الصومال: معركة السيادة في ممر الأطماع

يقف الصومال اليوم في قلب عاصفة جيوسياسية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتلامس أمن الأمة العربية والإسلامية بأسرها. وإن مواجهة مخططات تقسيم الصومال تتطلب مظلة عربية فاعلة.

  • الصومال: معركة السيادة في ممر الأطماع
    الصومال: معركة السيادة في ممر الأطماع

تتسابق قوى إقليمية ودولية على المياه الصومالية لما تمثله من أهمية حيوية، بسبب إطلالتها على خليج عدن والمحيط الهندي، وفي ظل ما يمثله الصومال من موقع استراتيجي في منطقة القرن الأفريقي، ولما له من تاريخ مليء بالتجارب. فماذا تشكل التداعيات المتسارعة حالياً من تحديات؟ وما انعكاساتها على الواقع المحلي والإقليمي؟

تحولات الخارطة الدفاعية: الرياض ومقديشو

وقّعت المملكة العربية السعودية والصومال، في أحدث تطور تشهده المنطقة، اتفاقية للتعاون العسكري تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والأمن والتدريب العسكري والتنسيق المشترك، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع الصومالية. وتم توقيع الاتفاقية في 13 شباط/فبراير الحالي في العاصمة السعودية الرياض، بحضور وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فيقي ووزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان.

وخلال أقل من عامين، شهد الصومال زخم اتفاقيات عسكرية وأمنية مع عدد من الدول، بادرتها تركيا التي وقعت مع مقديشو "الاتفاقية الإطارية للتعاون الدفاعي والاقتصادي" في شباط/فبراير 2024. وقد جاءت هذه الاتفاقية رداً مباشراً على مذكرة التفاهم التي وقّعتها إثيوبيا مع "صوماليلاند" غير المعترف بها، ما أوجد توتراً في العلاقات بين الصومال وإثيوبيا أوشك على إشعال حرب بين الطرفين بسبب ما اعتبرته مقديشو تعدياً على سيادة أراضيها التي يمثل إقليم "أرض الصومال" جزءاً لا يتجزأ منها.

لقد كانت تركيا في مقدمة الدول التي قدمت دعماً ملموساً للصومال، سواء عبر المساعدات الإنسانية أو إعادة تأهيل البنية التحتية وإنشاء القواعد العسكرية، ما عزز موقع أنقرة كشريك استراتيجي مؤثر. وتزامناً مع تلك الأجواء، وقعت مصر في 14 آب/أغسطس 2024 بروتوكول تعاون عسكري مع جمهورية الصومال الفيدرالية، في خطوة فُهمت كدعم سياسي وأمني لمقديشو في مواجهة التحركات الإثيوبية، وخصوصاً في ظل التوترات بين القاهرة وأديس أبابا حول ملف سد النهضة.

اقرأ أيضاً: رئيس "أرض الصومال" يتوجه إلى دبي للمشاركة بالقمة السنوية للحكومات العالمية

تبدل الشراكات: الانسحاب من الاتفاقيات الإماراتية

جاء الاتفاق السعودي-الصومالي بعد أقل من شهر من إعلان الحكومة الصومالية انسحابها من جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك الاتفاقيات الدفاعية والأمنية، في خطوة تعكس تحولاً في شراكات مقديشو الأمنية لمصلحة السعودية.

كل ذلك أتى بعدما رصدت الصومال لفترة طويلة سلوكيات غير متزنة لحكومة أبو ظبي، ومنها مقتل الضابط الإماراتي العقيد محمد المنصوري في شباط/فبراير 2024، وكانت دليلاً عملياً لدائرة الشكوك؛ إذ كان المنصوري مسؤولاً عن ملف المخابرات في اليمن والصومال، وقُتل مع عدد من مرافقيه في هجوم مسلح داخل معسكر تدريب في العاصمة الصومالية.

التاريخ يعيد نفسه: من "أوفات" إلى الصراع المعاصر

ظل الصومال تاريخياً هدفاً لأطماع إقليمية مسنودة بقوى دولية. ويرصد التاريخ خلال فترة العصور الوسطى (القرن 13 الميلادي) جملة الحروب التي شهدتها المنطقة؛ إذ يذكر الدكتور رجب محمد عبد الحليم في كتابه "العلاقات السياسية بين مسلمي الزيلع ونصارى الحبشة" ظهور سلطنة "أوفات" وممالك الزيلع الإسلامية (ممالك الطراز الإسلامي) وصراعها مع الأسرة السليمانية في الحبشة عام 1270. لقد دفعت "القوى الصليبية" الأوروبية الأحباش حينها لمحاولة إخضاع تلك الممالك الإسلامية للتفرغ للمشاريع الصليبية ضد مصر وبلاد الشام والحجاز.

إن ما يحدث اليوم يشابه الماضي؛ فبلاد الصومال (بلاد الزيلع قديماً) تواجه تحديات يعيد فيها التاريخ نفسه في صورة استهداف موجه نحو العمق العربي والإسلامي في منطقة البحر الأحمر، ورمزيتها التي تجمع بين مصر وبلاد الحجاز وبلاد الشام.

اقرأ أيضاً: "رويترز": أرض الصومال تتوقع اتفاقاً تجارياً مع "إسرائيل"

الاختراق الإسرائيلي

ضمن التطورات الأخيرة، يبرز استهداف الصومال عبر الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "صوماليلاند" وإنشاء علاقات دبلوماسية مع الإقليم المتمرد كبعد يتدرج عبر خطوات مدروسة؛ فما حدث بالأمس تقابله أحداث اليوم في تناغم إقليمي ودولي عبر مخططات متكاملة نحو ما تنشده القوى العالمية.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود دان اعتراف "إسرائيل" بأرض الصومال كدولة مستقلة، معتبراً ذلك "عدواناً وانتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة الصومال والقانون الدولي". وكان مكتب بنيامين نتنياهو قد أعلن في كانون الأول/ديسمبر الماضي الاعتراف الرسمي بالإقليم الانفصالي، وهو ما أثار إدانات واسعة. وأكدت مقديشو في جلسة طارئة للبرلمان أن قرار الاعتراف باطل، متهمة نتنياهو بمحاولة زعزعة الاستقرار وتفتيت الدولة، ما يشكل تهديداً لأمن العالم والمنطقة.

اقرأ أيضاً: "الصومال الآن": "أرض الصومال" ترسل فريقاً من خبراء المياه إلى "إسرائيل" للخضوع لتدريب

الرؤية المستقبلية: البعد العربي وضرورة الحضور

ثمة تحديات هائلة تواجه الدولة الصومالية الحديثة تجمع بين المحلي والإقليمي والدولي. يقول الدكتور عادل عبد العزيز حامد، الباحث في الشؤون الدولية: "إن انقسام القيادات السياسية وما شكّله البعد القبلي من فعل سلبي، أعاق جهود بناء الدولة والتنمية، وفتح الباب أمام مؤامرات الخارج".

ويضيف حامد: "إن الحاضر الصومالي يتطلب استيعاب المخاطر التي لها امتداد تاريخي، حيث ترى القوى العالمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، في الصومال عمقاً مهماً للتأثير في الأحداث. ومن منظور استراتيجي، ينبغي للدول العربية والإسلامية العمل المشترك لصد مؤامرات تتلاحق حلقاتها: اعتراف، يعقبه تسلل، ثم وجود فعلي، فبقدر ما للنخبة الصومالية من دور في الوحدة ونبذ القبلية، هناك دور يؤديه البعد العربي في حضور حقيقي وتحفز يضمن استقرار المنطقة ويحفظ مصالحها".

اقرأ أيضاً: "أرض الصومال" تعرض امتيازات معدنية على واشنطن وتؤكد إمكانية منح "إسرائيل" قاعدة عسكرية

عاصفة جيوسياسية حول الصومال

إن الصومال اليوم يقف في قلب عاصفة جيوسياسية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتلامس أمن الأمة العربية والإسلامية بأسرها. إن مواجهة مخططات التقسيم والاعترافات الأحادية لا تبدأ من الداخل الصومالي فحسب، بل تتطلب مظلة عربية فاعلة تدرك أن سقوط الصومال في فخ التفتيت هو ثغرة استراتيجية في جدار الأمن القومي العربي، ما يجعل من تعزيز التحالفات مع القوى الإقليمية الموثوقة ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل.

اخترنا لك