الإسفلت كأداة سيطرة: الموازنة الإسرائيلية للطرق الاستيطانية في الضفة الغربية
تواصل حكومة الاحتلال توسيع شبكة الطرق الاستيطانية في الضفة الغربية ضمن خطة تهدف إلى ربط المستوطنات ببعضها وبالداخل المحتل، مقابل تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وعزل المدن والقرى عبر الحواجز والبنية الأمنية.
-
الطريق الممتد من مستوطنة "معاليه أدوميم" إلى القدس المحتلة
تمضي حكومة الاحتلال الإسرائيلي في إعادة رسم ملامح الضفة الغربية عبر شبكة متسارعة من الطرق الالتفافية التي لا تُعبد بالإسفلت فقط، وإنما تُرسم معها حدود جديدة للسيطرة والجغرافيا. فبينما تتوسع المستوطنات فوق التلال الفلسطينية، تتكفل الطرق بربطها ببعضها البعض وبالداخل المحتل عام 1948، لتتحول الأرض شيئاً فشيئاً إلى جزر فلسطينية معزولة تفصلها الحواجز والممرات العسكرية.
وفي هذا السياق، كشف المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان أن سلطات الاحتلال أقرت تخصيص أكثر من مليار شيكل إضافي لشق طرق جديدة تخدم المشروع الاستيطاني، بعد مصادقة وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزيرة المواصلات ميري ريغيف على الخطة ضمن موازنات تمتد بين عامي 2026 و2028. وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع تسارع المصادقة على مشاريع استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، إلى جانب الدفع بمخططات لبناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة في عدد من المستوطنات، في مشهد يعكس سعيًا متواصلًا لتكريس وقائع يصعب تغييرها مستقبلًا.
وفي موازاة شق الطرق، يواصل "المجلس الأعلى للتخطيط" التابع لـ"جيش" الاحتلال دراسة مخططات لبناء 643 وحدة استيطانية إضافية، بينما ارتفع إجمالي الوحدات التي جرى إقرارها أو ما تزال قيد المداولات منذ بداية العام الجاري إلى 3732 وحدة استيطانية، من بينها مشاريع واسعة في الأغوار الشمالية ومستوطنة "قدوميم" التي يقيم فيها سموتريتش. كما يشير التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية صادقت، منذ تشكيلها، على أكثر من 100 مستوطنة وبؤرة استيطانية ومزرعة رعوية، في حين أقر "كابينت" الاحتلال خلال اجتماع سري إنشاء 34 مستوطنة إضافية، ووفق التقرير فإن هذه المخصصات تضاف إلى 7 مليارات شيكل سبق أن رُصدت لمشاريع الطرق الاستيطانية، في استثمار ضخم يكشف الأهمية التي توليها الحكومات الإسرائيلية للبنية التحتية بوصفها أداة مركزية لترسيخ الاستيطان وتوسيع امتداده الجغرافي.
فالطرق الجديدة لا تُستخدم فقط لتسهيل حركة المستوطنين، وإنما لتثبيت حضور المستوطنات وربطها ببعضها البعض ضمن فضاء جغرافي متصل، في مقابل تفتيت الامتداد الفلسطيني وعزل المدن والقرى عن بعضها البعض. وتشمل المشاريع التي يجري تنفيذها أو التخطيط لها طريق حوارة الالتفافية عند مفترق زعترة، وطريق العروب، ونفق قلنديا، وطريق اللبن الغربية، وطريق النبي إلياس، والطوق الشرقي، إضافة إلى توسيع شارع 60 الذي يشق الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها، وطريق غوش عصيون الشرقية ـ البحر الميت. ومع كل طريق جديد، تتقلص المساحات المتاحة للفلسطينيين، وتتراجع فرص التوسع العمراني والتنمية الاقتصادية، بينما تتعمق حالة العزل الجغرافي التي تفرضها الحواجز والطرق العسكرية والبنية الأمنية المصاحبة لها. ويشير التقرير إلى أن حكومات الاحتلال شقت خلال السنوات الماضية أكثر من 952 كيلومتراً من الطرق الالتفافية، في مشهد يعكس كيف تحولت الطرق إلى أداة لإعادة تشكيل المكان، ليس فقط عبر تغيير تضاريسه، وإنما عبر إعادة صياغة العلاقة بين الأرض وسكانها، وبين المدن الفلسطينية التي باتت تفصلها طرق صُممت أساسًا لخدمة مشروع استيطاني آخذ في الاتساع.
منظومة سيطرة متكاملة
يشكل مشروع الطرق الاستيطانية في الضفة الغربية جزءاً محورياً من منظومة السيطرة الإسرائيلية المتكاملة، ولا يمكن فصله عن السياق السياسي والأمني العام الذي يدمج البنية التحتية مع أدوات الضبط الميداني. فشبكات الطرق لا تعمل بصورة مستقلة، وإنما ترتبط وظيفياً بجدار الفصل العنصري، والحواجز العسكرية، والبوابات الإلكترونية، والمناطق المغلقة، لتنتج نظاماً جغرافياً معقداً يعيد تنظيم الحيز الفلسطيني وفق رؤية تقوم على التحكم بالحركة والسكان والأرض ضمن منظومة رقابة دائمة ومتشابكة.
وتقوم هذه المنظومة على إنتاج واقع مزدوج للحركة والتنقل؛ إذ يتمتع المستوطنون بشبكة طرق حديثة وسريعة تربط المستوطنات مباشرة بالداخل المحتل وببعضها البعض دون المرور بالمراكز الفلسطينية، في حين يُدفع الفلسطينيون إلى مسارات أطول وأكثر تعقيداً تمر عبر الحواجز ونقاط التفتيش والإغلاقات المتكررة. هذا التباين ينعكس بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية، من الوصول إلى أماكن العمل والجامعات والمدارس إلى الخدمات الصحية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، ضمن حالة دائمة من عدم الاستقرار وإعادة ضبط الحركة. ولا تتوقف آثار هذه السياسات عند حدود حرية التنقل، بل تمتد إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، حيث يؤدي تشابك الحواجز والطرق الالتفافية وارتفاع كلفة النقل والتجارة إلى إضعاف الروابط بين المدن والقرى، وتعطيل حركة العمال والطلاب والمرضى، وتقليص فرص الاستثمار والتوسع العمراني. ومع استمرار هذا النمط، تتحول التجمعات الفلسطينية المعزولة أو المحاصرة إلى فضاءات محدودة النمو، في مقابل توسع المجال الحيوي للمستوطنات المرتبطة بشبكة طرق حديثة تُصمم لخدمة امتدادها واستمرارها.
وفي هذا السياق، يرى مدير قسم التوثيق والنشر في هيئة "مقاومة الجدار والاستيطان" أن ما يجري في الضفة الغربية تجاوز مفهوم التوسع الاستيطاني التقليدي، ليدخل مرحلة أكثر تعقيداً تُستخدم فيها البنية التحتية، وفي مقدمتها الطرق، كأداة لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية وترسيخ الهيمنة الإسرائيلية طويلة الأمد. فالمشاريع التي تُقدَّم باعتبارها تطويراً مرورياً تحمل في جوهرها وظيفة سياسية وأمنية واضحة، تقوم على تنظيم السيطرة على الأرض، وإعادة تشكيل حركة الفلسطينيين بما يخدم بنية السيطرة القائمة. ويشير إلى أن شبكة الطرق القائمة تُنتج واقعين متوازيين داخل الضفة الغربية:
1 - فضاءً استيطانياً مترابطاً ومتصلًا بالبنية الاستعمارية الإسرائيلية
2 - وآخر فلسطينياً مجزأً ومقيداً
حيث تُبنى بنية تحتية متطورة تخدم توسع المستوطنات واستقرارها، مقابل شبكة فلسطينية ثانوية تبقى خاضعة للإغلاق والرقابة في أي لحظة. هذا التفاوت البنيوي يعيد إنتاج الجغرافيا كأداة فصل دائمة، لا كمساحة مشتركة أو قابلة للتكامل. ويؤكد أن خطورة هذه السياسات لا تقتصر على عزل المدن والقرى عن بعضها البعض، وإنما تمتد إلى تفكيك البنية الاقتصادية والاجتماعية عبر فصل التجمعات الفلسطينية عن أراضيها الزراعية ومحيطها التجاري الطبيعي. ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى إنهاك تدريجي في البنية المجتمعية، وإضعاف قدرتها على الصمود والتماسك خصوصًا في ظل تقييد الحركة وارتفاع الكلفة الاقتصادية المرتبطة بالتنقل والإنتاج.
وفي هذا الإطار تتسارع السياسات "الإسرائيلية" في توسيع الطرق الالتفافية والعسكرية وربط المستوطنات مباشرة بالمدن داخل الأراضي المحتلة عام 1948، ضمن رؤية استراتيجية تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها عمقاً أمنياً وحدوداً شرقية مستقبلية. هذا التوجه يجعل من البنية التحتية عنصراً أساسياً في مشاريع الضم الزاحف، حيث تتحول الطرق إلى أدوات لإنتاج حدود غير معلنة لكنها فاعلة على الأرض. ويترافق هذا الاستثمار المكثف في البنية التحتية مع تصاعد سياسات التضييق على الفلسطينيين، لا سيما في التجمعات البدوية والزراعية، من خلال مصادرة الأراضي، وإغلاق الطرق الزراعية، وتقييد التوسع العمراني، وإقامة الحواجز والمعسكرات. وينتج عن ذلك عزل هذه التجمعات عن امتدادها الطبيعي ومصادر رزقها، ودفعها نحو مزيد من الانكماش الجغرافي والاقتصادي. ويحذر من أن استمرار هذا المسار يقود تدريجياً نحو واقع تتحول فيه الضفة الغربية إلى مجموعة كانتونات منفصلة تتحكم "إسرائيل" بمداخلها ومخارجها وشبكاتها الحيوية بما يقوض إمكانية قيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً وقابل للحياة. فشبكات الطرق، في هذا السياق لا تُنشأ فقط لخدمة المستوطنات وإنما لإعادة تشكيل الخريطة السياسية والجغرافية على نحو يجعل السيطرة العسكرية والاستيطانية واقعاً بنيوياً دائماً على الأرض.
وفي هذا الإطار، أقرت حكومة الاحتلال مؤخراً تخصيص ميزانية تتجاوز مليار شيكل لشق شبكة جديدة من الطرق الاستيطانية في الضفة الغربية، في خطوة تُقدم رسمياً باعتبارها تطويراً للبنية التحتية، بينما تعكس عملياً تسارعاً في ترسيخ فضاء جغرافي متصل بالمستوطنات ومندمج بالداخل المحتل عام 1948، مقابل تفكيك الامتداد الفلسطيني وتحويل المدن والقرى إلى وحدات منفصلة ومعزولة ضمن خريطة يجري إعادة هندستها بصورة متواصلة.
الطرق كحدود فعلية
مع التوسع المتواصل لشبكة الطرق الاستيطانية في الضفة الغربية، لم تعد الحدود تُرسم فقط عبر الخرائط أو التفاهمات السياسية، وإنما باتت تُفرض تدريجياً على الأرض عبر الإسفلت والحواجز والبنية التحتية العسكرية. فشبكة الطرق هنا تتجاوز وظيفتها التقليدية كمسارات نقل لتتحول إلى بنية سيادية موازية تُعيد إنتاج الجغرافيا وتعيد تعريف من يملك حق الحركة ومن يُقيد داخل مساحات محددة. ومع كل طريق جديد تتشكل طبقة إضافية من السيطرة المكانية تُعيد توزيع المجال بين فضاءات احتلال إسرائيلية متصلة وفضاءات فلسطينية متقطعة ومجزأة. ويمتد تأثير هذه الشبكة إلى ما هو أبعد من مسار الطريق نفسه، إذ تُفرض حولها أحزمة أمنية ومناطق عازلة تُجرد الأراضي المحاذية من إمكانيات البناء أو الزراعة أو التوسع الطبيعي. وبذلك، لا يصبح الطريق مجرد خط على الأرض وإنما محوراً يُنتج "منطقة نفوذ" كاملة تُعاد هندستها قانونياً وأمنياً وجغرافياً بحيث تتحول المساحات المجاورة إلى فراغات مقيدة الاستخدام، أو مناطق انتظار للتوسع الاستيطاني لاحقاً. ومع مرور الوقت، تترسخ هذه البنية كحدود واقعية تفوق في تأثيرها أي حدود سياسية رسمية.
وفي هذا السياق، يرى خبير الخرائط والاستيطان خليل التفكجي أن "إسرائيل" تستخدم شبكة الطرق كأداة مركزية لإعادة تشكيل الخريطة الميدانية للضفة الغربية، عبر تحويل البنية التحتية إلى وسيلة هندسية للسيطرة التدريجية. ويوضح أن هذه المشاريع لا تُنفذ كمشاريع نقل معزولة، وإنما كجزء من رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى خلق تواصل جغرافي إسرائيلي متماسك، مقابل تفكيك الجغرافيا الفلسطينية إلى وحدات منفصلة.
ويشير التفكجي إلى أن أحد أخطر أبعاد هذه السياسة هو "هندسة الحركة" حيث يُعاد تنظيم إمكانية التنقل نفسها داخل الضفة الغربية. فالمستوطن يتحرك عبر شبكة طرق سريعة ومباشرة تربط المستوطنات ببعضها وبالداخل الإسرائيلي، بينما يُدفع الفلسطيني إلى مسارات أطول وأكثر تعقيداً، تمر عبر حواجز ونقاط تفتيش وتقاطعات خاضعة للرقابة. هذا الاختلال في حرية الحركة لا ينعكس فقط على الزمن والمسافة، بل يُنتج واقعاً اقتصادياً واجتماعياً غير متكافئ، ويعيد تشكيل أنماط العمل والتعليم والوصول إلى الخدمات.
كما يلفت التفكجي إلى أن الطرق الاستيطانية تُستخدم كأداة "توطين تدريجي"، تبدأ بشق طريق يخدم موقعاً استيطانياً أو عسكرياً، ثم تتحوّل المناطق المحاذية له إلى نقاط جذب عمراني، عبر البنية التحتية المرافقة مثل الكهرباء والمياه والاتصالات. ومع الوقت، تتوسع هذه النقاط لتتحول إلى بؤر استيطانية دائمة، ثم إلى مستوطنات كاملة الإدماج ضمن الخرائط الإسرائيلية الرسمية. وبهذا المعنى تصبح الطريق ليست فقط نتيجة للاستيطان بل محركاً مباشراً لتوسعه.
وفي البعد السياسي الأوسع، يحذر التفكجي من أن هذه الشبكة تؤدي إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة على الأرض، إذ تتحوّل السيطرة من إعلان سياسي إلى ممارسة يومية ملموسة تُفرض عبر الحركة والبنية التحتية. فالمجال الجغرافي لم يعد متصلاً، وإنما أصبح منظومة من المقاطع المنفصلة، يفصل بينها نظام طرق وحواجز يحدد من يعبر ومن يُمنع، ومن يتصل ومن يُعزل. وبذلك تتجه الضفة الغربية تدريجياً نحو نموذج جغرافي مركب تتداخل فيه المستوطنات المتصلة بشبكات طرق حديثة مع تجمعات فلسطينية محاصرة ضمن جزر عمرانية محدودة الامتداد. ومع استمرار هذا النمط تتراجع إمكانية تشكل فضاء جغرافي فلسطيني متصل، لصالح واقع تُدار فيه الأرض عبر "خريطة حركة" غير متساوية، تتحكم بها البنية التحتية بقدر ما تتحكم بها السياسات الأمنية والعسكرية، في مسار يعيد صياغة الجغرافيا باعتبارها أداة للسيطرة طويلة المدى.
في المحصلة، لم تعد شبكة الطرق الاستيطانية مجرد مشاريع بنية تحتية أو تحسينات مرورية داخل الضفة الغربية، وإنما باتت جزءاً من منظومة شاملة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي على الأرض. فالتداخل بين الطرق الالتفافية، والمستوطنات، والحواجز، والجدار، يعكس مساراً متدرجاً نحو فرض خرائط أمر واقع تُقيّد الحركة الفلسطينية وتُعيد توزيع المجال الحيوي لصالح المشروع الاستيطاني. ومع استمرار هذا النهج، تتعمق حالة التفكك الجغرافي داخل الضفة الغربية، وتتقلص إمكانيات الترابط بين مدنها وقراها، في مقابل اتساع فضاء استيطاني مترابط ومتصاعد البنية والنفوذ. وبذلك، تتحول البنية التحتية من أداة تطوير مفترضة إلى وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة، بما يجعل من الجغرافيا نفسها ساحة مركزية للصراع، ومحوراً لتثبيت وقائع يصعب تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.