الشاعر السوداني التجاني يوسف بشير.. السيرة والقصيدة والروح

اتسم شعر التجاني يوسف بشير بمزيج فريد من الرومانسية والتأمل الروحي، تلوح فيه روح التصوف، ويظهر فيه ولع بالرمز وجمال الصورة.

  • التجاني يوسف بشير
    التجاني يوسف بشير

التجاني يوسف بشير.. الميلاد والنشأة

التجاني يوسف بشير شاعر سوداني، يُعدّ رائداً من روّاد الشعر في السودان، وكان يُلقّب بـشاعر الجمال والروح. وهو من رواد الشعر الرومانسي الصوفي المتجدِّد، وقد عُرف بأسلوبه الرشيق وكلماته العميقة، وببراعة صياغته وجزالة معانيه، فكان واحداً من أبرز المجدّدين في الشعر السوداني الحديث.

وُلد التجاني يوسف بشير في مدينة أم درمان في السودان عام 1912، واسمه بالكامل: التجاني بن يوسف بن بشير بن الإمام جزري الكتيابي، وقد سُمّي كذلك تيمّناً بشيخ الطريقة التيجانية المعروفة. نشأ في أسرة محافظة، ما يفسّر النزعة الصوفية في أشعاره.

كان منذ بداياته مولعاً بالعلم، محبّاًً للبيان، متقناً لأسرار الفصاحة. وتميّز بذكاء حاد وموهبة شعرية نادرة ظهرت معالمها عليه في عمرٍ مبكّر، قبل أن يشتد عوده وتغدو قصائده علامات فارقة ومحطَّ أنظار في المحافل الأدبية السودانية. يقول عن ذلك الصبا الذي ولّى سريعاً وذلك النور العابر الذي لمع ثم اختفى، لكنه ظل حيّاً في الذاكرة على مر الزمن:

وَلَمْحَةٌ مِنْ تَزَاوِيقِ الصِّبَا عَبَرَتْ

دُنْيَايَ كَالسِّحْرِ لَمْ أَحْفِلْ بِهَا أَبَداً

وَدَعْتُهَا غَيْرَ مُرْتَاعٍ لِفُرْقَتِهَا

قَلْباً وَلَا رَاجِفاً مِنْ أَجْلِهَا كَبِداً

حَتَّى إِذَا مَا اسْتَقَرَّتْ فِي مَخَابِئِهَا

رَجَعْتُ أَسْأَلُ عَنْ آثَارِهَا الْأَبَدَا

طَوَى شَبَابِي ذِكْرَاهَا عَلَى أَلَمٍ

وَسَوْفَ تَخْلُدُ إِنْ مَاتَ الشَّبَابُ غَداً

دُنْيَا مِنَ اللَّهْوِ أَحْيَاهَا وَآلَفَهَا

ذِكْرَى وَأَلْمَسُهَا فِي جَانِبَيَّ نَدَى

قُلْ لِلصِّبَا وَلَوْ أَنَّ الْأَرْضَ أَجْمَعَهَا

تَبْرٌ لِحَوْلِهَا لَهْواً لَهُ وَدَداً

كُلُّ الْحَقَائِقِ مَا اسْتَجْمَعَتْ مِنْ لَعِبٍ

حَوْلَ الطُّفُولَةِ نُورٌ كُلُّهَا وَهُدًى

يَمْشِي السَّبِيُّ عَلَى أَعْرَاسِهَا فَرَحاً

وَيَسْتَقِلُّ عَلَى أَفْنَانِهَا غَرِداً

طَوَى شَبَابِي ذِكْرَاهَا عَلَى أَلَمٍ

وَسَوْفَ تَخْلُدُ إِنْ مَاتَ الشَّبَابُ غَداً

التعليم والمعهد العلمي

لم يكن تعليم التجاني حديثاً بالمعنى الواضح؛ فقد تلقّى علوماً تقليدية في زمانه، وكذلك كان المعهد العلمي بأم درمان الذي فُصل منه قبل أن يُكمل دراسته فيه. لكنه – رغم ذلك – استطاع أن يكون لنفسه وعياً متقدماً عن زملائه ليصوغ أروع المعاني الفلسفية في شعره. بعد فصله من المعهد عمل التجاني مُتحصِّلاً في شركة للخياطة، ثم عمل محرراً في صحيفة "ملتقى النهرين" ومجلتي "أم درمان" و"الفجر"، ثم اهتم بدراسة الأدب القديم.

قضية التجاني وفصله من المعهد والظلم الذي أُنزل به، وقال عنه بأنه رمي زيفاً، وكادوا أن يقرروا موته، ما زالت يلفها الغموض في روايتها وأسبابها وهل كان طابعها الخلاف المعرفي أم عدم تقبل النقد والحوار الحقيقي، أم أنها لا تخلو من داء الحسد باتجاه عبقرية مبكرة لشاب صغير.

لكن رغم ذلك كتب التجاني في المعهد وحنينه إليه، إذ يقول في كلمات تقطر عذوبة وشوقاً وحنيناً إلى معهده وذكرياته فيه:

السحر فيكَ وَفيكَ مِن أَسبابه

دَعة المدل بِعَبقري شَبابه

يا مَعهدي وَمَحط عَهد صِباي

مِن دار تَطرُق عَن شَباب نابه

قسم البَقاء إِلَيكَ في أَقداره

مَن شادَ مَجدك في قَديم كِتابه

وَأَفاضَ فيكَ مِن الهَدي آياته

وَمِن الهَوى وَالسحر ملء نِصابه

اليَوم يَدفَعُني الحَنين فَأَنثني

وَلهان مُضطَرِباً إِلى أَعتابِهِ

سَبق الهَوى عَيني في مِضماره

وَجَرى وَأَجفَل خاطِري مِن بابه

شخصيته التجاني يوسف بشير الأدبية وخصائص شعره

برزت شخصية التجاني الأدبية سريعاً؛ فقد كان واسع الثقافة، ينهل من التراث العربي والإسلامي، ويطالع كتب الأدب والفلسفة، ما كوّن لديه رؤية شعرية خاصة تقوم على التأمل في الوجود، والغوص في أعماق النفس، والتعبير عن التجربة الإنسانية بروح شفّافة ووجدان متقد.

وقد اتسم شعره بمزيج فريد من الرومانسية والتأمل الروحي، تلوح فيه روح التصوف، ويظهر فيه ولع بالرمز وجمال الصورة. وله قدرة فريدة على صوغ المعنى العميق في جملة قصيرة تلمس القلب وتثير الفكر؛ لذلك يعدّه النقاد من الأدباء الذين جمعوا بين صفاء الإحساس وعمق الفكرة.

يقول في "أنشودة الجن" والتي تحمل  سحراً خاصاً، حيث جاءت كل دعوات الشاعر على شكل أفعال أمر "قُم"، و"غنِّ"، و"اقطفْ"، و"املأْ"، ما أكسبها إيقاعاً حيوياً راقصاً وقوة خفية وخفة ونشوة تدفعك إلى الفرح والأمل والجمال والصمود وتدعوك في الوقت نفسه لا إلى إلغاء من سبقوك من عظماء الفن والجمال بل إلى أن تتجاوزهم عشقاً وفناً وقوة وأملاً لما تود تحقيقه:

قم يا طرير الشباب، وغنِّ لنا غنِّ

يا حلو يا مستطاب، أنشودة الجنَّ

اقطف لي الأعناب، واملأ بها دنّي،

من عبقري الرباب، أو حرم الفنِّ

صِحْ في الرّبى والوهاد، واسترقص البيدا،

واسكب على كل نادٍ، ما يسحر الغيدا.

وفجّر الأعواد رجعاً وترديدا،

حتى ترى في البلاد، من فرحٍ عيدا

مكانته بين الشعراء ومقارنته بأبي القاسم

ورغم حداثة سنّه، فقد أحدث التجاني أثراً لافتاً في الوسط الأدبي، إذ نظر إليه الكثيرون بوصفه شاعراً متفرّداً لا يقل شأناً عن كبار الشعراء العرب في عصره. وقد انعكس ذلك في طريقة استقبال شعره التي اتسمت بالتقدير والإعجاب، واعتباره صوتاً جديداً يحمل بصمة لا تتكرر.

تميّز التجاني أيضاً بجمال نظمه وسحر تراكيبه؛ حتى قيل إنه كان من أكثر الشعراء السودانيين إحكاماً للبناء الشعري، واستخداماً دقيقاً للغة، وكأن ألفاظه تُسكب سكباً على الورق، لا تكلّف فيها ولا اضطراب. وكانت قصائده تحمل روحاً صافية مشرقة، تتوحّد فيها اللغة والمعنى والمجاز، لتنسج رؤيته الخاصة للعالم: رؤية تجمع بين الحس الجمالي والعمق الإنساني والسمو الروحي.

أما إذا أردنا أن نقارن شعره مع من  هو في جيله كمثال، فإننا نجد أن هناك أوجه شبه كثيرة بين التجاني يوسف بشير وأبو القاسم الشابي من تونس، حيث جمع كل منهما  بين الحس الشعري العميق والبعد الفلسفي الوجداني، فكان التشابه في أشعارهما وحتى في ظروفهما الصحية والاجتماعية.

فقد نشأ كل منهما في بيئة محافظة ونهلا من الثقافة العربية والإسلامية، ثم رحلا عن الحياة في عمر قصير، لكنهما تركا إرثاً أدبياً خالداً في بلديهما وفي فضاء الشعر العربي. جسد التجاني في قصائده الرومانسية الصوفية والعمق الفلسفي ورؤيته الوجودية، وكان أبو القاسم نموذجاً رائعاً للشاعر الباحث عن الحقيقة، الممزوج بالبعد الفلسفي والوجداني كذلك معبراً عن القيم الإنسانية العليا.

إذاً نلحظ هذه الحياة المتقاربة عند الشاعرين، فقد عزف كلاهما عن الحياة العابثة الماجنة، ونزعا إلى  التصوف والزهد، ثم كانا يدعوان إلى الإصلاح والنقد الاجتماعي، بدا ذلك جلياً  في أشعار رائعة تشعل ثورة على التقاليد، ثم تتدفق عذوبة وإخلاصاً وحماسة في معالجة مشكلات مجتمعاتهما.

المرض والمعاناة النفسية والرحيل

أُصيب التجاني بمرض السّل، وظل يعاني منه زمناً، كما كان يعاني من الفقر والعزلة الاجتماعية. كذلك رزح تحت وطأة الآلام النفسية التي زادت من شدة مرضه، وأدّت به إلى وسواس قهري، وربما ظهر ذلك جلياً في قصيدته "يؤلمني شكي"، إذ يقول فيها:

ما كُنتُ أُوثِرُ في دِينِي وتَوْحِيدِي

خَوَادِعَ الآلِ عن زَادِي ومَوْرُودِي

غَرَّرْنَ بِي وبِحَسْبِي أنَّ رَاوِيَتِي

مَلأى هُرِيقَتْ على ظَمَئِي منَ البِيدِ

أَفْرَغْتُهَا وبِرَغْمِي أَنَّهَا انْحَدَرَتْ

بَيْضَاءَ كَالرُّوحِ في سَوْدَاءِ صَيْخُودِ

وَرُحْتُ لا أَنَا عن مَائِي بِمُنْتَهَلٍ

مَاءٍ ولا أَنَا عن زَادِي بِمَسْعُودِ

أَشُكُّ ويُؤْلِمُنِي شَكِّي وأَبْحَثُ عن

بَرْدِ اليَقِينِ فَيَفْنَى فِيهِ مَجْهُودِي

وكَمْ أَلُوذُ بِمَنْ لَاذَ الأَنَامُ بِهِ

وأَبْتَغِي الظِّلَّ في تِيهَاءِ صَيْهُودِ

اللهُ لِي ولِصَرْحِ الدِّينِ من رَيْبٍ

مَجْنُونَةِ الرَّأْيِ ثَارَتْ حولَ مَعْبُودِي

إنْ رَاوَغَتْنِي في نُسْكِي فَكَمْ وَلَجَتْ

بِي المَخَاطِرُ في دِينِي وتَوْحِيدِي

رحل التجاني يوسف بشير مبكراً، في عام 1937، لكنه – ورغم حياته القصيرة – خلّف إبداعاً غنياً، وترك أثراً لا يُمحى في وجدان الأدب السوداني والعربي. بقيت قصائده شاهدة على شاعرية استثنائية ونبوغ أصيل، ومسيرة قصيرة في الزمن، لكنها عميقة في الأثر، حتى صار اسمه واحداً من أكثر الأسماء حضوراً في سجل الشعراء المجدّدين.

طُبع له ديوان "إشراقة" الذي حوى أشهر قصائده، مثل: الصوفي المعذَّب، الخرطوم، أنشودة الجن، يؤلمني شكي، المعهد العلمي، في محراب النيل وغيرها. والجدير بالذكر أن ديوان "إشراقة" يعدّ من أكثر دواوين الشعر السوداني طباعة، وقد جاء متنوعاً في الحكمة والإدراك الوجودي، إلى الفلسفة والحب والتصوف وغيرها من المحاولات التي تهدف إلى فهم الحياة وكشف أسرارها.

اخترنا لك