"إسرائيل" تستثمر في المأزق السعودي: حرب اليمن بوابة للتطبيع

إنجازات أنصار الله تدفع السعودية إلى طلب دعم خارجي، فيما تستثمر "إسرائيل" مأزق الرياض عبر المساعدة الاستخبارية ومساعي توسيع دورها، لفتح الطريق نحو التطبيع.

  • "إسرائيل" تستثمر في المأزق السعودي: حرب اليمن بوابة للتطبيع

يدفع تصاعد قدرات حركة أنصار الله اليمنية وإنجازاتهم الميدانية السعودية إلى البحث عن دعم يخفّف انكشافها العسكري، فيما تتحرّك "إسرائيل" لتحويل هذا المأزق إلى فرصة لتوسيع نفوذها. وفي قلب هذا التقاطع، تحضر المساعدة الاستخبارية والوساطة الأميركية، ويتقدّم التطبيع بوصفه المكسب السياسي الذي تسعى "تل أبيب" إلى انتزاعه من الحرب على اليمن. وقد نقلت «هآرتس» عن مصدر مطّلع أنّ تطوير العلاقة مع الرياض وتمهيد الطريق للتطبيع يشكّلان هدفاً للمساعي الإسرائيلية إلى التدخل.

فالحرب التي أرادت الرياض من خلالها استعادة زمام المبادرة تواجه قوة يمنية راكمت خبرة وقدرات، ونقلت الضغط إلى العمق السعودي. ووثّقت وكالة "أسوشيتد برس" تقدّم أنصار الله في مناطق قريبة من باب المندب، وتوسّع مدى عملياتهم إلى تعز، وعجز التفوّق التسليحي السعودي عن منع الضربات المتكرّرة. وهذه الإنجازات تمنح صنعاء أوراق قوة تتجاوز خطوط الجبهة إلى الحسابات الأمنية والاقتصادية لخصومها.

ويفسّر هذا الواقع جانباً من المأزق السعودي، بحيث أن استمرار الحرب يرفع كلفة حماية المنشآت والمصالح الاقتصادية، بينما يفرض التراجع عنها التعامل مع أنصار الله من موقع أقوى. وقد رصدت "رويترز" انعكاس العمليات على ثقة المستثمرين والفعاليات الاقتصادية السعودية، بما يضع مشاريع محمد بن سلمان أمام تبعات مواجهة لا تستطيع الرياض حصرها داخل اليمن.

ومن هذه الثغرة يدخل الدور الإسرائيلي. ففي 15 أيلول، نقلت "تايمز أوف إسرائيل" عن صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية أنّ القيادة المركزية الأميركية تشرف على اتصالات سعودية- إسرائيلية لتبادل المعلومات الاستخبارية بشأن أنصار الله. ووفق المصادر الدبلوماسية والأمنية التي استند إليها التقرير، طلب ابن سلمان الاستعانة بالمساعدة الإسرائيلية عبر "سنتكوم". 

وفي 16 تشرين الأول، أورد موقع "عرب 48" تقارير عن تركّز هذه المساعدة على معلومات بشأن أهداف داخل اليمن. وهكذا يتخذ الحضور الإسرائيلي، شكلاً استخبارياً يخدم العمليات العسكرية، من دون اشتراط ظهوره في صورة طائرات تشارك علناً في القصف.

أما الانتقال إلى مشاركة عسكرية مباشرة، فاصطدم برفض سعودي نقلته "هآرتس" في 12 تشرين الأول. وبحسب الصحيفة، سعى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بوساطة أميركية إلى إقناع الرياض بالتدخل، لكنّ ابن سلمان عارض الخطوة بسبب كلفتها على الرأي العام السعودي. ويكشف السبب المنقول حساسية الظهور في تحالف عسكري مع "إسرائيل"، في وقت تتحدّث فيه التقارير نفسها عن قنوات تعاون استخباري.

ولم يصدر تأكيد علني على تراجع الرياض عن رفض التدخل المباشر. لكنّ ترامب دفع باتجاه توسيع التعاون حين قال، في 16 تشرين الأول، إنّ "إسرائيل" ساعدت السعودية كثيراً، وأبدى اعتقاده أنّ المملكة ستقبل مساعدتها. وفي التصريحات نفسها، أعاد طرح التطبيع، معتبراً أنّ فرصه عادت إلى الطاولة بقوة. أما نتنياهو، فعندما سُئل عن طلب سعودي للمساعدة، أجاب بأنّ معظم دول المنطقة تطلب مساعدة "إسرائيل"، متجنّباً توضيح تفاصيل العلاقة مع الرياض.

تبحث السعودية عن أدوات للخروج من ضغط المواجهة، و"إسرائيل" تبحث عن تحويل تلك الحاجة إلى نفوذ سياسي وأمني دائم. ومن هنا، يصبح ربط المساعدة بالتطبيع محاولة لتحصيل ثمن سياسي من المأزق السعودي، فيما يواصل أنصار الله فرض حضورهم طرفاً يصعب تجاوز مطالبه. وقد أكّد المتحدث باسم الحركة، محمد عبد السلام أنّ هذه المطالب تتصل برفع القيود عن الموانئ والمطارات ومعالجة الحقوق الاقتصادية ودفع الرواتب من موارد اليمن.

ولا يختصر حجم الإنفاق العسكري ميزان القوة في هذه المواجهة. فالسعودية مطالبة بحماية مساحة واسعة ومنشآت نفطية ومطارات ومرافق اقتصادية متباعدة، فيما تستطيع أنصار الله توزيع قدراتها وإخفاءها في جغرافيا جبلية، واستخدام مسيّرات وصواريخ أقل كلفة من وسائل اعتراضها. وتتيح هذه المعادلة للقوة اليمنية فرض استنزاف متواصل، وتجعل امتلاك السلاح الأكثر تطوراً عاجزاً وحده عن ضمان الحماية أو تحقيق الحسم. وقد رصدت وكالة "أسوشيتد برس" هذه الفجوة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع، إلى جانب قدرة أنصار الله على تصنيع جانب كبير من أسلحتهم محلياً.

لهذا، لا تعالج الاستعانة بالاحتلال الإسرائيلي تلقائياً أصل المشكلة السعودية. فالمعلومات الاستخبارية تستطيع المساعدة في تحديد أهداف، لكنها لا تلغي قدرة الخصم على الانتشار وإعادة تنظيم صفوفه، ولا تحوّل الغارات إلى سيطرة ثابتة على الأرض. وهذا يفسّر أهمية التوصية التي نقلتها "هآرتس" عن "الجيش" الإسرائيلي بتجنّب التصدّر العسكري للمواجهة والعمل على تشكيل تحالف ضد أنصار الله؛ فتوسيع التحالف يوزّع أعباء الحرب، لكنه لا يقدّم بذاته جواباً عن كيفية إنهائها.

ومن جانبها، تضع أنصار الله خصومها أمام اختبار يتجاوز عدد الطائرات وحجم الترسانات وهي القدرة على مواصلة القتال وتحويل الصمود إلى مكاسب سياسية. أما الرياض، فتواجه معضلة الجمع بين حرب تستنزف مواردها ومشروع اقتصادي يحتاج إلى الاستقرار، بينما تمنح حاجتها المتزايدة إلى الحماية شركاءها مساحة أوسع للتأثير في خياراتها.

اخترنا لك