انتخابات البرازيل إلى جولة ثانية: بولسونارو الابن يتصدّر واليمين يوسّع نفوذه
الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في البرازيل تكشف أن ما يحدث ليس سباقاً بين مرشحين فحسب، وإنما استقطابٌ بين معسكرين متعارضين.
-
المرشحان المتنافسان في الانتخابات البرازيلية، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفلافيو بولسونارو
تقدّم مرشّح "الحزب الليبرالي" السيناتور فلافيو بولسونارو – نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو الذي يقضي في منزله حكماً بالسجن 27 عاماً بعد إدانته بمحاولة الانقلاب – في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأحد الماضي، بحصوله على 47.03% من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16% للرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. ويبلغ الفارق نحو 2.2 مليون صوت، وهو الأضيق في جولة أولى منذ عام 1989، فيما حلّ ثالثاً الكاتب أوغوستو كوري بـ2.89%، في أدنى نسبة لهذا المركز منذ ذلك العام. وامتنع عن التصويت نحو 33.5 مليون ناخب، أي 21.08% من المسجّلين، في أعلى نسبة منذ عام 1998، على أن تُجرى الإعادة في الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
وقد جاءت النتيجة خلافاً لاستطلاعات الأيام الأخيرة التي وضعت لولا في الصدارة، إذ قدّرت مؤسسة "باور داتا" حصّة لولا بـ45% فأصابت تقريباً، لكنها أعطت بولسونارو الابن 43% بينما نال 47%، وهو ما عزاه مدير مؤسسة "كوايست" فيليبي نونيس إلى حسابات انتخابية تجلّت في انتقال أصوات ناخبي المرشّحين الأقل حظاً إلى بولسونارو الابن في الأسابيع الأخيرة بعدما تبيّن لهم ضعف فرص مرشّحيهم. وخسر لولا نحو 3.4 ملايين صوت مقارنةً بجولته الأولى في عام 2022، منها 1.8 مليون في الجنوب الشرقي، في حين حصد بولسونارو الابن خمسة ملايين صوت أكثر مما ناله والده في ذلك العام، منها 1.6 مليون في الشمال الشرقي، وتقدّم في ولاية ساو باولو وحدها بنحو 3.4 ملايين صوت.
وكان صعود اليمين أوضح في الكونغرس، إذ رفع الحزب "الليبرالي" كتلته في مجلس النواب من 99 إلى 121 مقعداً، وفي مجلس الشيوخ إلى 28 مقعداً، وهما أكبر كتلتين لحزب واحد منذ الجمعية التأسيسية لعام 1988، في حين ارتفعت كتلة الاتحاد الذي يقوده حزب "العمال" من 80 إلى 88 نائباً. ووفق موقع "ذي إنترسبت"، يجمع الحزب "الليبرالي" مع أحزاب "التقدميين" و"الجمهوريين" و"نوفو" 43 مقعداً من أصل 81 في مجلس الشيوخ، وهو ما يكفي لانتخاب رئيس المجلس المخوَّل بالنظر في 109 طلبات معلّقة لعزل قضاة في "المحكمة العليا الاتحادية"، لكنه يقلّ بأحد عشر مقعداً عن أغلبية الثلثين اللازمين لعزل أي قاضٍ فعلاً. ومن الفائزين بعضويته ميشيل وكارلوس بولسونارو، زوجة الرئيس السابق ونجله، والنائب غوستافو غاير الذي دعا إلى "تنظيف" المحكمة العليا.
وحُسم منصب الحاكم في عشرين ولاية من الجولة الأولى. وأُعيد انتخاب تارسيزيو دي فريتاس حاكماً لولاية ساو باولو بنسبة 62.65% أمام فرناندو حداد، مرشّح حزب "العمال". وانتُخب سيرجيو مورو حاكماً لولاية بارانا، وهو القاضي الذي سجن لولا في عملية "لافا جاتو" قبل أن تُبطل المحكمة العليا أحكامه وتُقرّ بانحيازه. وفاز ديلتان دالانيول، أحد مدّعي "لافا جاتو"، بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية بارانا، بعدما رفض قاضٍ في "المحكمة العليا للانتخابات" ترشيحه، ثم علّق رئيسها كاسيو نونيس ماركيس هذا القرار بانتظار حسم الهيئة العامة للمحكمة. وفي ولاية ريو دي جانيرو، ألغت "المحكمة العليا للانتخابات" نفسها أمس الخميس أصوات مرشّح غير مؤهّل، ما يرفع حصّة مرشّح الحزب "الليبرالي" دوغلاس رواس فوق 50% على حساب إدواردو باييس حليف لولا، الذي أعلن الطعن. وقد احتفظ حزب "العمال" بولايات باهيا وسيارا وبياوي.
وضمن معركة الإعادة، أعلن الرئيس الأسبق ميشال تامر، الذي تولّى الحكم بعد إطاحة ديلما روسيف في عام 2016، تأييد بولسونارو الابن، وكذلك المرشّحان الخاسران رونالدو كايادو وروميو زيما، وحزبا "الاتحاد البرازيلي" و"التقدميين" المتحالفان، وحزب "الجمهوريين" المرتبط بالكنيسة الإنجيلية، ثم حزب "بوديموس" أمس الخميس. في حين رفع حاكم ساو باولو تارسيزيو دي فريتاس في لقاء جمع بولسونارو الابن بحكّام منتخبين في اليوم ذاته شعار "الله، الوطن، العائلة والحرية"، المستمدّ من شعار حركة "العمل التكاملي" الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي. وقال بولسونارو الابن في السادس من الشهر الجاري إن البرازيل منحته كونغرس أكثر يمينية بكثير مما هو عليه اليوم "لكي نغيّر الدستور، ولكي نعيد الديمقراطية إلى هذا البلد".
يخوض بولسونارو الابن الإعادة بينما يخضع لتحقيق فتحه قاضي "المحكمة العليا الاتحادية" أندريه ميندونسا (المعيَّن من جانب والده) في الثاني والعشرين من تموز/يوليو الماضي بطلب من الشرطة الاتحادية، بشبهات غسل الأموال والفساد وتهريب العملة، وعلى خلفية تمويل المصرفي دانيال فوركارو (صاحب بنك "ماستر") فيلماً عن سيرة جايير بولسونارو. وتفيد وثائق ورسائل كشفها موقع "ذي إنترسبت" بأن بولسونارو الابن طلب ما يصل إلى 134 مليون ريال، حُوّل منها 61 مليوناً على الأقل عبر قنوات بينها صندوق في ولاية تكساس الأميركية يتولى شؤونه القانونية محامي شقيقه إدواردو. ويقرّ بولسونارو الابن بطلب "رعاية خاصة لفيلم خاص" لكنه ينفي تقديم أيّ مقابل.
وفي المقابل، لم ينضمّ إلى لولا أيّ حزب وطني جديد حتى الآن، ووسّع النواة القيادية لحملته بإشراك الحزب "الاشتراكي البرازيلي" ووجوه من الشمال الشرقي، وجعل أولويته استمالة الممتنعين، وطرح برنامجاً يرتكز على التعليم والبحث العلمي والصناعة والمعادن النادرة والاكتشافات النفطية الجديدة، وتقرّر أن يشارك في مناظرات الإعادة بعدما امتنع عن مناظرات الجولة الأولى. وأظهر أول استطلاع بعد الاقتراع، أجرته مؤسسة "باور داتا" هاتفياً بين الخامس والسابع من الشهر الجاري، تقدّم بولسونارو الابن بـ53% من الأصوات الصحيحة مقابل 47% للولا، الذي حافظ على تفوّقه بين النساء والشباب وأصحاب الدخل الأدنى وفي الشمال الشرقي، فيما تصدّر خصمه بين الرجال وأصحاب الدخل المتوسط والمرتفع وفي الجنوب.
وقد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب النتيجة بأنها "انتصار كبير... مذهل في الواقع"، فيما نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤول في البيت الأبيض أن الإدارة تعمّدت الصمت خلال الحملة بعدما لقي خطاب لولا عن السيادة صدى لدى الناخبين. بيد أن هذا الصمت رافقته أدوات أخرى، فقد كشفت صحيفة "الغارديان" تخصيص الخارجية الأميركية مليون دولار لمشروع بعنوان "مواجهة الحرب القانونية والرقابة في البرازيل" موجّه ضدّ "المحكمة العليا الاتحادية". وحين رفضت برازيليا في تموز/يوليو الماضي منح تأشيرتين لمسؤولَين أميركيَّين نُسب إليهما السعي إلى التشكيك في نظام التصويت، ألغت واشنطن تأشيرة السفيرة البرازيلية. وكان وزير الخارجية ماركو روبيو قد شكر بولسونارو الابن في رسالة في حزيران/يونيو الماضي على وضعه "فريقاً انتقالياً في تصرّفنا" إذا انتُخب.
لقد صمدت قاعدة لولا عند المستوى الذي قدّرته الاستطلاعات، وجاء تقدّم خصمه من تجميع أصوات اليمين خلفه، فلو انتقلت أصوات أوغوستو كوري كلّها إلى الرئيس لبلغ نصيبه نحو 48%، مقابل نحو 51.7% لبولسونارو الابن ومرشّحي اليمين الثلاثة الآخرين. ويجعل ذلك حسم الإعادة رهناً بقدرة لولا على تعبئة الممتنعين واستعادة جزء مما خسره في الجنوب الشرقي، حيث بلغ الامتناع 22.7% ويسيطر حلفاء خصمه على حكومات الولايات الكبرى، في حين لم يتجاوز الامتناع 18.39% في الشمال الشرقي، حيث يتقدّم لولا بوضوح. ويحتاج لولا، الذي حسم انتصاراته الرئاسية الثلاثة في جولات إعادة، إلى كسر قاعدة صمدت منذ عام 1989، إذ فاز متصدّر الجولة الأولى بالإعادة في المرات السبع كلّها.
تتجاوز رهانات جولة الإعادة شخص الرئيس، فالكونغرس المنتخب يمنح اليمين أدوات الضغط على المحكمة العليا التي حاكمت جايير بولسونارو، وفوز نجله يضيف إليها السعي إلى تعديل الدستور وتعيين أربعة من قضاتها، أحدهم لمقعد ما زال شاغراً بعدما أسقط مجلس الشيوخ مرشّح لولا إليه في نيسان/أبريل الماضي. ويجمع المعسكر الملتفّ حول بولسونارو الابن القوى التي عزلت ديلما روسيف في عام 2016 ورموز "لافا جاتو" وشبكات الكنائس الإنجيلية، ويلتقي مع واشنطن و"تل أبيب"، فقد هنّأه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو متطلّعاً إلى "استعادة الصداقة الاستثنائية" مع البرازيل، بعدما تعهّد بولسونارو الابن بنقل السفارة إلى القدس المحتلة والانضمام إلى "اتفاقات أبراهام"، في مواجهة حكومة لولا التي وصفت الحرب على غزة بالإبادة وأعلنت الانضمام إلى الدعوى ضدّ "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية.
تكشف الجولة الأولى أن ما يحدث ليس سباقاً بين مرشحين فحسب، وإنما استقطابٌ بين معسكرين متعارضين. فمن جهة يسعى معسكر لولا إلى استعادة الجنوب الشرقي ومنع تمدد الهيمنة اليمينية على الكونغرس، ومن جهة أخرى، يتجمّع خلف بولسونارو الابن كثيرٌ من قوى اليمين وشبكات الكنيسة الإنجيلية، مع مظلة خارجية واضحة. والأرجح أن ترجيح كفّة الإعادة مرهون بقدرة حملة لولا على تحويل الممتنعين (نحو 33.5 مليون ناخب) إلى التصويت له، فمعقله في الشمال الشرقي يضمن له الأساس، لكنه لا يكفي وحده لحسم الإعادة. وإذا كانت الجولة الأولى قد عكست تحوّلاً في الكونغرس نحو اليمين، فإن الإعادة ستحدد ما إذا كان هذا التحوّل سيمتد إلى السلطة التنفيذية، وما إذا كانت المحكمة العليا، التي حاكمت جايير بولسونارو، ستبقى ساحة مواجهة بين الطرفين.