الجزائر ومعادلات الأمن في منطقة الساحل..هل غادرت ساحة "المتفرجين" على الأزمات؟
رغم أنه من المبكر الحكم على طبيعة التحرك الجزائري الأخير في أحداث محاولة التمرد العسكري الفاشل في النيجر، فإن أن كسر الجزائر لقاعدة وعقيدة عسكرية ودستورية ظلتا صامدتين لعقود، لناحية عدم إرسال قوات خارج الحدود الجزائرية، شكل مفاجأة للداخل والخارج. كما أن تطور التحرك الجزائري سياسياً وعسكرياً بالساحل منذ وصول الرئيس، عبد المجيد تبون، يقدم صورة مغايرة تماماً هي أن هذه الخطوة جاءت مسنودة باعتبارات دستورية وسياسية تكشف أننا أمام جزائر جديدة تعيد تعرف أمنها الاستراتيجي والإقليمي.
-
الجيش الجزائري يجري تمرينا عسكريا بالذخيرة الحية
أربع طائرات سوخوي تابعة للجيش الجزائري تحلق في سماء النيجر، مشهد مفاجئ وفق المعايير الراسخة للعقيدة العسكرية الجزائرية، لكن المفاجئ أكثر كان التواجد العلني لضباط وجنود جزائريين على أراضي الجارة الجنوبية، جنباً إلى جنب مع القيادة العسكرية في نيامي، في مهمة قالت وزارة الدفاع الجزائرية إنها "تنفيذاً" لأوامر الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، الذي تلقى طلبا رسمياً للمساعدة من طرف رئيس المجلس العسكري في النيجر، عبد الرحمن تياني.
تعديل دستور 2020.. خطوة استباقية
لفهم ما حدث يوم 30 آب/أغسطس يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء، وتحديداً إلى بداية تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تاريخ الاستفتاء على التعديل الدستوري الأول في عهد الرئيس تبون، ومن بين جميع المواد التي طرحت على الناخبين وقتها، مادة بعينها أثارت الكثير من الجدل، البعض لم يتحرج في إرسال إشارات توجس من المادة "91"، التي منحت رئيس الجمهورية الجزائري ولأول مرة صلاحية إرسال قوات من الجيش خارج الحدود في مهام محددة بعد الحصول على موافقة ثلثي أعضاء البرلمان. مبعث القلق في تلك الفترة، أن الخطاب السياسي الرسمي حرص على تقديم الخطوة، تحت عنوان الإجراءات الروتينية الاحترازية، وأن العقيدة العسكرية الجزائرية لم تتغير، وأن أي انخراط جزائري في أتون أي نزاع مسلح خارج الحدود، غير ممكن بأي حال من الأحوال.
لكن التطمينات السياسية والعسكرية الرسمية، وإن كانت صحيحة تماماً في شكلها، إلا أنها لم ولا تنفي حقيقة، أن التعديل الدستوري، جاء في سياق قراءة جزائرية متداركة للتحولات الجيوسياسية في الإقليم والعالم. وحجر الزاوية في هذه القراءة، كانت أن الجزائر لن تسمح أن "تخدع مرتين"، حين يتعلق الأمر بأمنها القومي، وسابقة انهيار الأوضاع في الجارة الشرقية ليبيا عقب تدخل حلف "الناتو" تحت ذريعة حماية الشعب الليبي، دفعت الجزائر من أمنها واستقرارها واستنفارها أثمانا باهظة.
وضمن هذا الإطار يمكن أن نفهم التصريحات اللافتة التي أطلقها تبون بعد ذلك في كانون الثاني/يناير 2020، حين حاول المشير خليفة حفتر الهجوم على العاصمة الليبية طرابلس، جاء الرد الجزائري على لسان القائد العام للقوات المسلحة الجزائرية، عبد المجيد تبون، واضحاً وحاسماً حين قال بوضوح لكل من يعنيه الأمر " طرابلس خط أحمر"، وكانت تلك أول "إشارة صلبة" تطلقها القيادة الجزائرية حين يتعلق الأمر بنزاع مسلح على حدودها.
الجزائر والنيجر.. أكبر من مجرد مصالح
لكن اختزال التحرك الجزائري المستجد في شكله وأدواته، للتعامل مع الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدتها النيجر، في الجانب العسكري فقط، يبدوا قراءة مجتزاة ومتسرعة، لأن خبر انخراط طائرات سوخوي جزائرية في الدعم والمساعدة استجابة لطلب نيامي، سبقه وعلى مدار أسابيع وبشكل منتظم، تقارير عن تحرك دبلوماسي وسياسي واقتصادي مكثف وقوي تجاه النيجر، عقب نجاح قيادة البلدين في تجاوز أزمة عابرة على خلفيات توتر الأوضاع بين الجزائر ومالي.
من هنا يمكن أن نضع التحرك العسكري واللوجيستي الجزائري لدعم النيجر، ضمن مقاربة أوسع وأشمل، بدأت مبكراً بالتحضر وعلى أكثر من مستوى، للتحولات والاضطرابات التي قد تشهدها منطقة الساحل، والسياق الزمني بدأ مباشرة بعد اندلاع الأزمة الليبية وما تبعها من تداعيات على كل الإقليم، ولاحقا التدخل الفرنسي في منطقة الساحل، وتحديدا في مالي.
وفي الزاوية الأوسع كان مرتبطاً أيضاً بتطور الأحداث في مناطق أوسع وأبعد عن الإقليم، والدوائر الأمنية والاستخبارية الجزائرية كانت تتعامل بمنتهى الجدية مع التقارير التي كانت تضع أفريقيا في بؤرة التوتر القادمة مباشرة بعد الأزمة الأوكرانية، والتمدد الدراماتيكي والمرعب لتنظيم "داعش" في العراق وسوريا سنة 2014.
وضمن هذا السياق يمكن نقرأ الخطوة الجزائرية بالانخراط المباشر والعلني في توتر أمني خارج حدودها، على عدة مستويات، وجميعها مرتبطة بإعادة قراءة مفهوم الأمن القومي الجزائري في ضوء الاضطرابات والتحولات التي يشهدها النظام الدولي، على الأقل منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية وطوفان الأقصى، على اعتبىار أن الرؤية الجزائرية في التعاطي مع تداعيات مايسمى "الربيع العربي" اتسم بالتحفظ والدعوة إلى تغليب لغة الحوار.
وهذه المقاربة التي كانت قاعدة العمل الدبلوماسي في عهد الرئيس الراحل، عبد العزيز بوتفليقة، محل نقد ومراجعة في الأيام الأولى لحكم الرئيس تبون، حين شدد في "مؤتمر برلين" عن الأزمة الليبية، في 19 كانون الثاني/يناير 2020 ، أن الجزائر لن تقبل أن تكون طرفاً هامشياً في أزمة على حدودها المباشرة. وهذا السياق يمنحنا تصورا على أن رحلة طائرات السوخوي في سماء نيامي، يوم 30 آب/أغسطس، أكبر من مجرد ردة فعل ظرفية، بقدر ماهي نتاج رؤية بدأ التحضير لها منذ الأيام الأولى للرئيس الجزائري الحالي في سدة الحكم، وعلى هذا الأساس يمكن أن نقسم عوامل التحرك الجزائري في أزمة النيجر الأمنية الأخيرة إلى:
أولاً: عوامل مرتبطة بالأهمية الاستراتيجية للنيجر للأمن القومي الجزائري
صحيح أن الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية، تأتي في المقام الأول في محددات العلاقة التي تربط الجزائر بالنيجر، على اعتبارشساعة الحدود التي تربط البلدين، مما يفرض تحديات كبيرة على الجيش الجزائري، وأيضاً بسبب أن النيجر تقع في منطقة تصنف بأنها من أخطر المناطق لجهة التهديدات الإرهابية في العالم. إلا أن العامل الاقتصادي لا يقل أهمية عن الجوانب الأمنية، خاصة بعدما قطع مشروع الغاز للصحراء الكبرى نيجيريا النيجر الجزائر خطوات متقدمة جداً، ما يمنح الاقتصاد الجزائري، وبالتالي السياسة الجزائرية أوراقاً قوية في المشهد الطاقوي العالمي، وتحديداً في السوق الأوربية. يضاف إلى ذلك خط السكك الحديدية الذي يربط الموانئ الجزائرية في شمال البلاد باقصى الجنوب، مما يحول الجزائر إلى بوابة حقيقية وقليلة التكلفة، للاقتصاديات الكبرى التي تبحث عن موطئ قدم في الأسواق الأفريقية.
يبقى هناك عامل أخير، وقد يكون الأخطر في بعض المراحل والمحطات، وهو العامل الانساني والاجتماعي، لأن التداخل الديمغرافي والقبلي في أقصى جنوب الجزائر ومنطقة الساحل يفرض على جميع دول المنطقة التعامل بمنطق أن السياسة تتغير والجغرافيا باقية. من هذا المنطلق تتعامل الجزائر بالكثيرمن الحذر والحساسية مع الملف وتضعه على رأس سلم أولوياتها، مع النيجر ومالي تشاد وبوركينا فاسو. والزائر لكبرى المدن الجزائرية يدرك أن السلطات الجزائرية ومنذ سنوات طويلة تتعامل مع ملف الهجرة غير الشرعية القادمة من هذه الدول، بالكثير من المرونة والتساهل، لأنها تضع العامل الانساني والاجتماعي في المقام الذي يستحق، وهذه النقطة قد تكون من العوامل التي ساهمت إبقاء العلاقات بين الجزائر وشعوب دول الساحل جيدة، رغم بعض التواترات الطارئة.
ثانياً: الجزائر لاتريد تكرار سيناريو السودان في النيجر
العامل الثاني، الذي يفسر سرعة تدخل الجزائر عسكرياً، لتقديم المساعدة لسلطات النيجر، هو إدراكها أن ما يجري، يتجاوز التململ الداخلي، ومراجعة السيناريو الليبي، وفوضى الخرائط في الصومال، ولاحقاً تحرك قوات "الدعم السريع" في السودان بدعم خارجي واضح، كل هذه الاعتبارات دفعت الجزائر إلى اتهام الإمارات وبشكل علني وواضح بزعزعة استقرار المنطقة. وفي هذا الإطار رصدت الدوائر الاستخباراية الجزائرية تحركات لأبو ظبي في دول منطقة الساحل تحت عناوين اقتصادية استثمارية وأحياناً إغاثية. كل هذه التحركات تضعها القيادة الجزائرية في دائرة المشروع المشبوه الذي تقوده الإمارات في الشرق الأوسط وأفريقيا لتعزيز الحضور والنفوذ الصهيوني.
ومن يتابع خطابات وتصريحات الرئيس تبون في هذا السياق، يلحظ تركيزاً واضحاً على خطورة سيناريو "التمدد عبر الفوضى"، الذي يعتمده اللوبي الصهيوني الإماراتي، وضمن هذا الإطار جاءت الاستجابة الجزائرية العسكرية السريعة لمحاصرة الأزمة المندلعة في النيجر لإدراكها أن السيناريو المعد للنيجر لايختلف عن ماحدث في السودان، وقبلها في ليبيا.
ثالثاً: الانتقال من مراقبة ساحة الساحل إلى الفاعلية فيها
تدرك الجزائر جيداً أن القارة الأفريقية بشكل عام، ومنطقة الساحل على وجه التحديد، ولاعتبارات متعددة ومركبة، باتت من أهم ساحات الاستقطاب الاستراتيجي والاقتصادي. أولاً بسبب الهشاشة والفراغ المؤسساتي في دول المنطقة، ما يجعل عملية التغلغل والنفوذ أسهل. وثانياً غنى القارة السمراء بالاحتياطات الطاقوية والمعادن بكافة أنواعها، التقليدي والنادر منها، والأهم أن أفريقيا تعتبر من أهم وأكبر الأسواق الناشئة في العالم، ما يجعلها الوجهة المستقبلية الأساسية لعمليات التصدير.
وتفاصيل ما حدث في النيجر، حين سارعت روسيا عن طريق "الفيلق الأفريقي"، لتقديم المساعدة الحاسمة لوأد التمرد العسكري، الذين قاده بعض الضباط في جيش النيجر ضد رئيس المجلس العسكري الحاكم في البلاد، عبد الرحمن تياني، أكد للجزائر أهمية منطقة الساحل لقوى مستجدة على الساحة الأفريقية، وعلى رأسها موسكو.
من هنا جاءت الرسالة الجزائرية واضحة بأنه صحيح أنها لا تريد الخلاف أو التصادم مع حليف تاريخي واستراتيجي مثل روسيا، لكنها قطعاً غادرت إلى غير رجعة "ساحة المتفرجين" على الأحداث الكبرى التي تندلع بجوارها. وفي الخلفية تدرك الجزائر أنها تمتلك أوراقاً وميزات يفتقدها الشركاء والخصوم على حد سواء، وهي المرونة اللوجستية والتكتيكية للتحرك الميداني، والثقل التاريخي والاجتماعي والمعنوي لدى شعوب المنطقة، وهو الأمر الذي يمنحها أفضلية القيادة على قاعدة الشراكة والتفاهم مع القوى المستجدة. يضاف إلى ذلك أن غالبية الدول الجديدة التي إما انخرطت أو تبحث دور ما في منطقة الساحل تجمعها علاقات جيدة مع الجزائر، بدء من موسكو، الصين، تركيا، إيران والسعودية، في مواجهة لوبي صهيوني فرنسي غربي لا يحظى بسمعة جيدة لدى الشعوب الأفريقية.
رابعا: إعادة تعريف جغرافيا الأمن القومي الجزائري
ربما يكون من أهم الرسائل التي حرصت القيادة السياسية والعسكرية الجزائرية على توجيهها في تحركها الميداني غير المسبوق في منطقة الساحل، هو تقديم رؤية جديدة لكل الأطراف المعنية في الجوار المباشر والإقليم ، أن الأمن القومي الجزائري لم يعد ينتهي عند الحدود الجزائرية، وإنما في كل الساحات التي قد تشكل تهديداً محتملاً لأمن واستقرار الجزائر. والمقاربة في معالجة أزمات الإقليم انتقلت من مرحلة معالجة تداعيات حروب وتدخلات الآخرين في العمق الاستراتيجي الجزائري، إلى التحرك الاستباقي المباشر والحاسم لإطفاء فتيل الأزمات المفتعلة، واحباط سيناريوهات التمدد عن طريق الفوضى.
ومن يفحص ما هو معلن فقط عن قدرات الجزائر العسكرية والاستخبارية يمكنه أن يدرك بسهولة أنه يتعامل مع قوة إقليمية وازنة لطالما غلبت لغة الدبلوماسية والسياسة وفقط ، في إدارة التوترات التي تندلع بجوارها. وهي أدركت أن هذه الرؤية لم تكن مجدية ولم تعد كذلك، خاصة أن التحديات والتحولات التي يشهدها الإقليم والعالم غير مسبوقة. وبالتالي باتت الحاجة ملحة لمقاربة غير مسبوقة ، فهل يتدرحرج التحرك الجزائري من رحلات السوخوي إلى عاصفة السوخوي في التعامل مع دائرة النار التي تحيط بها؟