احتجاجات بوليفيا تتصاعد.. الأزمة الاقتصادية تزعزع حُكم اليمين

تشهد بوليفيا منذ مطلع أيّار/ مايو الجاري أوسع موجة احتجاجات منذ تسلّم الرئيس اليميني رودريغو باز السلطة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

  • احتجاجات بوليفيا تتصاعد.. الأزمة الاقتصادية تزعزع حُكم اليمين
    احتجاجات بوليفيا تتصاعد.. الأزمة الاقتصادية تزعزع حُكم اليمين

تشهد بوليفيا منذ مطلع أيّار/ مايو الجاري أوسع موجة احتجاجات منذ تسلّم الرئيس اليميني رودريغو باز السلطة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. فمنذ مطلع الشهر يخوض اتحاد العمّال البوليفي إلى جانب نقابات عمّال المناجم والفلّاحين والمعلّمين والسكّان الأصليين إضراباً عاماً مفتوحاً يطالب باستقالة الرئيس. وتحوّلت العاصمة لاباز إلى مدينة محاصرة بفعل أكثر من ستين نقطة لقطع الطرق شلّت ثمانياً من مقاطعات البلاد التسع، وأفرغت الأسواق من السلع، واستنزفت مخزون المستشفيات من الأكسجين. وتقدّر المنظمات الاقتصادية الخسائر اليومية بما يفوق خمسين مليون دولار، فيما تتحدّث الحكومة عن وفاة ثلاثة أشخاص تعذّر وصولهم إلى المستشفيات جرّاء الحصار.

لا يمكن فصل هذا الانفجار عن أعمق أزمة اقتصادية تعيشها بوليفيا منذ عقود. فقد ورث باز اقتصاداً يعاني انهيار إنتاج الغاز، وشحّاً حاداً في الدولار رفع الفجوة بين سعره الرسمي والموازي إلى نحو 40%، وتضخّماً بلغ 20% خلال العام الماضي. وبدلاً من معالجة الأزمة بأدوات تحمي الفئات الشعبية، أصدر الرئيس في كانون الأول/ ديسمبر الماضي مرسوماً ألغى دعم الوقود المستمر منذ عشرين عاماً، فقفزت أسعار البنزين بنحو 86% والديزل بنحو 160%. والبلد يستورد قرابة نصف حاجته من الوقود، فجاءت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ نهاية شباط/ فبراير الماضي، وما رافقها من ارتفاع أسعار النفط عالمياً، لتثقل فاتورة الاستيراد وتفاقم أزمة العملة الصعبة.

ولم تقف وصفة الصدمة عند الوقود، إذ ألغت الحكومة أربع ضرائب طالت الثروة والتحويلات المالية، وحلّت وزارة البيئة والمياه، وفتحت قطاعَي الليثيوم والتعدين أمام رأس المال الأجنبي. وتتفاوض اليوم مع صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 3.3 مليار دولار هو الأول منذ خمس سنوات، وكانت بعثة الصندوق حاضرة في لاباز في ذروة القمع. كما أعادت التنسيق مع وكالة مكافحة المخدرات الأميركية بعد ثمانية عشر عاماً على طردها في عهد إيفو موراليس، وسارعت إلى ترميم العلاقة مع واشنطن. وهكذا تتقدّم خطة ترفع العبء عن الشركات الكبرى والمستثمرين الأجانب وتحمّل كلفتها لعمّالٍ وفلّاحين يعيش معظمهم في اقتصاد غير رسمي.

على هذه الأرضية اشتعلت الشرارة المباشرة، وهي القانون رقم 1720 الذي دخل حيّز التنفيذ في العاشر من نيسان/أبريل، ويتيح تحويل الملكيات الزراعية الصغيرة إلى متوسطة عبر إجراء إداري سريع يجرّدها من الحماية الدستورية التي تمنع مصادرتها، ويسمح برهنها لدى المصارف. قدّمت الحكومة القانون باعتباره تسهيلاً للائتمان الريفي، لكن السكّان الأصليين والفلّاحين رأوا فيه باباً لانتزاع أراضيهم الجماعية لمصلحة الشركات الزراعية الكبرى. وتعود حماية الأرض الصغيرة في بوليفيا إلى دستور عام 1938 وإصلاح عام 1953 الزراعي، ثم تعزّزت مع إصلاحات موراليس التي نقلت خلال العقدين الماضيين مساحات شاسعة من كبار الملّاك إلى الفلّاحين، وهو ما يفسّر حدّة الدفاع عن هذا المكسب التاريخي.

انطلقت المسيرة الأولى ضد القانون من مدينة كوبيخا في إقليم باندو الأمازوني مطلع نيسان/أبريل، فقطع نحو ثلاثمئة فلّاح ألف كيلومتر سيراً على الأقدام خلال سبعة وعشرين يوماً وصولاً إلى لاباز حيث اعتصموا أمام مقرّ نائب الرئيس. وفي مطلع أيار/ مايو أعلن اتحاد العمّال إضراباً عاماً مفتوحاً بعد رفض باز حضور طاولة الحوار، فانضمّ إليه أكثر من سبعين نقابة برفعها أكثر من مئة مطلب. وحين ألغى الرئيس القانون المذكور في الثالث عشر من الشهر الجاري، أعلن مجلس النواب فوراً صياغة قانون جديد بالروح ذاتها، فاعتبرت الحركات الاجتماعية الإلغاء مناورة وتحوّلت مطالبها إلى إسقاط الحكومة، فيما أفادت تقارير بقيام عمّال المناجم بتفجير الديناميت قرب القصر الرئاسي.

ولم تجد الحكومة سوى القمع رداً على اتساع الحراك. ففي السابع عشر من الشهر الجاري نشرت نحو ثلاثة آلاف وخمسمئة جندي وشرطي لفتح الطرق بالقوة حول مدينة إل ألتو وعلى طريق لاباز-أورورو الحيوي تحت عنوان "الممر الإنساني"، واستُخدم الغاز المسيل للدموع على نطاق واسع. وارتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من مئة وثلاثين شخصاً، فيما أفادت قناة تيليسور بمقتل أربعة متظاهرين على الأقل. ووجّهت النيابة العامة، أمس الثلاثاء، تهمة الإرهاب إلى ماريو أرغويو الأمين العام لاتحاد العمّال، إلى جانب أوامر اعتقال بحقّ قيادات نقابية وشعبية أخرى، في محاولة لتجريم الحراك وكسر قيادته بالملاحقة القضائية. 

وحاولت الحكومة تحميل الرئيس السابق إيفو موراليس مسؤولية ما يجري، فنسب مسؤولون حكوميون تنظيم المسيرات إليه، بينما ردّ موراليس بأن الغضب الشعبي وليد سياسات الحكومة لا توجيهات أحد. وكان قضاء البلاد قد جدّد قبل أيام مذكرة اعتقاله في قضية يعتبرها سياسية بحتة، فيما يتحصّن في معقله بمنطقة تشاباري في كوتشابامبا محاطاً بأنصاره المتأهّبين لمنع اعتقاله.

وكان موراليس قد اتّهم منذ أيام واشنطن وحكومة باز بالتخطيط لاغتياله أو خطفه عبر وكالة مكافحة المخدرات والقيادة الجنوبية الأميركية، وهي اتهامات لا تبدو مستبعدة في ضوء النمط الأميركي المتكرّر في القارة، وآخر فصوله اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته مطلع العام الجاري.

ولم يتأخّر الاصطفاف الخارجي خلف باز. فقد أعلنت واشنطن دعمها له، واتصل نائب وزير خارجيتها كريستوفر لاندو به ليؤكّد وقوف بلاده إلى جانب "الحكومة الشرعية" واصفاً الاحتجاجات بمحاولة انقلاب. وأرسل الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي طائرتين عسكريتين بذريعة المساعدات الإنسانية، فيما اتّهمه موراليس بنقل عتاد عسكري وذخائر. وأصدرت ثماني حكومات يمينية (الأرجنتين، تشيلي، بيرو، الإكوادور، كوستاريكا، غواتيمالا، بنما، وباراغواي) في الإقليم بياناً مشتركاً يدين "زعزعة الاستقرار الديمقراطي"، بينما دعا مؤسّس شركة "بلاكووتر" إيريك برنس علناً إلى تدخّل عسكري أميركي. وفي المقابل، أيّد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الحراك ووصفه بالانتفاضة الشعبية وعرض وساطة رفضتها حكومة باز، في تباين يكشف انقسام القارة بين محورين.

ما يجري في بوليفيا أبعد من احتجاج على قانونٍ أو على أسعار الوقود؛ إنه صراع على نموذج الدولة وعلى مصير ثرواتها من الليثيوم والغاز والأرض. فعودة اليمين المرتبط بواشنطن إلى السلطة، بعد عقدين قلّص خلالهما اليسار الفقر ورفع مكانة السكّان الأصليين، تفتح الباب أمام تفكيك المكاسب السيادية وإعادة البلاد إلى مسار التبعية. بيد أن الطبقات الشعبية، رغم غياب بديل سياسي موحّد بعد انهيار "الحركة نحو الاشتراكية" وانقساماتها، ما زالت تحتفظ بقدرة تعبئة هائلة في الشارع والنقابات. وبين قمع الحكومة وإسنادها الخارجي من جهة، وصمود الحراك من جهة أخرى، يبقى مستقبل البلاد معلّقاً على من يحسم هذه المعركة على الأرض.

اقرأ أيضاً: مواجهات عنيفة في بوليفيا بين الشرطة ومحتجين ضد الرئيس رودريغو باز

اخترنا لك