الخليج في قلب العاصفة الجيوسياسية: العدوان إن بدأ في إيران لا تنتهي تبعاته عندها
التشابك الجغرافي والأمني والاقتصادي للخليج مع إيران لا يمنح الدول الخليجية خيار النأي عن تداعيات أيّ واقعٍ في إيران. فسيناريو الحرب على إيران، كما سيناريو الفوضى المنظَّمة داخلها، يفرضان على دول الخليج تحديات متعددة الأبعاد، تهدّد استقرارها الداخلي وتخلّ بالتوازنات الإقليمية والدولية.
-
الخليج في قلب العاصفة الجيوسياسية: العدوان إن بدأ في إيران لا تنتهي تبعاته عندها
أجرت دول عربية، بينها دول خليجية، جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الولايات المتحدة وإيران لمنع هجوم أميركي على إيران في ظل الاضطرابات في البلاد 2025 - 2026، معربةً عن خشية من أن يكون لذلك آثار في جميع أنحاء المنطقة.
وذكرت وكالة "رويترز" ذلك، ونقلت عن مسؤول خليجي، (لم تكشف هويته) أن 4 دول (السعودية وقطر وعُمان ومصر) أبلغت واشنطن بأن "أي هجوم ستكون له عواقب على المنطقة الأوسع من حيث الأمن والاقتصاد، الأمر الذي سيؤثر في نهاية المطاف على الولايات المتحدة نفسها".
إنّ هذا التأثير يفسّره التشابك الجغرافي والأمني والاقتصادي للخليج مع إيران، ما لا يمنح الخليج خيار النأي بانتظار انقشاع "الإعصار الأميركي". فسيناريو الحرب على إيران، كما سيناريو الفوضى المنظَّمة داخلها، يفرضان على دول الخليج تحديات متعددة الأبعاد، تهدّد استقرارها الداخلي وتخلّ بالتوازنات الإقليمية والدولية.
الجغرافيا: تمدّد الفوضى والتأثير الجيو - اقتصادي
إنّ دفع إيران نحو سيناريو الفوضى المنظَّمة أو التفكك الأمني، سيعني بالضرورة خطر انتقال جماعات تخريبية أو متفلّتة أو انفصالية عبر الحدود إلى دول خليجية محيطة.
ولفهم كيفية انتقال هذه المخاطر، يمكن الاستناد إلى مقاربة "الدولة الهشّة"، التي تربط وفق العالم السياسي البريطاني باري بوزان في كتابه "الأفراد والدول والخوف: مشكلة الأمن القومي في العلاقات الدولية"، بين ضعف الدولة واختلال مركز القرار والقدرة على ضبط المجال الجغرافي، للتوصل إلى أنّ هشاشة الدولة تنتج تهديدات "غير مقصودة" للدول المجاورة.
على صعيد آخر، فإنّ مشهد الحرب أو الفوضى في إيران لا بدّ من أن يُحدث تداعيات في الجيو- اقتصاد على الدول الخليجية. في مقاربة عكسية، فإن الاستقرار في إيران يُعدّ ضرورة استراتيجية لدول الخليج النفطية.
ويبرز أمن النقل كأول عاملٍ مدعوم بضرورة الاستقرار في إيران، إذ إنّ أي اضطراب أو مواجهة عسكرية يهدّد إمدادات النفط عبر مضيق هرمز الذي يعدّ حيوياً للنفط الخليجي والعالمي.
ووفقًا لتقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، بلغ متوسط تدفق النفط عبر المضيق 20 مليون برميل يومياً في عام 2024، أي ما يعادل نحو 20% من استهلاك السوائل البترولية العالمي.
وأضاف التقرير أن السعودية تنقل كميات من النفط الخام والمكثفات عبر مضيق هرمز أكثر من أي دولة أخرى. فيما لفت إلى أنّ الولايات المتحدة استوردت عام 2024 نحو نصف مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات من دول الخليج عبر هذا المضيق.
سطوة "إسرائيل"
جانب آخر من تأثر الخليج بالمشهد في إيران، يفرضه الوضع السياسي الإقليمي، إذ إنّ سيناريو – لا يزال يُعدّ متطرفاً في ظل ثبات نظام الجمهورية الإسلامية وغياب مؤشرات التضعضع الفعلية – "سقوط النظام في إيران" ثمّ الاتيان بـ"كيانٍ إداري" يرفع الراية البيضاء للولايات المتحدة و"إسرائيل"، سيزيد من احتمال سطوة تلك الأخيرة في منطقة الخليج.
وعلى الرغم من أن الدول الخليجية قد أسست تاريخياً كحليف للولايات المتحدة ومتماهٍ مع سياساتها، ومنها التي وقعت اتفاقيات تطبيع، إلا أنّ مراقبة السلوك الإسرائيلي في السياسة الخارجية منذ ما بعد 7 أكتوبر 2023 تُظهر أنّ هذا الكيان بات خارج توقعات العلاقات الدبلوماسية التقليدية، واتضح نهجه الفردي في الخيارات الاستراتيجية.
وما قصف "إسرائيل" لقطر وانتهاك سيادتها ضمن ذريعة استهداف الوفد المفاوض لحركة حماس في الدوحة، وما اعترافها بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي رغم الاعتراض ومن واشنطن نفسها – علناً على الأقل - سوى دليلين، ضمن جملة أدلة إن طال البحث، تؤكد أن خيارات هذا الكيان وطموحاته تتجاوز الالتزام بأي اتفاقيات.
فمن يقدّم "ضمانة" للعواصم الخليجية باستمرار علاقاتها مع "إسرائيل" في سياق "الشراكة"؟ ومن يضبط تحركات إسرائيلية منفردة تزيد من الضغوط على دول الخليج إذ ما أصبحت الفوضى واقعاً في إيران؟
هل استقرار الخليج مرتبط بالوجود الأميركي؟
إنّ مضي الولايات المتحدة في خيار العدوان العسكري على إيران، يفتح خيارات الرد الإيراني على توجيه ضربات لكامل الانتشار الأميركي من قواعد وقوات وعديد في الأراضي الخليجية: يشمل الخليج قاعدة في قطر، و4 قواعد في الكويت، قاعدتين في السعودية، 3 قواعد في الإمارات، و3 قواعد في البحرين، و3 في عُمان، ناهيك بمعسكرات أخرى.
جدية تهديد قصف القوات الأميركية اختبرته واشنطن في الضربة التي تلقتها قاعدتها "العديد" في قطر، أكبر منشأة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، في إطار رد طهران على العدوان الأميركي على منشآتها النووية.
وما الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها قطر في قاعدة "العديد" الجوية الأميركية بعد تصريحات ترامب التي تُنذر بنوع من الاستهداف لإيران والتدخل المباشر في شؤونها على خلفية الاضطرابات 2025 - 2026، إلا دليل واضح على اتخاذ التهديد الإيراني على محمل الجد من قبل الدوحة وواشنطن.
فهل سيبقى الاستقرار الداخلي في منطقة الخليج بعيداً عن الضغط المباشر وتداعيات تلقي الوجود الأميركي على أراضيه لضربة لا يمكن التنبؤ بحجمها ونوعها ضمن مسار مواجهةٍ عسكرية مصيرية في تحديد هوية طهران في الحاكمية والأيديولوجيا؟
إذاً، إنّ تحييد "عدو وهمي" اختلقته السياسة الخارجية الأميركية لمنطقة الخليج، التي حققت واشنطن من خلالها على مدى عقود أكبر صفقاتها التاريخية خصوصاً العسكرية، لن يجعل تلك الدول في مصاف الازدهار على مختلف الصعد، بل سيُشرّع أبواب التحديات وسط مستقبل ضبابي تظهر المعطيات أنه بعيد عن مصالح دول تلك المنطقة.