التصعيد في شرق آسيا: أزمات سياسية و"احتواء" عسكري

المستوى العسكري الأميركي يستشعر توجهاً عند الخصوم إلى الاحتذاء بإيران، في فرض معادلة سيادة في المحيط الجغرافي القريب في شرق آسيا.

  • التصعيد في شرق آسيا: أزمات سياسية و
    التصعيد في شرق آسيا: أزمات سياسية و"احتواء" عسكري

قبل ساعات من بدء مناورات "درع الحرية أولتشي" السنوية بين البلدين، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصة "تروث سوشيل" توجيهاً إلى وزير الدفاع بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كويا الجنوبية، منوّهاً برفضها الانضمام إلى الحرب على إيران، وبعلاقته الجيدة - وفق قوله - برئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ووصف المناورات بأنها مكلفة، و"ترسل إشارة عدائية غير مناسبة" إلى كوريا الشمالية، التي لم تكن مصدر تهديد خلال فترة وجوده في البيت الأبيض.

واتفق الطرفان على إنهاء المناورات في 21 آب/ أغسطس 2026، وفق إعلان هيئة الأركان المشتركة الكورية الجنوبية، وكان مقرراً أن تنتهي في السابع والعشرين من الشهر نفسه. ما يعني تقليص مدة المناورة إلى النصف وفق قرار واشنطن.

وبموازاة زيارة وزير الخارجية الصيني إلى البلاد لإجراء محادثات عن أمن المنطقة، دعا الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى تسريع استعادة (السيطرة العملياتية على القوات في زمن الحرب). وهي سياسة التحالف العسكري المتبعة بين الطرفين، التي تمتلك الولايات المتحدة بموجبها هذه السيطرة حتى الآن، بعد استعادة كوريا الجنوبية السيطرة العملياتية على القوات في زمن السلم عام 1994. وفي الخلفية سعي إلى إنتاج محلي من الغواصات النووية، لتعزيز القدرة على الدفاع عن النفس، وفق إعلان وزير الدفاع في أيار/ مايو الماضي.

اللافت أن المؤسسة العسكرية الأميركية سارت في اتجاه مغاير. وكانت أكدت، في إعلان مشترك مطلع الشهر الحالي، على أهمية مناورات "درع الحرية أولتشي"، على لسان ريان دونالد، مدير الشؤون العامة لقيادة القوات المشتركة وقيادة الأمم المتحدة والقوات الأميركية في كوريا، وقد وصفها أنها "تعكس الطبيعة المتغيرة للحرب وتصاعد استخدام الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية"، وقال إن عودة مقاتلي كوريا الشمالية في أوكرانيا إلى بلادهم "بالدروس المستفادة"، يغير قدرات بيونغ يانغ ويجعل المناورات "تأخذ هذا التهديد في الحسبان". وقال الحليفان وقتها إن المناورات ستختبر القدرات العملياتية، وتُقام دعماً لتدريبات التأهب للطوارئ التي تجريها الحكومة الكورية الجنوبية.

وأعلنت كوريا الجنوبية أنها رصدت إطلاق بيونغ يانغ 10 صواريخ باليستية قصيرة المدى، بعد ساعات من إعلان ترامب أنه سيلتقي كيم جونغ أون قبل نهاية العام. ولم يزل موقف كوريا الشمالية ممتنعاً عن الاستجابة لتودد ترامب للرئيس كيم جونغ أون، وعلى العكس، صعّد الإعلام الرسمي لهجته ضد الولايات المتحدة بعد قرار تقليص المناورات، مع تهديد بـ"تحييد التهديد العسكري للأعداء بشكل كامل". ما يتّسق ومحدد هام وضعته كوريا الشمالية لسياستها تجاه هذا الصراع، وهو التخلي عن مطالبة الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بنزع السلاح النووي، قبل إطلاق أي مباحثات للتفاهم.

كانت وزارة الخارجية الكورية الشمالية اتهمت الطرفين، قبل قرار التقليص، بالتخطيط لمناورات "أكثر استفزازاً هذا العام"، وتعهدت بالرد "بمستوى ردع جديد"، ووصفت المناورات أنها "تدريب على حرب عدوانية"، وأن تدريبات هذا العام ذات طبيعة استفزازية وخطرة أكثر من العام الماضي. وبعد القرار، وصفته شقيقة الرئيس الكوري الشمالي أنه "لا يستحق التعليق وليس لنا مصلحة فيه"، وأكدت أن "الطبيعة الاستفزازية والعدوانية للمناورات لن تتغير حتى لو قلصت مدتها وحجمها".

ولا يمكن فصل قرار ترامب عن ما تردد منذ أشهر عن خطة إعادة الانتشار، التي وضعها البنتاغون لإعادة نشر 4500 جندياً من كوريا الجنوبية إلى مواقع أخرى، منها جزيرة غوام في المحيط الهادىء، نقطة الانطلاق القريبة  للجيش الأميركي نحو مضيق تايوان والصين وكوريا الشمالية، وقالت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية وقتها إنه لم تجرِ أي محادثات رسمية بهذا الشأن. ومن ناحية أخرى، تحظر النسخة التي أعدها مجلس الشيوخ من قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 (NDAA)، تخصيص أموال لخفض عدد أفراد القوات العسكرية الأمريكية في كوريا الجنوبية إلى أقل من 28,500 جندياً، ما لم يتم تقديم شهادة بأن التخفيضات تخدم مصالح الأمن القومي الأميركي، بعد التشاور مع الحلفاء.

يبدو أن الحرب على إيران وتداعياتها اضطرت الولايات المتحدة إلى تنفيذ إعادة انتشار للقدرات والقوات، على نطاق واسع، للتعامل مع ضغط كبير على المؤسسة العسكرية، ناتج عن دمار قواعدها في الخليج ونقص الصواريخ الاعتراضية والإمدادات، والترهل الإداري واللوجستي، الذي كشفته أنباء انهيار الخدمات والمعنويات في حاملة الطائرات أبراهام لينكولن. مع سحب منصات صواريخ اعتراضية من كوريا الجنوبية سابقاً، لمواجهة القصف الإيراني، وقرار نقل قوات من ألمانيا إلى بولندا، وما ذكره تقرير نشرته واشنطن بوست مؤخراً أن البنتاغون يدرس سحب القوات من الشرق الأوسط، بعد تدمير أكثر من 17 موقع وقاعدة وتلف معداتهم، وخسائر تقارب 5 مليار دولار. 

تبدو إعادة تموضع القوات الأميركية متحلقةً حول الصين وروسيا، إذ تعتبر إدارة ترامب الأولى "التهديد المحدد لوتيرة التخطيط العسكري"، وتلاحق خطوات الثانية في أوكرانيا، وقد أقنعتها إدارة زيلينسكي بقدرة على ضرب روسيا. لكن من ناحية أخرى تواكب إعادة التموضع تصعيد قائم بالفعل، في شرق آسيا وشرق أوروبا، يشمل أطرافاً أخرى، وحلفاء للولايات المتحدة، مثل اليابان، التي راقبت بحذر مؤخراً زيارة بوتين إلى جزر الكوريل المتنازع عليها، وأدانت في الساعات الماضية إطلاق روسيا صواريخاً من غواصات نووية في محيط الجزر، وقد هددتها كوريا الشمالية بـ"ضربة مدمرة فورية لا نجاة بعدها"، حال استمرار ما اعتبرته "تحركات يابانية لتعزيز القدرات العسكرية".

وفي خلفية المشهد احتكاك بحري يتواصل بين الصين والفلبين، والصين واليابان، حول جزر سينكاكو، المعروفة في الصين باسم جزر دياويو، الواقعة بين تايوان وأوكيناوا اليابانية. ويزور قائد قيادة العمليات الخاصة الأميركية الفلبين وكوريا الجنوبية واليابان، معلناً تكثيف تدريبات الجاهزية القتالية مع الفلبين ودول آسيوية أخرى، وأنه ناقش مع نظرائه جهود الجيش الفلبيني لتحديث قواته، و"توسيع نطاق التحالفات الأمنية لردع الأعمال العدائية المتزايدة للصين في بحر الصين الجنوبي"، مؤكداً أن الطريقة المثلى لمنع الصراع هي القدرة على إثبات أن من قد يرغب في إشعاله لن ينتصر. 

يستشعر المستوى العسكري الأميركي توجهاً عند الخصوم إلى الاحتذاء بإيران، في فرض معادلة سيادة في المحيط الجغرافي القريب. وهو ما تطبقه الصين بالفعل آخر عشر سنوات تجاه بحر الصين الجنوبي، وتطبقه روسيا تجاه أوكرانيا، لكنه يكتسب الآن خطورة أكبر بعد أن باتت الهيمنة البحرية الأميركية موضع تساؤل واسع، ولم تضف إدارة ترامب إلى منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ سوى مناورات عسكرية واسعة النطاق مع الفلبين، شاركت فيها اليابان وأستراليا وكندا وفرنسا، وغموض استراتيجي ومناورات سياسية وتصريحات متضاربة بشأن الموقف الرسمي من تايوان وكوريا الشمالية. 

والخلاصة بقاء عوامل الاضطراب وغياب الحلول السياسية هناك. واضطراب في السياسات الأميركية ذاتها، واتساق خطواتها، لتلبية متطلبات متناقضة، مثل الحفاظ على وضع الهيمنة، بوجهه العسكري، والوفاء بتهديدات ترامب، والتهدئة والاستمالة للأطراف الأقل اندماجاً في النظام الدولي، والأكثر استعداداً للتصعيد العسكري، مثل كوريا الشمالية.  

اخترنا لك