البرازيل تقترع وواشنطن تضع ثقلها خلف بولسونارو الابن
يتوجه البرازيليون للاقتراع في انتخابات رئاسية تشهد منافسة حادة بين لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو، وسط تدخّل واشنطن عبر الرسوم الجمركية والضغط الاقتصادي للسيطرة على المعادن النادرة وتغيير التوازنات السياسية في أميركا اللاتينية.
-
البرازيل تقترع وواشنطن تضع ثقلها خلف بولسونارو الابن
يتوجّه نحو 158.7 مليون ناخب برازيلي يوم الأحد المقبل، الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، لاختيار رئيس الجمهورية ونائبه و513 نائباً و54 من أصل 81 مقعداً في مجلس الشيوخ وحكّام الولايات السبع والعشرين ومجالسها التشريعية.
وقد انتهت أمس الخميس الدعاية الانتخابية في الإذاعة والتلفزيون على سباق يقف عند حافة التعادل، فقد منح استطلاع مؤسسة "كويست"، المنفَّذ بين 24 و27 أيلول/سبتمبر، الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا 39% مقابل 34% للسيناتور فلافيو بولسونارو – ابن الرئيس السابق جايير بولسونارو المستبعد من السباق السياسي والمحكوم عليه بالسجن لمدة 27 عاماً – مع تساوٍ عند 42% في جولة ثانية.
وسجّلت مؤسسة "داتافوليا" 40% مقابل 36%، فيما قاربت مؤسسة "أطلس إنتل" بينهما إلى 45.8% مقابل 43.4%، وجميعها بعيدة عن عتبة الخمسين في المئة التي تحسم الاقتراع من جولة واحدة.
وقد رفع جهاز الاستخبارات البرازيلي في أواخر آب/أغسطس الماضي احتمال التدخّل الأميركي في العملية الانتخابية إلى "المستوى الحرج"، في تقرير سرّي أُرسل إلى رئاسة الجمهورية والمحكمة العليا للانتخابات ووزارة العدل.
ويحدّد التقرير، وفق ما نشرته صحيفة "فوليا دي ساو باولو"، هدف واشنطن بتقليص نفوذ منافسيها في القارة وحرمانهم من الوصول إلى الأصول الاستراتيجية والموارد الطبيعية والبنى التحتية، لمصلحة سيطرة مباشرة أو غير مباشرة للحكومة الأميركية أو لرأس المال الأميركي الخاص، ويضع وزير الخارجية ماركو روبيو في موقع الفاعل المحوري في هذه الاستراتيجية.
وفي أيلول/سبتمبر الماضي استقبلت برازيليا وفداً فرنسياً-ألمانياً أبلغه مسؤولو جهاز الاستخبارات بتدخّل أميركي يمتدّ من الحرب القانونية إلى أفعال معلنة، وبأنّ الهجمات السيبرانية تضاعفت تقريباً عن العام الماضي.
وتمثّل الرسوم الجمركية الأداة الأقدم في هذه الحملة الأميركية على البرازيل، فقد فرض ترامب في آب/أغسطس 2025 رسوماً بنسبة 50% على السلع البرازيلية بذريعة محاكمة جايير بولسونارو، قبل أن تُسقطها المحكمة العليا الأميركية في شباط/فبراير الماضي، فأُعيد تركيبها على أساس قانوني أمتن عبر المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، برسم 25% سرى في 22 تموز/يوليو وآخر بنسبة 12.5% بذريعة العمل القسري في سلاسل التوريد، ليبلغ المجموع 37.5% ويطاول 23.1% من الصادرات البرازيلية إلى السوق الأميركية.
والجدير ذكره أنّ مسوّدة أميركية سُلّمت إلى المفاوضين البرازيليين في تشرين الأول/أكتوبر 2025 تضمّنت 21 شرطاً لرفع الرسوم، من بينها ضمان مشاركة "المعارضين السياسيين" في الاقتراع ووصول تفضيلي لشركات أميركية إلى المعادن الحرجة، فيما استهدف الرسم القطاعي نظام الدفع الفوري البرازيلي الرسمي المسمّى "بيكس".
وفي السادس والعشرين من أيار/مايو الماضي، جلس فلافيو بولسونارو مع ترامب في البيت الأبيض وبحث معه الرسوم والمعادن النادرة، وتعهّد بالانضمام إلى تحالف "درع الأميركيتين" إذا انتُخب، وقدّم طلباً مركزياً واحداً هو تصنيف أكبر تنظيمين إجراميين في بلاده منظمتين إرهابيتين. وبعد يومين أعلن روبيو التصنيف ليسري في الخامس من حزيران/يونيو، وأُبلغت الحكومة البرازيلية به بعد شهور من اعتراضها العلني والخاص ومن دون أن تُستشار.
ويمنح هذا التصنيف غطاءً قانونياً لعمل أميركي أحادي خارج الحدود، وهو المسار الذي سبق في فنزويلا ضربَ القوارب في الكاريبي الذي أوقع مئات القتلى، واختطافَ الرئيس نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي.
تملك البرازيل نحو 23% من احتياطي العالم المعروف من المعادن النادرة، وهي الثانية بعد الصين، في مقابل حصة من الإنتاج العالمي عند 1% تقريباً. وفي أيلول/سبتمبر الماضي نُشرت وثيقة من 22 صفحة أعدّها أندريه مارينيو، حليف بولسونارو الابن ومرشّح حكومة ولاية ريو دي جانيرو عن حزب "نوفو"، بعنوان "شراكة الازدهار" وبشعار حملته الرئاسية، وتعرض على شبكة المتبرّعين الترامبيين المعروفة باسم "روكبريدج" تحويل البرازيل إلى مركز توريد ومعالجة للمعادن الحرجة ضمن سلسلة موجَّهة ضدّ الصين، وقد رتّب الاتصال وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي الابن.
وفي نيسان/أبريل وقّعت شركة "يو إس إيه رير إيرث" اتفاقاً لشراء مجموعة "سييرا فيردي" المالكة لمنجم "بيلا إيما" في ولاية غوياس بنحو 2.83 مليار دولار، ضمن عقد توريد لخمسة عشر عاماً مع كيان مموَّل أميركياً يضمن أرضيات سعرية لكامل إنتاج المرحلة الأولى.
ويقوم برنامج بولسونارو الابن على إلغاء عشر وزارات على الأقل، واستئناف برنامج الخصخصة الوطني، ومراجعة الإصلاح الضريبي، وتعبئة 900 مليار ريال للبنية التحتية تأتي أساساً من القطاع الخاص، إلى جانب خفض سنّ المسؤولية الجنائية إلى ستة عشر عاماً.
ويَعِد بعفو عن والده وعن المشاركين في اقتحام مؤسسات الدولة في الثامن من كانون الثاني/يناير 2023، وبعزل القاضي ألكسندر دي مورايس الذي قاد التحقيقات في محاولة الانقلاب التي قام بها والده. وقد أرسل بنيامين نتنياهو رسالة مصوّرة لدعمه إلى مؤتمر "الحزب الليبرالي" في الخامس والعشرين من تموز/يوليو الماضي بحضور خافيير مايلي، وأعلن المرشّح في الثامن والعشرين من آب/أغسطس الماضي أول اسم في حكومته المحتملة، وهو كلاوديو لوتنبرغ وزيراً للصحة، وهو الرئيس الأسبق لاتحاد الجاليات الإسرائيلية في البرازيل.
وقد تراجع التضخّم السنوي من ذروة تجاوزت 12% في نيسان/أبريل 2022 إلى 4.22% حتى آب/أغسطس الماضي، وهبطت البطالة من 7.9% نهاية 2022 إلى 5.3% في الربع الممتد بين حزيران/يونيو وآب/أغسطس، وبلغ الفقر والفقر المدقع مستويين قياسيين منخفضين عند 23.1% و3.5% في 2024، وخرجت البلاد مجدداً من خريطة الجوع العالمية.
بيد أنّ النمو تباطأ إلى 1.1% في الربع الأول من العام الجاري و0.5% في الثاني، وبقي سعر الفائدة عند 13.75% بعد خمسة تخفيضات متتالية بربع نقطة، ما يُبقي الفائدة الحقيقية قرب 9.5% وهي من الأعلى عالمياً. وارتفعت أسعار كهرباء المنازل 7.42% في أيلول/سبتمبر وحده، وبقي دخل النصف الأفقر من السكان عند نحو 80% من مستواه في عام 2014.
وفي الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر الماضي، قبل تسعة أيام من الاقتراع، وقّع لولا مرسوماً موقّتاً يحظر المراهنات الرياضية والكازينوهات الرقمية، فطلبت الحكومة حجب 5209 مواقع وأكثر من ألفي حساب على منصّات التواصل، وتراجعت المدفوعات عبر "بيكس" نحو 10% خلال أيام.
ويؤيّد هذا القرار 62% من البرازيليين، فيما لجأت جمعيتان تمثّلان شركات القطاع إلى المحكمة العليا لتعليقه. وبالتوازي، هيمنت على الأسبوع الأخير شائعة عن سعي أوساط إنجيلية قريبة من بولسونارو الابن إلى نزع لقب "شفيعة" البرازيل عن سيدة أباريسيدا. ويشكّل الإنجيليون 26.9% من السكان ويميل 46% منهم إلى فلافيو مقابل 27% للولا، فيما يتقدّم الأخير بين الكاثوليك 48% مقابل 29% بعد مكاسب خمس نقاط خلال أسبوع.
لقد أفضى الضغط الأميركي حتى الآن إلى نتيجة معاكسة لمقاصده، إذ تحوّل الاقتراع من استفتاء على غلاء المعيشة إلى استفتاء على السيادة، وهو ميدان يملك فيه لولا أفضليته. ويرى 52% من البرازيليين، وفق "داتافوليا"، أنّ دافع ترامب من الرسوم سياسيّ هدفه دعم فلافيو، الذي طلب بدوره من واشنطن تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات لأنها تمنح خصمه نصراً سياسياً.
بيد أنّ هذه الأفضلية تصطدم بسقف مؤسساتي صلب، فالكونغرس أسقط في الثلاثين من نيسان/أبريل الماضي فيتو الرئيس على قانون يخفّض عقوبات المدانين بمحاولة الانقلاب، ورفض مجلس الشيوخ مرشّحه للمحكمة العليا في سابقة لم تتكرّر منذ عام 1894، وتشير التوقّعات إلى غرفة عليا أشدّ محافظة بعد انتخابات الأحد.
تكتسب هذه الانتخابات وزنها الحقيقي من موقعها في تسلسل قارّي. فقد حُسمت رئاسات هندوراس وبيرو وكولومبيا خلال أقلّ من عام بفوارق تقلّ عن 1% من الأصوات لمصلحة مرشّحين مدعومين علناً من واشنطن، وخسر اليسار البوليفي الرئاسة بعد عقدين من حكم البلاد، واتّسع تحالف "درع الأميركيتين" ليضمّ أكثر من خمس عشرة حكومة. والبرازيل، بناتج يقارب نصف ناتج أميركا اللاتينية وبعضوية مؤسِّسة في "بريكس"، هي العقبة الكبرى المتبقّية أمام استكمال هذا الترتيب، وتأتي جولة الإعادة المحتملة قبل تسعة أيام من انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
وأياً كانت النتيجة، فإنّ ما أظهرته الحملة الأميركية على البرازيل حتى الآن هو أنّ واشنطن تدير تدخّلها علناً وبأدوات دولة كاملة تمتدّ من الجمارك إلى التصنيفات الأمنية إلى صفقات التعدين، وأنّ ما يحدّ منها هو حجم البلد وتكلفة مواجهته وقدرة قاعدته الشعبية على الحضور.