيا الوسطى، وإمبراطورية واسولو التي شيّدها الحاج ساموري توري في عمق سيراليون وكوت ديفوار وغينيا ومالي، ولا ننسى أعظمها وأغناها: إمبراطورية مانسا موسى الذي جعل من تمبكتو في مالي واحدة من أعظم مدن العالم في القرن الرابع عشر.
هل اتهام العرب والمسلمين باتخاذ عبيد من الأفارقة مجرد افتراء؟
لا يمكن التغاضي عن الممارسات المشينة التي امتدت من القرن الثامن حتى القرن العشرين، والتي مورست بحق الأفارقة من قبل بعض المنتسبين للإسلام من عرب وأمازيغ وطوارق وحتى أفارقة تجار عبيد.
الاعتراف بالخطأ فضيلة، ومن أوجب الواجبات أن يبادر العرب والمسلمون اليوم إلى ما يتردد الغرب في فعله. وفي هذا الصدد، لا بد من تسجيل شجاعة الرئيس الليبي معمر القذافي الذي تحدث في القمة العربية- الأفريقية معتذراً عن تاريخ بعض العرب في تجارة العبيد، قائلاً: "إن أكثر ما يستحق الإدانة هو تصرفات بعض أثرياء العرب، وأدين وأعتذر باسم العرب عن سلوكهم تجاه إخوانهم الأفارقة... لقد اعتبر الأثرياء العرب إخوانهم الأفارقة كعبيد وكبشر دونهم... إن تصرفات هؤلاء تجاه الأفارقة كانت مخجلة، ونحن نخجل من هذه الممارسات."
لكن الاعتذار وحده لا يكفي، إذ لا بد أن يكون مقروناً بمساهمة عربية وإسلامية فعالة في البرامج التنموية للدول الأفريقية عموماً، والإسلامية منها خصوصاً، للنهوض باقتصاداتها ودعم مشاريعها التنموية، باعتبار أن أفريقيا قارة الإسلام وتشكل العمق الاستراتيجي للدول العربية.
إبراهيم تراوري والموقف من الإسلام
تحدث الرئيس تراوري أيضاً عن انتشار الأفكار المتطرفة في بوركينا فاسو، والتي يحملها شباب بوركيني يتلقون تعليمهم في عدد من الدول العربية، حيث يدرسون الشريعة والقوانين الإسلامية والفقه، ويطالبون عند عودتهم بـ"تطبيق الشريعة". وأعرب عن أمله في أن تتوزع المنح الدراسية التي تمنحها الدول العربية بين التعليم الديني والتخصصات العلمية والتكنولوجية، ما يقلل من فرص استقطاب الشباب من قبل الجماعات المتطرفة، ويتيح لهؤلاء الشباب المساهمة في تنمية مجتمعاتهم بعد العودة.
وندد تراوري بـ"التطرف الديني" – في إشارة إلى التيار السلفي – معتبراً إياه بمنزلة حصان طروادة للقوى الأجنبية، وداعياً إلى "إسلام معتدل". غير أن أنصار التيار السلفي يرفضون هذه الاتهامات، مؤكدين أنهم تحالفوا معه في مواجهة خصومه، وأن الإجراءات التي اتخذها، بدءاً بالتضييق على المساجد والدعاة كإغلاق جامع أهل السنة الكبير في واغادوغو، ومروراً باعتقال شخصيات مؤثرة مثل الشيخ محمد إسحاق كيندو، غير مبررة، لأن هذا الإمام يرفض الخروج على ولي الأمر المسلم، وهو بعيد كل البعد عن الإرهاب أو الدعوة إلى العنف.
الرد الموريتاني على خطاب الرئيس البوركينابي
أدركت موريتانيا، البلد المجاور لبوركينا فاسو، خطورة ما ورد في خطاب الرئيس تراوري على استقرارها الداخلي، كونها كانت آخر دولة في العالم ألغت الرق رسمياً (عام 1981). لذلك لم يتردد أئمتها وعلماؤها في الرد، حيث قال أحد كبار الأئمة: "إن تصريحات تراوري تأتي ضمن محاولة لتحويل الانتباه عن التحديات الداخلية التي تواجهها بلده"، محذراً من أن الشعب البوركيني، الذي يشكل المسلمون غالبية فيه، لن يقبل بما يعتبره إهانة للإسلام، وداعياً الرئيس إلى التمييز بين التاريخ العربي والإسلامي من جهة، والصراعات العرقية والسياسية المعاصرة داخل بوركينا فاسو من جهة أخرى.
كما وصف الأمين العام لمنتدى علماء موريتانيا وأفريقيا، الشيخ ولد الزين ولد الإمام، تصريحات الرئيس البوركينابي بأنها "تحريفات خطيرة" تحمل مغالطات تاريخية كبيرة، تتمثل في "خلطه بين الإسلام وتصرفات بعض المسلمين؛ فالإسلام لم يشرع استعباد الناس بسبب أعراقهم أو ألوانهم، بل جاء في مجتمع عالمي يعرف الرق، ووضع تشريعات واسعة لتضييقه وتشجيع تحرير العبيد، وجعل التقوى وحدها معيار التفاضل بين البشر".
خاتمة
هل العرب على وشك فقدان دولة جديدة لصالح كيان يحاول الالتفاف على عزلته الدولية، ولم يجد خاصرة رخوة غير الدول الإسلامية في أفريقيا، ومن بينها بوركينا فاسو؟ وهل التحامل على التاريخ العربي-الإسلامي في أفريقيا، وتصوير العرب والمسلمين كمجرمين ووسمهم بالعنصرية، أصبح جواز مرور لتسهيل اختراق الكيان الإسرائيلي؟
يرى كثير من المحللين أن خطاب الرئيس إبراهيم تراوري في 16 تموز/يوليو 2026، والذي تزامن مع ربط العلاقات الدبلوماسية بين "إسرائيل" وبوركينا فاسو، يمثل انعطافة في مواقف الرئيس تجاه "إسرائيل"، التي تتقن ممارسة الدبلوماسية الناعمة والتسلل عبر اتفاقيات تنموية، طمعاً في أن تلعب اللوبيات في أميركا دوراً في تحفيز إدارة ترامب على مساعدة سلطات بوركينا فاسو في حربها ضد الإرهاب، التي تتهم فيها دول الساحل فرنسا بتوظيفه لخدمة أهدافها الاستراتيجية.