أبعد من المفاوضات والاتفاق.. ماذا يريد الاحتلال الإسرائيلي من لبنان؟

إنّ تجاوز القرار 1701، الذي يلمّح إليه الطرفان الإسرائيلي والأميركي، هدفه ليس فقط إبعاد الحزب عن الحدود، بل ضمان عدم قدرة لبنان مستقبلاً على امتلاك أي قوة دفاعية.

  • سكّان بيروت والجنوب والبقاع، يواجهون يومياً الخروقات الإسرائيلية المختلفة
    سكّان بيروت والجنوب والبقاع، يواجهون يومياً الخروقات الإسرائيلية المختلفة

بعد أكثر من عام على بدء سريان وقف إطلاق النار، من ضمنها سنة من عهد الرئيس اللبناني جوزيف عون، وحتى الشهر الحالي، بلغ إجمالي الخروقات الإسرائيلية أكثر 13,275 انتهاكاً ممنهجاًَ، بينها نحو 1645 غارة، فيما تصدّر تصنيف "الخروقات الجوية والسيادية" المرتبة الأولى في عدد الاعتداءات للفترة المرصودة بـ9004 خروقات، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 353 شخصاً وإصابة نحو 1000 آخرين بجروح، بحسب المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق. 

أمّا ميدانياً، فلا تزال القوات الإسرائيلية تحتل نقاطاً حدودية وتمنع الأهالي من العودة إلى القرى الحدودية وإعادة الإعمار. فضلاً عن ذلك، فإنّ كيان الاحتلال الإسرائيلي يواصل اعتقال ما لا يقلّ عن 20 أسيراً لبنانياً، اعتقل عدد بعد وقف إطلاق النار.

تصعيد إسرائيلي ممنهج  

بعيداً عن الأرقام، فإنّ سكّان بيروت والجنوب والبقاع، يواجهون يومياً الخروقات الإسرائيلية المختلفة، بدايةً من التهجير القسري، ومنع المئات من العائلات من العودة إلى منازلهم عبر استهداف جهود الإعمار، مروراً بالاغتيالات اليومية وسط القرى الجنوبية والتهديد بتوسيع هذه العمليات، ليس آخراً بالإنذارات للاعتداء على اللبنانيين، والمسيّرات التي لا تفارق الأجواء اللبنانية بشكل شبه يوميّ. 

وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على أنّ الانتهاكات الإسرائيلية تأخذ منحى متصاعداً، بالتوازي مع التصريحات اللبنانية، إن كان على لسان رئيس الجمهورية، أو رئيس الحكومة نواف سلام، التي تتحدّث عن "السيادة والاستقلال وحصر السلاح بيد الدولة"، وعن "بسط الجيش سيطرته على مناطق شمال الليطاني". وتتزامن أيضاً مع إفشال عمل لجنة "الميكانيزم"، والمفاوضات مع الاحتلال التي يتولاها سيمون كرم، ما يضع المسؤولين اللبنانيين أمام تساؤلات جوهرية بشأن الوضع الأمني في البلاد، أمام شريحة كبيرة من اللبنانيين، وخصوصاً الذين يتعرّضون للاعتداءات المتواصلة، والذين يطالبون بتوقف الاعتداءات، وسط النهج التي تتبعه الحكومة، وعدم تعاملها مع الضغوطات والتهديدات الإسرائيلية والأميركية على السواء، بالمسار الذي يمنع الاعتداءات.

وفي هذا الإطار، نقلت جريدة الأخبار اللبنانية "نية إسرائيل إدخال تعديلات جوهرية في مقاربة الملف اللبناني"، حيث تلقّى لبنان معلومات من مصادر دبلوماسية غربية تفيد بأنّ الولايات المتحدة تبنّت وجهة النظر الإسرائيلية، القائلة بوجوب قيام لبنان بخطوات "أكثر فعّالية" في مواجهة حزب الله.

وبانتظار إعلان لبنان استعداده العملي لهذه الخطوة، لن يُنظر في مطالبه، لا تلك المتعلّقة بالوضع في الجنوب ولا بالمساعدات الاقتصادية، فيما كشفت مصادر مطّلعة أنّ الفرنسيين كانوا أول من لمّح إلى حصول تعديل في المقاربة الأميركية - الإسرائيلية، مستندين إلى إشارات متكرّرة تفيد بأنّ واشنطن تتبنّى وجهة نظر "إسرائيل" لجهة الدفع نحو حوار لبناني - إسرائيلي تحت رعاية أميركية مباشرة، من دون الحاجة إلى أطراف أخرى.

وأشارت إلى أنّ الموقف الإسرائيلي يندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى استبعاد جميع الأطر التي تفترض وجود قوة أو قوات دولية، انطلاقاً من قرار "إسرائيل" بعدم التعاون حتى مع الأمم المتحدة، بحسب الأخبار. 

المطالب الإسرائيلية لا تتوقّف عند حدود نزع السلاح

كما بات واضحاً، فإنّ المطالب الإسرائيلية لا تتوقّف عند حدود "نزع سلاح حزب الله"، فعلى الرغم من إعلان الجيش اللبناني  قبل نحو أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من الخطة، التي أقرّتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، شكّكت "إسرائيل"، على لسان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو بالخطوة، وعدّتها غير كافية بتاتاً"، مجددةً مطلبها بنزع سلاح الحزب في كلّ لبنان، ما يعني إخضاع كلّ لبنان لمخطط إسرائيلي - أميركي، على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية. 

فالهدف من ذلك أبعد من الناحية الأمنية بالنسبة إليها، ألا وهو الخضوع الشامل للبنان، مع تحويل الدولة اللبنانية والجيش اللبناني إلى "جهات منفّذة" للمطالب الإسرائيلية تحت التهديد المستمر، التي تساهم في سلب البلاد مكامن قوتها، على غرار ما جرى في سوريا.

وهي تثبّت هذا النهج عبر الاستهدافات العسكرية المتواصلة و"حرية الحركة" في لبنان، ليس لضرب الحزب فحسب، بل للضغط على البنية التحتية والقرار السياسي اللبناني لضمان بقاء الدولة في حالة تبعيّة أمنية.

وإنّ تجاوز القرار 1701، الذي يلمّح إليه الطرفان الإسرائيلي والأميركي، هدفه ليس فقط إبعاد الحزب عن الحدود، بل ضمان عدم قدرة لبنان مستقبلاً على امتلاك أي قوة دفاعية يمكنها موازنة التفوّق الإسرائيلي، فبحسب التقارير بهذا الشأن، وتحديداً تقرير موقع "IRIS"، فإنّ "إسرائيل" انتقلت من سياسة "الردع" إلى سياسة "التغيير الجذري" في المنطقة. وهو ما يندرج وفق التقرير، تحت الخطة الإسرائيلية لإعادة رسم الجغرافيا وإضعاف دول "طوق إسرائيل"، وتحويلها إلى دول يسهل التحكّم بقرارها، عبر خلق مناطق عازلة، ليست فقط في جنوب لبنان، بل في سوريا أيضاً، إضافةً إلى السيطرة على مواردها. 

وهذا المشروع، هو مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي تكلّم عنه نتنياهو مراراً، والذي يعمل على "إدماج إسرائيل كمركز ثقل أمني واقتصادي وحيد في المنطقة، بحيث يكون أيّ تعاون إقليمي (تطبيع أو مشاريع اقتصادية) مشروطاً بالقبول بالتفوّق الإسرائيلي المطلق".

إذا لم تسلم المقاومة لن يسلم لبنان

وعليه، فإنّ من يقرأ ما يجري في المنطقة، وفي لبنان تحديداً، من منظور شامل وواسع، وبتجرد من الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، يرى أنّ المشروع في المنطقة، بعد 7 أكتوبر، وبعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، هو تحويل جذري يُعيد تشكيل المنطقة حالياً، بقيادة واشنطن بشكل خاص، وفق "iris". 

وإذا كانت الضربات الإسرائيلية المتكررة ستؤدي إلى مزيد من التفكك في الدولة اللبنانية، ما قد يخلق فراغاً أمنياً "يُفضي إلى انهيار أوسع للدولة"، بحسب موقع "modern diplomacy"، فإنّ أي مشروع تحرري سيادي ووطني في لبنان هو غير منفصل عما يجري في المنطقة، وستكون بداية تحقيقه عبر التعاون بين الدولة ومصادر قوتها وعلى رأسها المقاومة، لأنّ تجريد لبنان من سلاحه، يعني استباحة أراضيه بشكل أوسع، حتى السيطرة عليه سياسياً وعسكرياً وأمنياً، كما تريد "إسرائيل" ضمن الخطة الأميركية الأوسع للمنطقة.

فالمناقشات الجارية في بيروت، يُنظر إليها في الغالب كآلية لإدارة المخاطر، لا كسبيل لتسوية سياسية شاملة"، فيما يبدو أنّ الحكومة تُفضّل "إدارة الأزمات في ظل بيئتها المتقلّبة"، وفق "middle east counsil on global affairs". ما يعني أنّه بلا رؤية سياسية واضحة، واستراتيجية دفاعية تتشارك فيها الدولة مع المقاومة لبناء معادلات ردع فعّالة عسكرياً وسياسياً، لن يسلم لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، ولن يرتدع الاحتلال. وهذا ما أكّده حزب الله، على لسان أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم، الذي قال إنّ "من يعتقد أنّ حصر السلاح ضرورة لبناء الدولة فيكون ذلك بعد تثبيت تسليم دعائم السيادة لا قبل"، فإذا "لم تسلم المقاومة وبيئتها، فلن تسلم الأمور في لبنان".

اقرأ أيضاً: الشيخ قاسم: إذا لم تسلم المقاومة لن يسلم لبنان

اخترنا لك