الهجرة غير الشرعية في تونس: غرق المركب فطفت من جديد قضية التنمية وتشغيل الشباب
مدينة بنقردان التونسية شهدت فاجعة إنسانية في إثر غرق مركب للهجرة غير الشرعية قبالة السواحل التونسية، وعلى متنه نحو 16 تونسياً نجا منهم شاب وحيد حتى الآن.
-
حرس الحدود التونسي يوقف مركباً من مراكب الهجرة غير النظامية إلى أوروبا (الأناضول)
عرفت مدينة بنقردان التونسية على الحدود مع ليبيا فاجعة إنسانية في إثر غرق مركب للهجرة غير الشرعية قبالة السواحل التونسية، وعلى متنه نحو 16 تونسياً نجا منهم شاب وحيد حتى الآن، وكان المهاجرون ينوون الوصول إلى البر الإيطالي قبل أن تفعل الأوضاع الجوية السيئة فعلها، حيث تمّ انتشال 7 جثث وإنقاذ شاب، وما زال البحث جارياً عن البقية.
في الحقيقة، خفت الحديث عن الهجرة غير النظامية في تونس خلال السنوات الاخيرة باعتبار أنّ أعداد المهاجرين الذين يغادرون السواحل التونسية قد تراجع بشكل كبير جداً بعد الاتفاقيات الموقّعة بين تونس وإيطاليا حيث التزمت تونس بتشديد المراقبة لمنع تدفّق المهاجرين، ولكنّ عدداً من الشبان الذين ينتمون لمدينتي بنقردان وجرجيس جنوب البلاد تمكّنوا من تجاوز التشديدات الأمنية والإبحار قبل وقوع الفاجعة التي خلّفت ألماً وحسرة في المدينتين.
بنقردان: توقّفت التجارة البينية مع ليبيا فضاقت السبل
اللافت في هذه الحادثة هو أنّ شباب مدينة بنقردان الحدودية مع ليبيا أصبحوا يفكّرون في الهجرة نحو أوروبا بعدما ظلت المدينة لعقود تعرف بعمل شبابها ضمن مسالك التجارة البينية مع ليبيا، حيث ساهمت التجارة الحدودية في تثبيت السكان وخلق مواطن شغل بل وحتى ازدهار المدينة اقتصادياً.
لكنّ السلطات الليبية اتخذت من سنوات إجراءات للتضييق على هذا النوع من التجارة غير المنظّمة وذلك عبر نشر فرق أمنية خاصة تعرف باسم "المقنّعين" ومصادرة سلع التونسيين، وتتذرّع السلطات الليبية بأنّ هذا النوع من التجارة أصبح يضرّ بالاقتصاد الليبي حيث إنّ تهريب المحروقات وسلعاً أخرى يستنزف العملة الصعبة، وبحسب السلطات الليبية كسدت تجارة أهالي بنقردان ووجد شباب المدينة أنفسهم أمام وحش يفتك بالمجتمعات وهو البطالة.
حتى البنية التحتية لمدينة بنقردان لا تتوفّر على نسيج صناعي أو خدمي أو سياحي يستوعب آلاف الشبان الذين تربّوا كما تربّى أجداداهم على التجارة مع ليبيا، وما كان يعدّ امتيازاً للمدينة تبخّر خلال سنوات قليلة فأصبحت بنقردان كغيرها من مدن البلاد تعاني المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي عجزت كل الحكومات عن معالجتها.
اقتصاد متعثّر وعاجز عن خلق الثروة
هنا يتحوّل الحديث إلى السلطات المركزية وتحديداً الحكومات المتعاقبة والرؤساء الذين تداولوا على حكم تونس، ففي ما عدا بعض السنوات القليلة التي عرفت خلالها تونس نوعاً من الطفرات الاقتصادية (فترة السبعينيات وبداية التسعينيات) فقد عانت البلاد منذ استقلالها من ضغوط اقتصادية واجتماعية وبطالة متفشّية لم تنزل عن مستوى الـ 15% وهو ما يفسّر الهزّات الاجتماعية المتكرّرة التي كان آخرها الانتفاضة الشعبية ضد حكم بن علي احتجاجاً على تزايد البطالة وغياب الآفاق الاقتصادية.
لكنّ الأمر لم يختلف كثيراً بعد ذلك في إثر تفاقم الصراعات السياسية بعد الثورة وظلّ المنجز الاقتصادي والاجتماعي ضعيفاً، وهو ما يفسّر الترحيب الشعبي بإجراءات 2021 التي نفّذها الرئيس الحالي قيس سعيّد.
كيف تبدو الأوضاع اليوم؟
في الحقيقة بقي الأمر على حاله، قد تتحسّن بعض الأرقام هنا وهناك ولكنّ السمات الرئيسية لم تتغيّر: نمو ضعيف، ميزان تجاري سلبي، تضخّم غير مريح، والنتيجة اقتصاد مرهق غير قادر على خلق الثروة والعملات الصعبة وهو ما جعل بطالة الشباب مرتفعة وسط غياب للحلول الواقعية والحقيقية والاكتفاء ببعض المبادرات التي لم تنجح في معالجة المعضلات الرئيسية.
هل يبدو المشهد خطيراً؟
تعتبر المناطق التونسية الأقل تنمية كبنقردان وبقية المدن الداخلية في سيدي بوزيد والقصرين وغيرها قنابل موقوتة في وجه أيّ نظام يحكم تونس، وبعض التطوّرات أو الحوادث وإن بدت عابرة فإنها قد تكون منطلقاً لتفريغ شحنات الغضب الاجتماعي خاصة في صفوف الشباب.
فما حدث في مدينة بنقردان من كارثة إنسانية نتيجة قارب الموت لم يكن ليحدث لو كان لدى السلطات المتعاقبة في تونس نظرة استشرافية وحرصاً على استباق الأحداث، فمنذ أن بدأت السلطات الليبية بالتضييق على التجار التونسيين لم تبادر تونس لإيجاد بديل أو حلّ وسط مع الحكومة الليبية، سواء عبر الضغط أو التفكير في حلول مشتركة كبعث منطقة اقتصادية حرة أو أيّ حلّ اخر يحول دون تفشّي البطالة في صفوف أهالي المدينة، وبقيت كلّ الحكومات المتعاقبة تنظر إلى الأزمة من دون أن تحرّك ساكناً.
في الحقيقة توجد بعض المعطيات الموضوعية التي تجعل من الموقف الاقتصادي التونسي صعباً وتحدّ من فرص الإصلاح والإقلاع الاقتصادي، فالوضع السياسي والأمني في ليبيا وما كانت تمثّله من متنفّس اقتصادي لتونس يمثّل عائقاَ أمام أيّ صانع قرار في تونس، فقد ظلت ليبيا لعقود تمتصّ نسبة لا بأس بها من اليد العاملة التونسية سواء عبر التجارة غير المنظمة أو عبر العمال التونسيين، كما أنّ الظرفية العالمية والحرب على إيران إضافة إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا زادا من الضغط على الميزان التجاري التونسي وارتفعت فاتورة الواردات، لكنّ كلّ تلك العوامل المعرقلة لا يمكن أن تحول بكلّ الأحوال دون تحمّل الحكومات المتتالية لمسؤولياتها في الفشل في إيجاد الحلول لما تعانيه البلاد من أزمات هيكلية متفشّية.