الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي اللبناني: مشاريع معلّقة وواقع لا يواكب العصر
يعاني الواقع الحكومي اللبناني غياب الرقمنة والحلول الذكية بشكل شبه كامل، وذلك لأسباب كثيرة بعضها تقني وبعضها الآخر سياسي قانوني... فما هي أبرز هذه المعوقات وكيف يمكن تجاوزها؟
-
الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي اللبناني: مشاريع معلّقة وواقع لا يواكب العصر
وعود رسمية بلا تنفيذ فعلي
على مدى السنوات الأخيرة، تصاعد الخطاب الرسمي في لبنان حول التحول الرقمي وتحديث الإدارة العامة، وغالباً ما اقترن بمصطلحات براقة مثل "الحكومة الذكية" و"الإدارة الإلكترونية" و"لبنان الرقمي". هذه العناوين حضرت بقوة في خطابات وزارية، وبيانات حكومية، ومؤتمرات محلية ودولية رُفعت خلالها شعارات مواكبة التطور التكنولوجي العالمي، إلا أن هذا الزخم الإعلامي لم ينعكس على أرض الواقع داخل مؤسسات الدولة.
فمنذ أكثر من عقد، أُعلنت خطط واستراتيجيات متعددة تهدف إلى رقمنة الخدمات العامة، لكن معظمها بقي حبيس الأدراج أو توقف عند مراحل تجريبية محدودة. لم تُترجم الوعود إلى برامج تنفيذية واضحة بجدول زمني محدد أو مؤشرات قياس فعلية، بل غالباً ما تغيّرت الأولويات مع تبدّل الحكومات والوزراء، ما أفقد هذه المشاريع استمراريتها ومصداقيتها. وفي كثير من الحالات، جرى إعادة طرح المشاريع نفسها تحت مسميات جديدة، من دون تقييم جدي لأسباب فشل المحاولات السابقة.
ورغم الحديث المتكرر عن إدخال تقنيات متقدمة، لا يظهر في الإدارات العامة أي استخدام فعلي للذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات أو إدارة الموارد. المعاملات لا تزال تُنجز بالطرق التقليدية، وقرارات الإدارة تعتمد على الاجتهاد البشري أكثر مما تعتمد على البيانات والتحليل العلمي. حتى المشاريع التي وُصفت بأنها رقمية، تقتصر في معظم الأحيان على تحويل النماذج الورقية إلى ملفات إلكترونية من دون أي إعادة هندسة حقيقية للإجراءات.
مصادر مطلعة داخل القطاع العام تشير إلى أن التحول الرقمي استُخدم في كثير من الأحيان كعنوان سياسي أو كشرط للحصول على تمويل دولي، أكثر منه كخيار إصلاحي جدي. فغياب المتابعة والمحاسبة سمح ببقاء الوعود في إطار الإعلان، من دون التزام فعلي بالتنفيذ أو بتخصيص الموارد اللازمة لإنجاحها. وبدل أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة لتحديث الإدارة وتحسين ثقة المواطن بالدولة، تحوّل إلى مصطلح يُستحضر عند الحاجة، ثم يُهمَل مع أول أزمة سياسية أو مالية.
هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع العملي يطرح تساؤلات عميقة حول جدية الدولة اللبنانية في الدخول إلى عصر التحول الرقمي، وحول ما إذا كانت المشكلة تقنية بحتة، أم انعكاساً لأزمة حوكمة أوسع تجعل أي مشروع تحديث، مهما كان متقدماً، عرضة للتعطيل قبل أن يرى النور.
داخل الإدارات: الورق ما زال سيد الموقف
في جولة ميدانية داخل عدد من الإدارات العامة في بيروت وجبل لبنان، يتكرّس مشهد يكاد يكون ثابتاً منذ عقود. مكاتب مكتظة بملفات ورقية صفراء، خزائن حديدية قديمة، وموظفون يتنقلون بين الغرف حاملين معاملات يدوية تنتظر توقيعاً أو ختماً. هذا الواقع لا يعكس فقط تأخراً تقنياً، بل يكشف عن نمط عمل إداري لم يتغير رغم التحولات الرقمية التي شهدها العالم.
المراجعون، بدورهم، يقضون ساعات طويلة وأحياناً أياماً لإنجاز معاملات بسيطة يمكن اختصارها إلكترونياً خلال دقائق. التنقل بين أكثر من دائرة للحصول على المستند نفسه، إعادة تقديم الأوراق بسبب فقدان ملف أو نقص مستند، وانتظار توقيع مسؤول غير متوفر، كلها تفاصيل يومية تُظهر حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي عن الرقمنة وما يعيشه المواطن فعلياً داخل الإدارات.
أما الأنظمة الإلكترونية التي أُدخلت في بعض المؤسسات، فهي غالباً محدودة الوظيفة وتعمل بشكل معزول. في وزارة أو إدارة معينة قد تُسجّل البيانات على برنامج داخلي، لكنها لا تُشارك مع أي جهة رسمية أخرى، ما يضطر المواطن إلى إعادة تقديم المعلومات نفسها في كل معاملة جديدة. هذا الانفصال بين الأنظمة يحول دون بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة، وهي الركيزة الأساسية لأي استخدام مستقبلي للذكاء الاصطناعي أو التحليل الذكي للمعطيات.
موظفون في القطاع العام يعترفون بأن الاعتماد على الورق لا يعود فقط إلى ضعف التكنولوجيا، بل إلى غياب التدريب والخوف من التغيير. فالكثير من العاملين لم يتلقوا أي تأهيل رقمي حقيقي، ويُتركون للتعامل مع برامج قديمة أو معقّدة من دون دعم تقني كافٍ، ما يدفعهم إلى العودة للوسائل التقليدية باعتبارها "الأكثر أماناً". في هذا السياق، يصبح الورق ليس مجرد أداة عمل، بل ملاذاً إدارياً في ظل انعدام الثقة بالأنظمة الرقمية.
هذا الواقع يفسّر لماذا يبدو الذكاء الاصطناعي، في نظر العديد من العاملين والمواطنين، مفهوماً بعيداً عن يوميات الإدارة العامة. ففي غياب الرقمنة الأساسية وربط البيانات بين الإدارات، يبقى الحديث عن تطبيقات ذكية مجرد فكرة نظرية، تصطدم يومياً بجدران الورق والأختام والمعاملات اليدوية التي ما زالت تحكم مفاصل القطاع العام اللبناني.
اقرأ أيضاً: الحكومة الإلكترونية في لبنان: بيروقراطية الماضي تعرقل رقمنة المستقبل
العقبات أمام الذكاء الاصطناعي في لبنان
البيانات المفقودة
تجمع مصادر تقنية مطلعة على أن العائق الأساسي أمام إدخال الذكاء الاصطناعي إلى القطاع الحكومي اللبناني لا يرتبط بغياب التكنولوجيا نفسها، بل بغياب البيانات المنظّمة التي تشكّل الوقود الحقيقي لأي نظام ذكي. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في الفراغ، بل يحتاج إلى كميات كبيرة من البيانات الدقيقة المحدثة القابلة للمعالجة، وهي عناصر شبه مفقودة في معظم الإدارات العامة.
في عدد كبير من المؤسسات الرسمية، لا توجد قواعد بيانات رقمية متكاملة، بل معلومات موزعة بين ملفات ورقية محفوظة في الأرشيف، وجداول إلكترونية بدائية، وبرامج قديمة صُممت لأغراض محدودة ولم تُحدّث منذ سنوات. هذا التشتت يجعل من الصعب تجميع البيانات أو التأكد من دقتها، كما يفتح الباب أمام التكرار والأخطاء والتناقضات بين إدارة وأخرى.
مصادر في مجال تكنولوجيا المعلومات تشير إلى أن بعض الإدارات تمتلك بيانات رقمية، لكنها غير قابلة للاستخدام التحليلي بسبب غياب المعايير الموحدة في التخزين والتصنيف. فكل إدارة تعتمد نظاماً مختلفاً، وأحياناً صيغة مختلفة للمعلومة نفسها، ما يحول دون دمج هذه البيانات أو ربطها ضمن منصة مركزية. في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن التحليل الذكي، أو التنبؤ الخوارزمي، أو اتخاذ القرار المبني على البيانات، أقرب إلى الطرح النظري منه إلى التطبيق العملي.
إلى جانب ذلك، تعاني البيانات المتوافرة من مشكلة التحديث. كثير من السجلات الرسمية لا تُراجع دورياً، وبعضها يعود إلى سنوات طويلة من دون تصحيح أو تدقيق، ما يفقدها قيمتها التحليلية. فالذكاء الاصطناعي المبني على بيانات قديمة أو غير دقيقة لا يؤدي إلى تحسين الأداء، بل قد يفاقم الأخطاء ويكرّس قرارات خاطئة داخل الإدارة العامة.
في ظل هذا الواقع، يؤكد خبراء أن أي محاولة لاعتماد الذكاء الاصطناعي من دون معالجة أزمة البيانات ستبقى فاشلة. فالخطوة الأولى نحو حكومة ذكية لا تبدأ بالخوارزميات، بل ببناء قواعد بيانات وطنية موحّدة، شفافة، ومحمية، تضع أسس التحول الرقمي الحقيقي، وتحوّل الذكاء الاصطناعي من شعار سياسي إلى أداة عمل فعّالة داخل مؤسسات الدولة.
فراغ قانوني ومخاوف تتعلق بالخصوصية
إلى جانب العقبات التقنية، يواجه لبنان تحدياً قانونياً بالغ الخطورة. فلا يوجد إطار تشريعي واضح ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، ولا قوانين حديثة تضمن حماية البيانات الشخصية للمواطنين. هذا الفراغ يثير مخاوف جدية حول احتمالات تسريب البيانات أو استخدامها لأغراض غير مشروعة، في بلد يعاني أصلاً من ضعف الثقة بين المواطن والدولة.
هجرة الكفاءات الرقمية من الإدارة العامة
تعاني الإدارات الرسمية نزيفاً مستمراً في الكفاءات التقنية، حيث يفضّل المتخصصون في تكنولوجيا المعلومات العمل في القطاع الخاص أو خارج البلاد بسبب تدني الرواتب وغياب الحوافز. هذا الواقع يحرم القطاع العام الخبرات القادرة على إدارة مشاريع التحول الرقمي أو الإشراف على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويجعل الدولة رهينة للشركات المتعاقدة من دون امتلاك المعرفة الداخلية.
مقارنة عربية: لماذا نجح الآخرون؟
في عدد من الدول العربية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لم يُطرح الذكاء الاصطناعي كمشروع تقني معزول أو كحلّ تجميلي لأزمات إدارية، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد تبنّته الدولة على أعلى المستويات. هذا الخيار تُرجم بإرادة سياسية واضحة، وتشريعات حديثة، واستثمارات كبيرة هدفت إلى إعادة بناء الإدارة العامة على أسس رقمية متكاملة.
في هذه الدول، بدأ التحول الرقمي من القاعدة، عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتحديث شبكات الاتصالات، وبناء منصات حكومية موحّدة تجمع البيانات والخدمات في آن واحد. هذا الأساس سمح لاحقاً بإدخال الخوارزميات والأنظمة الذكية لتحليل البيانات، تسريع المعاملات، وتحسين جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين والمقيمين. الذكاء الاصطناعي جاء كنتيجة طبيعية لمسار تراكمي، لا كقفزة غير مدروسة.
العامل التشريعي لعب دوراً محورياً في هذا النجاح. فقد رافق التحول الرقمي إصدار قوانين واضحة لحماية البيانات الشخصية، وتنظيم استخدام التكنولوجيا داخل المؤسسات العامة، وتحديد المسؤوليات في حال الخطأ أو سوء الاستخدام. هذا الإطار القانوني عزز الثقة لدى المواطنين والقطاع الخاص، وفتح الباب أمام شراكات واسعة بين الدولة والشركات التكنولوجية.
في المقابل، يبرز الواقع اللبناني كنقيض واضح لهذه التجارب. فغياب الاستمرارية السياسية، وضعف التخطيط طويل الأمد، وتحول المشاريع الرقمية إلى رهائن للتجاذبات السياسية والتمويلية، كلها عوامل حالت دون بناء مسار مماثل. بينما تعاملت دول أخرى مع الذكاء الاصطناعي كمشروع دولة، بقي في لبنان مبادرات متفرقة تفتقر إلى التنسيق والرؤية الشاملة.
هذه المقارنة لا تهدف إلى إبراز الفجوة فقط، بل إلى الإشارة إلى أن نجاح التحول الرقمي ليس حكراً على الدول الغنية بقدر ما هو نتاج قرار سياسي واضح وإدارة فعالة. وهو ما يجعل السؤال في الحالة اللبنانية أكثر إلحاحاً: هل المشكلة في نقص الإمكانات، أم في غياب القرار القادر على تحويل التكنولوجيا من شعار إلى سياسة عامة مستدامة؟
اقرأ أيضاً: السيادة الرقمية: معركة الدول لحماية بياناتها في عصر الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي مدخل للإصلاح أم عنوان جديد للأزمة؟
يبقى السؤال الجوهري معلقاً فوق كل النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي اللبناني: هل يمكن لهذه التكنولوجيا أن تتحول إلى أداة إصلاح حقيقية، أم أنها ستُضاف إلى لائحة العناوين الكبرى التي استُهلكت سياسياً من دون أن تُترجم عملياً؟ فالتجارب السابقة مع مشاريع الإصلاح الإداري تدفع إلى الحذر، إذ غالباً ما تحولت المبادرات الطموحة إلى شعارات اصطدمت بجدار الواقع السياسي والإداري.
الذكاء الاصطناعي، بطبيعته، ليس حلاً سحرياً لأزمات متجذّرة في بنية الدولة. فلا يمكن لخوارزميات متقدمة أن تعالج خلل الحوكمة، أو تعوّض غياب الشفافية، أو تتجاوز الانقسام السياسي الذي يشلّ عملية اتخاذ القرار. من دون إصلاح إداري حقيقي، وإعادة تنظيم للإجراءات، وبناء ثقة بين المواطن والمؤسسات، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مجرد واجهة تقنية تُستخدم لتجميل واقع متعثر بدل تغييره.
في المقابل، يرى خبراء أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تشكّل فرصة نادرة لإعادة التفكير في طريقة عمل الدولة، إذا ما جرى التعامل معها كجزء من مشروع إصلاحي شامل. فالاعتماد على البيانات في اتخاذ القرار، وأتمتة الخدمات، وتقليص التدخل البشري في المعاملات، كلها أدوات قادرة على الحد من الهدر والفساد وتحسين كفاءة الإدارة العامة، شرط أن تُدرج ضمن رؤية وطنية واضحة تتجاوز الحسابات الضيقة.
المسألة، في نهاية المطاف، ليست تقنية بقدر ما هي سياسية وإدارية. الانتقال من الخطاب إلى الفعل يتطلب إرادة صلبة تضع التحول الرقمي في صلب أولويات الدولة، وتمنحه الاستمرارية اللازمة بعيداً عن تبدّل الحكومات. من دون ذلك، سيبقى الذكاء الاصطناعي في لبنان عنواناً جديداً لأزمة قديمة، يُستحضر في البيانات الرسمية ويغيب عن حياة المواطنين، بدل أن يكون مدخلاً فعلياً لإصلاح طال انتظاره.