الحصار النفطي الأميركي على كوبا: هندسة الخنق عبر الوقود
لم تعد أزمة كوبا الراهنة قابلة للشرح عبر لازمة "الفشل الاقتصادي" و"سوء الإدارة" التي تُردَّد بلا تدقيق.. فماذا في تفاصيل هذه الأزمة؟
-
الحصار النفطي الأميركي على كوبا: هندسة الخنق عبر الوقود.(أرشيف)
لم تعد أزمة كوبا الراهنة قابلة للشرح عبر لازمة "الفشل الاقتصادي" و"سوء الإدارة" التي تُردَّد بلا تدقيق. فالأزمة تُقرأ، أولاً، باعتبارها نتاج سياسة أميركية تراكمية تعيد إنتاج الحصار في صيغ أشد، وتبحث عن نقطة اختناق أعلى تأثيراً على الحياة اليومية.
وفي هذه المرحلة، يتموضع النفط في قلب المعادلة لأن الكهرباء والنقل والإنتاج الزراعي والصناعي وسلاسل تبريد الغذاء والدواء كلها تعتمد على الوقود. وعندما يُمنع الوقود أو تُرفع تكلفته أو تُعطل طرق دفعها، تتراجع قدرة الدولة على إدارة الندرة حتى لو نفّذت إصلاحات داخلية. ومن هنا، يصبح سؤال النفط مدخلاً ضرورياً لفهم التضخم والندرة والانقطاعات الكهربائية وتراجع الخدمات. والجدير ذكره أن واشنطن لا تكتفي بتقييد شراء النفط، وإنما تحاصر الشحن والتأمين والمصارف، فتتحول الطاقة إلى أداة عقاب جماعي تمس كل بيت. وتتحدد الأولويات تبعاً لذلك.
في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، صعّدت واشنطن هذا المسار بأمر تنفيذي يفتح الباب لفرض تعرفات جمركية على واردات أي دولة تبيع أو تزوّد كوبا بالنفط، تحت ذريعة إعلان "حالة طوارئ" واعتبار هافانا "تهديداً للأمن القومي". وبذلك لم يعد الاستهداف موجهاً إلى كوبا وحدها، وإنما إلى شبكة العلاقات التي تمكّنها من الحصول على الوقود.
وتقوم الآلية على تحديد الدول المشاركة في التوريد ثم تقرير مدى العقوبة وتعرفاتها، بما يحول التجارة إلى ملف سياسي بحت. وهذه الصيغة تعني عملياً ردع شركات الشحن والتأمين والبنوك عن التعامل مع كوبا خشية الرسوم والعقوبات، فتتأخر الإمدادات أو تنقطع وتتصاعد التكلفة على الاقتصاد والناس.
كما أنها تنقل قرار التوريد من السوق إلى غرفة الضغط في واشنطن، بحيث تُعاقَب دولة ثالثة بسبب تجارة مشروعة مع الجزيرة الكوبية المحاصرة.
وهذا التوسع العابر للحدود هو استمرار لمنطق قديم وموثق. فمنذ مذكرة ليستر مالوري عام 1960، كان الهدف خلق ضغط معيشي يقود إلى تآكل التأييد السياسي للثورة الكوبية، وليس معالجة نزاع اقتصادي محدود.
ثم جرى تثبيت الحظر الشامل في أوائل الستينيات، قبل أن تتعاظم المنظومة عبر تشريعات لاحقة مدّت يد واشنطن إلى ما وراء حدودها. فالقوانين التي شُرّعت في التسعينيات شددت على السفن والتعاملات مع الشركات التابعة في دول ثالثة، وفتحت باب الملاحقة القضائية ضد شركات أجنبية.
ومع كل مرحلة، كان الخطاب الأميركي يقدم نفسه كدعوة إلى "الحرية"، بينما تُستخدم التجارة والتمويل كسلاح لتغيير النظام. وعليه، فإن وصف الحصار بأنه "حظر تجاري ثنائي" يطمس جوهره كعقوبة قسرية أحادية تتوسع خارج القانون الدولي.
والأداة التي تمنح حصار النفط فعاليته ليست المنع التجاري وحده، وإنما أيضاً تعطيل الدفع وتخويف النظام المالي. فإدراج كوبا في قائمة "الدول الراعية للإرهاب" منذ فترة ضاعف سلوك تجنّب المخاطر داخل المصارف، فأغلق بعض البنوك حسابات، فيما رفضت أخرى التحويلات، وتعثرت الاعتمادات أيضاً، لأن الغرامات الأميركية تُعامل كخطر شامل. وفي هذه البيئة، تتحول كل فاتورة وقود إلى معركة إجرائية مكلفة، وتُدفع كوبا إلى وسطاء ومسارات أطول وتكاليف أعلى. كما تُفرض عليها شروط شراء نقدي ومسبق من دون ائتمان، ما يرفع تكلفة الاستيراد ويضغط على احتياطيات العملة الصعبة. وهكذا، لا يقيد الحصار ما تشتريه كوبا فقط، وإنما يقيد كيف تدفع، فيصبح الاستيراد نفسه حقلاً من ألغام، في النفط وغيره من السلع الأساسية التي تستوردها الجزيرة. ويُضاف إلى ذلك تراجع الاستثمار والسياحة لأن أي تعامل يُقرأ كخطر قانوني ومالي.
تتضح وظيفة الخنق عند النظر إلى ميزان الطاقة الكوبي. فاحتياج البلاد اليومي يقارب 110 آلاف برميل، بينما يغطي الإنتاج المحلي جزءاً من الطلب، ويبقى الباقي معتمداً على الاستيراد. وعندما تهتز قنوات الاستيراد، لا يظهر الأثر في قطاع واحد، وإنما ينتشر عبر الشبكة كلها: محطات الكهرباء تعمل تحت ضغط وقود متقطع، والنقل العام يتراجع، والتصنيع والزراعة يهبطان بسبب انقطاع الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد. كما ترتفع تكلفة الغذاء مع تعثر التبريد والتوزيع، وتتأثر المستشفيات بما تحتاجه من تيار ثابت لتشغيل الأجهزة وحفظ الأدوية. ولا ينفصل ذلك عن التضخم المزمن لأن ندرة الطاقة ترفع تكلفة كل سلعة وخدمة، من الخبز إلى النقل إلى الصيانة. والجدير ذكره أن جزءاً كبيراً من المنظومة الكهربائية يعتمد محطات حرارية قديمة تحتاج وقوداً منتظماً لا ينقطع؛ ويظهر ذلك جلياً في ساعات الانقطاع خلال السنوات القليلة الماضية.
وحتى وقت قريب، كانت ترتيبات التوريد من فنزويلا تخفف جزءاً من الضغط لأنها وفرت للجزيرة هامشاً لإدارة الندرة عبر وقود مدعوم ومقايضات خدمية. بيد أن قطع هذه القناة في مطلع العام الجاري، بالتزامن مع التصعيد الأميركي في الكاريبي والعدوان العسكري على فنزويلا، أعاد الأزمة إلى مستوى أخطر، إذ فقدت كوبا مورداً كان يضمن قدراً من الاستقرار في الإمداد.
وبخلاف الرواية التي تحاول تحميل الداخل وحده مسؤولية الانقطاع، فإن الترتيب الحقيقي هو تضييق التوريد ثم رفع التكلفة ثم تحويل النتائج إلى مادة دعائية ضد الحكومة. كما أن التضييق على فنزويلا لم يكن حدثاً منفصلاً، وإنما خطوة لحرمان كوبا من شريان طاقة أساسي ودفعها إلى القبول بشروط سياسية. وهكذا، تتحول الأزمة إلى أداة تفاوض قسري لا إلى أزمة سوق، وذلك على حساب سيادة كوبا، وبذلك تتقاطع الساحتان الكوبية والفنزويلية.
وضمن هذا السياق، برزت المكسيك باعتبارها اختباراً لحدود الابتزاز الأميركي في المنطقة. فقد ميزت الرئيسة كلوديا شينباوم بين مسار تعاقدي تنفذه شركة "بيميكس" الحكومية، وبين مسار مساعدات إنسانية، في محاولة لحماية قرار سيادي من تحويله إلى "جريمة تجارية".
ومع ذلك، فإن التعرفات المقترحة لا تعاقب كوبا فقط، وإنما تضع المكسيك أمام خطر يتعلق بصادراتها إلى السوق الأميركي، وهو ما يكشف أن الهدف ليس تنظيم تجارة النفط بل فرض انضباط سياسي على دول ثالثة. وبالمقابل، تؤكد المكسيك أن توقف الوقود يعني تعميق أزمة الكهرباء والمستشفيات والنقل، وأن المساعدة ليست ترفاً سياسياً بل ضرورة إنسانية. وهكذا تُدفع دولة محورية في الإقليم إلى الاختيار بين سيادتها وبين تكلفة اقتصادية تُفرض عليها من الخارج.
أما البدائل المتاحة لكوبا، فهي قائمة لكنها مكلفة زمنياً ومالياً. فالدعم الروسي يمكن أن يخفف بعض الاختناقات عبر شحنات طارئة ومساعدة تقنية لتحديث محطات أو توفير وقود، فيما يدفع المسار الصيني باتجاه حلول أكثر بنيوية، مثل توسيع الطاقة الشمسية وتوريد المعدات، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود المستورد تدريجياً. وكذلك تظهر قنوات إمداد من دول أخرى، لكن معظمها يظل خاضعاً لشبكة الردع الأميركية التي تستهدف الشحن والتأمين والتمويل.
لذلك، لا يصح تصوير البدائل كحل سريع، وإنما كمسار مقاومة يتطلب إدارة طوارئ داخلية، وترتيبات دفع غير تقليدية، وصبراً على تكلفة انتقالية مرتفعة. وفي الوقت ذاته، يُظهر هذا المسار أن الحصار يدفع كوبا قسراً إلى إعادة هيكلة منظومتها الطاقية، لكنها تحتاج مع ذلك إلى استثمارات وحماية لوجستية.
يستند ردّ القيادة الكوبية على التصعيد الجاري إلى معادلة واضحة: رفض الإكراه مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً على قاعدة الندية. فتصريحات الرئيس ميغيل دياز كانيل ووزير الخارجية برونو رودريغيز ركزت على أن العقوبات تستهدف فرض حصار كامل على الوقود عبر تخويف الدول الأخرى، وأن الذريعة الأمنية لا تستند إلى وقائع بل إلى رغبة في فرض وصاية.
وفي الوقت ذاته، أعادت هافانا التأكيد أنها لا تعادي الشعب الأميركي، وأنها مستعدة لعلاقة طبيعية إذا احتُرمت سيادتها، وأن الحوار لا يمكن أن يكون تحت الضغط أو عبر ابتزاز الغذاء والدواء. وهذا التمييز يقطع الطريق على محاولة تحويل الأزمة إلى فخ تنازلات، ويعيدها إلى أصلها: صراع على حق شعب دولة صغيرة في شراء ما يلزمه للعيش. ومن هنا، يصبح الدفاع عن الطاقة جزءاً محورياً من الدفاع عن الاستقلال السياسي والاجتماعي في الجزيرة الكوبية المحاصرة.
وعلى الصعيد الدولي، تظل عزلة واشنطن السياسية واضحة في التصويت المتكرر داخل الأمم المتحدة ضد الحصار المفروض على كوبا، وفي مواقف دول عديدة تعتبر العقوبات الأميركية بمنزلة تدابير قسرية أحادية تتعارض مع مبادئ القانون الدولي.
بيد أن هذا الإجماع لا يكفي وحده ما لم يتحول إلى ترتيبات عملية تحمي الإمداد والتمويل، لأن الولايات المتحدة تراهن على قوة الردع المالي لا على الإقناع السياسي.
وفي المحصلة، يكشف حصار النفط عن طبيعة المشروع الإمبريالي في البحر الكاريبي: تحويل احتياجات أساسية مثل الوقود والكهرباء إلى أدوات لإعادة هندسة المجال السياسي عبر الإفقار والإرهاق. أما كوبا المقاوِمة والصامِدة، فهي تواجه ذلك بمحاولة تثبيت الخدمات الأساسية وتوسيع التحالفات وتطوير بدائل طاقة، مع إدراك أن المعركة طويلة.
والترتيب الحقيقي لوقائع اللحظة واضح: الخنق بالحصار لعقود أولاً، ثم نشوء أزمات نتيجة ذلك الحصار، ثم محاولة استخدام هذه الأزمات ذريعة لتغيير النظام.