أسبوع دي لا إسبرييا الأول: كولومبيا على خط واشنطن

كولومبيا تتجه في عهد الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييا نحو تشديد السياسات الأمنية وتعزيز التعاون العسكري مع واشنطن، بالتوازي مع إعادة توجيه سياستها الخارجية والاقتصادية بعيداً عن الصين وتقارب أكبر مع الولايات المتحدة، وسط تراجع عن سياسات غوستافو بيترو وتصاعد المخاوف من تداعيات النهج الجديد على اتفاق السلام والاستقرار الداخلي.

  • أسبوع دي لا إسبرييا الأول: كولومبيا على خط واشنطن
    أسبوع دي لا إسبرييا الأول: كولومبيا على خط واشنطن

في السابع من آب/أغسطس الجاري أدّى أبيلاردو دي لا إسبرييا اليمين الدستورية بصفته رئيساً لكولومبيا في قاعة جامعية بمدينة كالي، ثم انتقل إلى المجمّع العسكري "بيتشينشا" ليخاطب قادة الجيش والشرطة، فأعلن أن "خيار الحوار مع الجماعات المسلّحة استُنفد كلياً"، ووعد بقائمة رسمية لتنظيمات مَن أسماهُم "إرهابيّو المخدرات"، وبعشرة سجون ضخمة، وباستئناف الرشّ الجوي للمبيدات على أكثر من 320 ألف هكتار من الكوكا. وفي الليلة ذاتها انعقد أول مجلس أمني بسرّية مشدّدة حتى الفجر، فيما كان أول إجراء تنفيذي في عهد الرئيس الجديد نقل نحو مئة من قادة التنظيمات المسلّحة إلى سجون مشددة الحراسة. وجاء اختيار هذا المجمّع العسكري منبراً للخطاب الأول بمثابة إعلان واضح عن الجهة التي ستُدار الدولة استناداً إليها والمنطق الأمني الذي تقوم عليه إدارة الرئيس الجديد.

وفي اليوم نفسه أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عزمها، بالتنسيق مع الكونغرس، تخصيص مليار دولار حزمةً أمنية لكولومبيا، إلى جانب إطلاق ما سمّته "الحوار الثنائي من أجل الازدهار"، وحدّدت أهدافه بتعزيز استقرار الاقتصاد الكولومبي وقطاعَي توليد الطاقة وتوزيعها و"استكشاف الاستثمار في المعادن الحرجة" وفتح فرص أمام المستثمرين الأميركيين. وترأس وفد واشنطن إلى حفل التنصيب المدّعي العام بالإنابة آنذاك تود بلانش، وكانت الصيغة المستعملة بمثابة إعلان نيّة لا اعتماداً مقرّاً من الكونغرس، لكن تدرج الأولويات يكشف طبيعة الترتيب القائم بوضوح: التمويل الأمني في الواجهة، والطاقة والمعادن في المتن، وهما ما تسعى واشنطن إلى انتزاعه من دائرة النفوذ الصيني في القارة.

وقد وُضع الإطار العسكري لهذه العلاقة قبل يوم التنصيب، ففي الحادي والعشرين من تموز/يوليو التقى وزير الدفاع الكولومبي المعيَّن مؤخراً، اللواء المتقاعد خورخي إدواردو مورا، في البنتاغون نائبَ مساعد وزير الحرب لشؤون أمن الأميركتين جوزيف هوميري، وأُعلن عن ما يسمّى "خطة باتريوتا 2.0"، التي تشمل خطوطها الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، والعمليات الخاصة والاعتراض الجوي والبحري والنهري، وإنشاء مركز إقليمي داخل كولومبيا لتدريب قوات دول المنطقة، مع تركيز الانتشار في بعض المقاطعات الحدودية والساحلية التي تنتشر فيها زراعة الكوكا. وكان دي لا إسبرييا قد أعلن في تموز/يوليو الماضي أن مدينة ميديين ستكون المقر الوطني لتحالف "درع الأميركتين" الأمني الإقليمي، ومع كل ذلك يتضح أن كولومبيا لم تعد شريكاً أمنياً يتلقّى مساعدة فحسب، وإنما منصّة تُدار منها عمليات تتجاوز حدودها.

وجرى في الداخل تفكيك ما تبقّى من بنية اتفاق السلام، فأُلغيت مفوضية السلام العليا، ونُقلت وحدة تنفيذ اتفاق عام 2016 هذا إلى "مفوّض وطني للأمن" مستحدَث، ووُضعت المحكمة الخاصة للسلام قيد "مراجعة صارمة"، فيما أُعيد إحياء شرطة مكافحة الشغب وأُنشئت تشكيلات أمنية من قدامى المحاربين والاحتياطيين وصُفّيت مصلحة السجون لتحلّ محلها هيئة منهم أيضاً. والجدير ذكره أن إسناد وظائف القوة إلى أفراد من خارج المؤسسة يعيد إنتاج النمط شبه العسكري الذي كلّف البلاد عقوداً من الضحايا. وقد ظهرت حدود هذا النهج سريعاً، إذ سجّلت أمانة المظالم (الهيئة الرسمية المعنية بحقوق الإنسان) هجمات بمتفجرات ومسيّرات في إحدى عشرة مقاطعة بين السابع والتاسع من آب/أغسطس الجاري، ثم نُفّذ ليل العاشر أول قصف جوي قرب الحدود الفنزويلية على مواقع تتبع "جيش التحرير الوطني"، وهو آخر تنظيم يساري مسلّح كبير في البلاد بعد نزع سلاح تنظيم "فارك" في أعقاب اتفاق عام 2016.

أمّا السياسة الخارجية فأُعيد ضبطها كُلياً خلال أيام، فقد استُؤنفت العلاقات مع "إسرائيل" على أساس خريطة طريق اتُّفق عليها في واشنطن بين وزير الخارجية عمر بولا إسكوبار ونظيره جدعون ساعر، وتشمل تبادل السفراء وإلغاء التأشيرات ونقل السفارة إلى القدس المحتلة وسحب تدخّل كولومبيا في دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية والخروج من "مجموعة لاهاي"، مع إلغاء مشروع البعثة الكولومبية في رام الله واستئناف تصدير الفحم الذي حظره الرئيس السابق غوستافو بيترو. وفي العاشر من آب/أغسطس الجاري أصدرت الخارجية الكولومبية بياناً يعترف بما سُمي "السيادة الإسرائيلية" على الجولان السوري المحتل، فصارت كولومبيا ثاني دولة في العالم تفعل ذلك بعد الولايات المتحدة.

ويسري الخط نفسه على دول الجوار، فقد أُعلن قطع العلاقات مع كوبا ونيكاراغوا. كما سبق أن أعلن دي لا إسبرييا قبل تنصيبه إغلاق أربع عشرة سفارة ونحو خمس عشرة قنصلية اعتباراً من السابع من آب/أغسطس الجاري. وكشف المرشّح لمنصب السفير الأميركي في بوغوتا نيت موريس أمام مجلس الشيوخ أن دي لا إسبرييا أبلغه التزامه الانسحاب من مذكرة "الحزام والطريق" الموقّعة مع بكين في أيار/مايو العام الماضي، مضيفاً أن على كل دولة أن تختار بين واشنطن وبكين. وبعد ما حدث في فنزويلا من تغيرات أعقبت اختطاف الولايات المتحدة للرئيس نيكولاس مادورو مستهل هذا العام، أعلن نائب الرئيس الكولومبي، خوسيه مانويل ريستريبو، في التاسع من آب/أغسطس الجاري أن الوفد الأميركي "أعطى الضوء الأخضر" للحوار بين البلدين، وأن فتح التجارة يجري بالتنسيق مع واشنطن ورهناً بتراخيصها، وبذلك تدخل كراكاس وبوغوتا تفاوضاً تحت مظلّة ووصاية أميركية في ملفّات متعددة على رأسها القضايا الأمنية والاقتصادية بين البلدين.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد أعلن الرئيس مرسوماً لتجميد الإنفاق العام، وإصلاحاً ضريبياً "هيكلياً" يُقدَّم في أيلول/سبتمبر المقبل ومحوره إلغاء ضريبة الثروة، ضمن برنامج يستهدف خفض جهاز الدولة بما يصل إلى 40%. وتعهّد دي لا إسبرييا في ملف الطاقة بسعيه إلى إعادة شركة  "إيكوبترول" الوطنية إلى مسارها السابق وتعزيز إنتاجها، وأعاد فتح التنقيب عن النفط والغاز، وفتح الباب أمام التكسير الهيدروليكي (تكسير الصخور لاستخراج النفط والغاز) الذي أوقفته إدارة بيترو إدارياً. ويصطدم ذلك بالقرار رقم 0961 الصادر عن وزارة البيئة قبل التنصيب بثلاثة أيام، والذي حظر نهائياً منح أي امتياز تعديني أو نفطي جديد في 48 مليون هكتار من الإقليم الحيوي الأمازوني (قرابة 40% من مساحة البلاد). ومع ذلك بقيت الرسوم الأميركية البالغة 12.5% على الصادرات الكولومبية إلى الولايات المتحدة سارية، بينما تستمر المفاوضات لإلغائها.

وفي العاشر من آب/أغسطس الجاري، بعد 3 أيام من التنصيب، ضرب زلزال بقوة 7.4 درجة غرب البلاد وطال دول متاخمة. وأُعلنت حالة الكارثة الوطنية، بما تتيحه من مرونة في التعاقدات الحكومية الضرورية للطوارئ، وأُقيمت غرفة قيادة موحّدة، وفُرض حظر تجوّل في عدد من المناطق ونُشرت قوات في بعضها بذريعة التصدي للنهب، فيما توقّف العمل في ستة مطارات. وأثارت طريقة إدارة المعلومات جدلاً منذ الساعات الأولى، بعدما أمر دي لا إسبرييا جميع الجهات الحكومية بعدم إصدار بيانات وحصر المعلومات في الرئاسة، في حين واصلت هيئة المدن العواصم والطبّ الشرعي نشر أرقامهما. وبلغت الحصيلة البشرية للزلزال، حتى مساء الأربعاء الماضي، أكثر من 250 قتيلاً وأكثر من 3,500 مصاباً، فيما تجاوز عدد المفقودين 4,000 شخصاً.

وجرى فرز عروض الإغاثة الخارجية على أساس سياسي، فقُبلت فوراً منحة أميركية بقيمة 15.5 مليون دولار، فيما كانت عروض أخرى، تشمل المكسيك وفنزويلا وغيرها، معلّقة بانتظار صدور طلب رسمي، كما عرضت كوبا جاهزية طبية كاملة للمساعدة بعد ثلاثة أيام من قطع العلاقات معها. وأعلن مدير وحدة إدارة المخاطر، ديفيد تامايو، أمس أن كولومبيا ستقبل فرق إنقاذ من أربع دول "تستوفي المتطلبات الدولية"، بينها "إسرائيل" والولايات المتحدة. وفي اليوم الأول للكارثة، صدر أيضاً بيان الاعتراف بالجولان، تلاه بيان يتهم مسؤولين سابقين بتشويه صورة الحكومة أمام المنظمات الدولية. وضمن هذا السياق، تضع تكلفة إعادة الإعمار، المقدّرة أولياً بنحو 6.35 مليارات دولار (تعادل 1% من الناتج المحلي)، برنامج التقشّف أمام تناقض مباشر، إذ يقارب الرقم حجم التخفيض المعلن في الموازنة ويتزامن مع إلغاء ضريبة الثروة.

وتجري هذه التغيرات على أرضية هشة في ظل عودة اليمين إلى تطويق القارة الجنوبية والكاريبي بإشراف ووصاية من واشنطن، فقد حُسمت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بفارق أقل من 1% من إجمالي الأصوات، مع اشتباه بتلاعب إسرائيلي لصالح دي لا إسبرييا أثاره الرئيس بيترو بعد إعلان النتائج. وعلاوة على ذلك، يواجه الرئيس الجديد أكبر كتلة نيابية وهي لائتلاف "الميثاق التاريخي" اليساري، وبيترو الذي هدّد بإضراب عام مفتوح إن مُسّت إصلاحاته العمالية وبإضراب زراعي إن انتُزعت أراضي الفلاحين، وإيفان سيبيدا خليفة بيترو والمرشح الرئاسي السابق الذي أعلن العصيان المدني السلمي وتعهّد باستكمال المواجهة في الشارع وفي انتخابات 2027 المحلية والإقليمية. وبذلك لا تبدو كولومبيا أمام مجرد انتقال من اليسار إلى اليمين، وإنما أمام إعادة ترتيب للدولة ووظيفتها الإقليمية يعود بالبلاد أربعة أعوام إلى الوراء لتلعب دور "إسرائيل" أميركا اللاتينية الذي لطالما لعبته لصالح الولايات المتحدة، وذلك وسط مقاومة داخلية وأزمات تهدد مسار العهد الجديد.

اخترنا لك