"إسرائيل" في أميركا اللاتينية: عودة النفوذ الصهيوني وخريطة الاختراق الجديد

صعود قوى اليمين في العديد من بلدان أميركا اللاتينية، بالتوازي وعقيدة واشنطن إزاء نصف الكرة الغربي، فتحا الباب على مصراعيه أمام "إسرائيل" لاستعادة نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في القارة.

  • "إسرائيل" في أميركا اللاتينية: عودة النفوذ الصهيوني وخريطة الاختراق الجديد

بين تشرين الأول/أكتوبر عام 2023 ومنتصف عام 2024، كانت أميركا اللاتينية أكثر مناطق العالم تشدّداً تجاه "إسرائيل"، فقد قطعت بوليفيا وبليز وكولومبيا علاقاتها بها، وسحبت تشيلي وهندوراس سفيريهما، وانضمت 8 دول من القارة والكاريبي إلى دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.

وخلال أقل من عامين انقلبت الصورة بالكامل، بالتوازي مع وصول اليمين إلى الحكم في الأرجنتين وبوليفيا وهندوراس وتشيلي وبيرو وكولومبيا وغيرها وتصاعد نفوذه في كامل ما تبقّى من بلدان القارة تقريباً، ومع إعادة واشنطن صياغة عقيدتها إزاء نصف الكرة الغربي في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، وما تلاها من حملة عسكرية في الكاريبي والعدوان العسكري على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني/يناير وبناء "تحالف الأميركتين" الإقليمي بفروعه وبقيادة أميركية.

وضمن هذا السياق تحديداً، أعلن وزير الخارجية في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، جدعون ساعر، في نهاية العام الماضي، أن عام 2026 سيكون "عام أميركا اللاتينية" في "إسرائيل".

وكان آخر ما أنتجه هذا التحوّل ما جرى في 16 آب/أغسطس الجاري، حين وقّع وزير "الأمن" الإسرائيلي يسرائيل كاتس "مذكرة تفاهم دفاعية" مع نظيره الهندوراسي إنريكي رودريغيز بورتشارد في "إسرائيل"، بحضور المدير العام للوزارة أمير بارام والملحق العسكري "الإسرائيلي" في العاصمة الهندوراسية تيغوسيغالبا.

وقد ضمّ الوفد الهندوراسي وزير الأمن الداخلي ورئيس هيئة الأركان المشتركة، وشملت المباحثات أمن الحدود والاستخبارات والتخطيط الاستراتيجي وشراء العتاد والتدريب، مع عرض للدروس التي استخلصها "الجيش" الإسرائيلي من حربه على جبهات متعددة.

ولم يكن توقيت المذكرة مجرد تفصيل جانبي، فالاتفاق الذي يحكم مشتريات هندوراس العسكرية من "إسرائيل" منذ عام 2016 مدّته 10 سنوات، أي أنه ينتهي هذا العام، وتنصّ مادته الرابعة على إعفاء كل ما يُشترى بموجبه من الضرائب.

وقبله كان اتفاق عام 2019 بين وزارتي الدفاع قد أدخل 9 منظومات مراقبة غير مأهولة، بمسيّرتين لكل منها، مع مدرّبين "إسرائيليين" على الأرض.

وتسير كولومبيا في المسار نفسه بسرعة أكبر، ففي منتصف تموز/يوليو، وقبل 3 أسابيع من تنصيب الرئيس الجديد، التقى ساعر في واشنطن وزير الخارجية الكولومبي المعيَّن مؤخراً عمر بولا إسكوبار، وخرجا بخريطة طريق تشمل تبادل السفراء فوراً وإلغاء التأشيرات ونقل السفارة الكولومبية إلى القدس وسحب تدخّل بوغوتا في دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.

وفي 7 آب/أغسطس الجاري، يوم تنصيب أبيلاردو دي لا إسبرييا في كالي، كان ساعر هناك مجتمعاً بنائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو ووزراء الخارجية والدفاع والمالية والعدل والتجارة والبيئة.

أما بعثة رام الله التي ألغتها الحكومة الجديدة بحجة أنها لم تعمل يوماً، فإن من منع عملها هي "إسرائيل" نفسها، برفضها دخول السفير المعيَّن خورخي إيفان أوسبينا عبر مطار بن غوريون حتى سقط تعيينه قانونياً في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

وفي 10 آب/أغسطس الجاري، بعد 3 أيام من التنصيب وفي اليوم الذي ضرب فيه زلزال بقوة 7.4 درجة غرب البلاد، أعلنت الخارجية الكولومبية اعترافها بما يسمّى "السيادة الإسرائيلية" على الجولان السوري المحتل، فصارت كولومبيا ثاني دولة في الأمم المتحدة بعد الولايات المتحدة تفعل ذلك، بتبرير مأخوذ من الخطاب "الإسرائيلي" عن تحديات أمنية وجودية على الحدود.

رفضت الجامعة العربية الإعلان وطالبت بسحبه، وتبعتها مصر والسعودية والأردن والكويت والعراق وقطر وتركيا وسوريا. وقبل ذلك بيومين كانت بوغوتا قد اعترفت بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، مُجمِّدةً علاقاتها بالجمهورية الصحراوية.

هذه الحكومة أنجزت، بعمرها الذي لم يُكمل شهراً واحداً، ما لم ينجزه خافيير مايلي في الأرجنتين بعد أكثر من عامين ونصف من وصفه نفسه بأنه "أكثر رؤساء العالم صهيونية".

والبُعد الاقتصادي في الملف الكولومبي واضح ومحدَّد بالأرقام، فقد نشرت وزارة التجارة مشروع مرسوم يُلغي المرسومين 1047 لعام 2024 و0949 لعام 2025، اللذين حظرا تصدير الفحم إلى "إسرائيل" ثم جعلا الحظر بلا استثناء، بحجة أن القرار حوّل عائدات هذه التجارة إلى موردين في بلدان ثالثة.

وكانت صادرات كولومبيا إلى "إسرائيل" تبلغ قرابة 1,075 مليون دولار في عام 2022، فهبطت إلى قرابة 273 مليوناً في عام 2024 ونحو 140.6 مليوناً في عام 2025، ثم 21.8 مليوناً حتى نيسان/أبريل الماضي.

وكان تقرير المقرّرة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي قد أثبت أن 60% من الفحم الذي يولّد كهرباء "إسرائيل" مصدره كولومبيا عبر شركتي "دروموند" و"غلينكور"، وأن 15 شحنة خرجت بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت 6 منها بعد إقرار الحظر نفسه.

لكن أهم ما يكشفه الملف الكولومبي أن القطيعة الدبلوماسية لم تلمس قلب العلاقة الأمنية،  ففي عام 2024، أي بعد قرار غوستافو بيترو وقف مشتريات السلاح، وقّعت مديرية التحقيق الجنائي في الشرطة عقداً بتسعة مليارات بيزو مع شركة "إلبيت" لصيانة منظومة اعتراض الاتصالات "تارغت 360"، بلا منافسين، واستمر الدعم الفني لمسيّرات "هيرميس" ورادارات المراقبة الجوية.

وبقيت منصة الرصد والتحليل الموحدة "بوما"، المبنية على تكنولوجيا "إسرائيلية"، أداة التنصت لدى الشرطة والنيابة العامة.

وقارب الرصيد التراكمي لهذا التسليح نحو 325 مليون دولار منذ الثمانينيات، إلى جانب شراء برنامج "بيغاسوس" بأحد عشر مليون دولار نقداً في عام 2021.

وما تعلنه الحكومة الجديدة اليوم ليس إلا استئنافاً لما كان يجري من قبل: تحديث 13 مروحية "أربيا"، وتجديد ترخيص تصنيع بندقية "غاليل"، وتحديث منصة "بوما"، وشراء مسيّرات وأنظمة ذكاء اصطناعي.

الإطار الجامع لهذه الخطوات هو ما يُسمّى "اتفاقات إسحاق". وصاحب الفكرة التنفيذية هو ساعر، الذي اقترحها على مايلي ثم طرحها على وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في صيف عام 2025، فأنشأ الطرفان فريق عمل مشتركاً لدفعها.

وأُطلقت سياسياً في بوينس آيرس في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بمشاركة أميركية وأرجنتينية و"إسرائيلية"، ثم رئاسياً في القدس في 19 نيسان/أبريل الماضي بتوقيع بنيامين نتنياهو ومايلي وبحضور السفير الأميركي مايك هاكابي، ووُقّعت معها مذكرتا تفاهم في الأمن والذكاء الاصطناعي.

والصيغة التي قُدّمت بها الاتفاقية صريحة في مرجعيتها: تعاون بين من وُصفوا بـ "أبناء إسحاق والأمم المتجذرة في التقليد اليهودي-المسيحي"، في مواجهة "الإرهاب والسامية والاتجار بالمخدرات". وقد استهدفت في مرحلتها الأولى الأوروغواي وبنما وكوستاريكا، والثانية البرازيل وكولومبيا وتشيلي والسلفادور.

الأهم أن الاختراق انتقل في حزيران/يونيو من الإيماءات الثنائية إلى رأس المال المتعدد الأطراف، ففي الثالث من الشهر ذاته، وقّع وزير المالية "الإسرائيلي" بتسلئيل سموتريتش في مقر السفارة "الإسرائيلية" في واشنطن خطاب نوايا مع رئيس بنك التنمية للبلدان الأميركية إيلان غولدفاين لإنشاء صندوق يحمل اسم "الاتفاقات".

ويتكوّن من صندوقين أحدهما حكومي تُودَع فيه أموال "إسرائيلية" تُضاعَف عبر البنك وتوجَّه إلى استثمارات في الدول المنضمّة، وربط سموتريتش الصفقة صراحةً بمكانة "إسرائيل" السياسية وبحربها المستمرة منذ عامين ونصف.

وبالتوازي، عملت منظمة "أصدقاء اتفاقات إسحاق الأميركيين"، التي أسّستها مؤسسة "جينيسيس" بمليون دولار هي قيمة جائزتها التي فاز بها مايلي وتنازل عنها، مع مندوب "إسرائيل" في الأمم المتحدة داني دانون على سفراء أميركا اللاتينية ومندوبيها الدائمين، لتوسيع الدعم الذي تحصل عليه في الأمم المتحدة والمنظمات المتعددة الأطراف.

وبين 28 و30 حزيران/يونيو الماضي، استضافت بوينس آيرس مؤتمراً نظّمته مؤسسة "حلفاء إسرائيل" مع منظمة "أصدقاء اتفاقات إسحاق الأميركيين" ذاتها، وقّع فيه نواب من أكثر من عشرة بلدان مبادئ الاتفاقات، وتعهّدوا بتبنّي تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست للسامية، وبالدفع لنقل سفارات بلدانهم إلى القدس، وبتشديد التشريعات المتعلقة بالإرهاب والتطرف.

ومن المتحدثين كان فلافيو بولسونارو، مرشّح اليمين البرازيلي في انتخابات تشرين الأول/أكتوبر الرئاسية المقبلة ونجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي يقضي حالياً في الإقامة الجبرية عقوبة بالسجن لمدة 27 عاماً بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري.

وتقوم هذه الشبكة على قاعدة اجتماعية نافذة، فالإنجيليون يمثّلون نحو 40% من سكان هندوراس وغواتيمالا على سبيل المثال، وهما أول من نقل سفارتيهما إلى القدس في القارة، والجبهة البرلمانية الإنجيلية من أكبر الكتل في الكونغرس البرازيلي، وقد عارضت انضمام بلادها إلى دعوى الإبادة في محكمة العدل الدولية.

وفي 27 آذار/مارس الماضي، عقد ساعر اتصالاً جماعياً مع وزراء خارجية باراغواي وبوليفيا والإكوادور وبنما، ونواب وزراء خارجية الأرجنتين وهندوراس وكوستاريكا وبيرو، طالبهم فيه بتصنيف حرس الثورة الإيراني الإيراني وحزب الله باعتبارهما "تنظيمين إرهابيين".

وكان روبيو قد عمّم على السفارات الأميركية توجيهاً بالمطالبة بالأمر نفسه بالتنسيق مع النظراء "الإسرائيليين". ونتيجة ذلك أن الأرجنتين صنّفت فيلق القدس و13 فرداً في كانون الثاني/يناير الماضي ثم حرس الثورة بكامله، وانضمت الإكوادور وكوستاريكا وباراغواي وترينيداد وتوباغو إلى تصنيف حماس وحزب الله وحرس الثورة.

ويتخطى أثر هذه الخطوة حدود الرمزية، فالتصنيف يتيح تجميد أصول وشبكات مالية بلا حكم قضائي مسبق، ويحوّل تعريف "إسرائيل" لأعدائها إلى قانون محلي في بلدان لا صلة لها بهؤلاء "الأعداء".

وبالتوازي جرى تفكيك ما بنته حكومات اليسار من أدوات قانونية، ففي 4 آذار/مارس الماضي، وهو اليوم الذي عقدت فيه مجموعة "لاهاي" اجتماعاً طارئاً، أعلنت بوليفيا وهندوراس انسحابهما منها، وقال ساعر إنه أدار العملية شخصياً وشكر الرئيسين رودريغو باز ونصري أصفورة.

وفي 24 تموز/يوليو الماضي أعلنت كاراكاس أيضاً انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية تحقيقات سابقة للمحكمة بشأن مزاعم جرائم ضد الإنسانية في فنزويلا.

وفي 12 آب/أغسطس الجاري، طالب وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من داخل بنما الدول التسع عشرة الأعضاء في تحالف "درع الأميركتين" ضد الكارتيلات بالخروج من المحكمة نفسها، في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه كولومبيا انضمامها إلى التحالف وإذنها بعمليات عسكرية أميركية مشتركة على أرضها.

وأسباب الأمر الأميركي بالخروج من المحكمة واضحة، إذ يمثّل، بمعنىً ما، إزالةً للمظلة القانونية التي يمكن أن تُحاكم في إطارها جرائم "إسرائيل" والحرب على المخدرات معاً.

وفي تشيلي، حيث تعيش أكبر جماعة فلسطينية خارج المشرق، عيّن الرئيس خوسيه أنطونيو كاست في 4 حزيران/يونيو الماضي رئيس الجماعة اليهودية السابق غابرييل زالياسنيك سفيراً في "إسرائيل"، فقدّم أوراقه في أول أسبوع من آب/أغسطس الجاري وزار قاعدة "بالماحيم" الجوية بالأراضي المحتلة.

ثم أعلنت الحكومة التشيلية إعادة الملحقين العسكريين الذين سحبهم الرئيس السابق غابرييل بوريك، وعادت الشركات "الإسرائيلية" إلى معرض "فيداي" بعد استبعادها في عام 2024.

ومن السهل فهم هذه الانعطافة بعد مغادرة بوريك الرئاسة، فالجيش التشيلي يعمل بمنظومة قيادة من شركة "إلبيت"، وبنادق "غاليل" تُصنَّع محلياً، ولدى البلاد رصيد من صواريخ "سبايك" ومسيّرات "هيرميس" ، بالإضافة إلى منظومة أقمار صناعية بمئة وعشرين مليون دولار طوّرتها بشراكة "إسرائيلية".

أما السفير "الإسرائيلي" بيليغ ليفي فقد وصف الجماعة الفلسطينية بأنها "تنظيم راديكالي" وهاجم معرضاً عن غزة في مدينة فينيا دل مار، فاتّهمه برلمانيون من غرفتي النواب والشيوخ بالتدخل في شؤون البلاد الداخلية.

وفي بيرو، اختارت شركة الأسلحة والذخائر الحكومية التابعة للجيش منظومة الصواريخ "بولس" من شركة "إلبيت" في تموز/يوليو عام 2025، متقدّمة على العرضين الصيني والتركي، ووقّعت في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي عقداً بـ60 مليون دولار يشمل شراء 3 قاذفات ونظام قيادة يدمج 27 قاذفة قديمة، و90 صاروخاً موجّهاً بمدى 50 كيلومتراً و3 صواريخ باليستية بمدى 300 كيلومتراً، على أن يُجرى الفحص الفني والقبول النهائي للأنظمة داخل مصانع "إلبيت"، مع خطط لتوريد تسع منظومات إضافية بين عامي 2026 و2029.

وفي الإكوادور، زار ساعر كيتو في 5 آب/أغسطس الجاري، في أول زيارة لوزير خارجية "إسرائيلي" منذ 44 عاماً، فوقّع مع وزير الداخلية اتفاق مكافحة إرهاب يشمل تبادل المعلومات وبناء القدرات مع "إسرائيل"، وأعلن بدء التفاوض على اتفاق تجارة حرة، بعد أن افتتحت كيتو مكتب ابتكار وريادة أعمال في القدس بصفة دبلوماسية.

ولكن الحالة الفنزويلية هي الأشد دلالة، فبعد الزلزالين المزدوجين في 24 حزيران/يونيو الماضي، وصلت إلى كاراكاس بعثة "إسرائيلية" بقيادة يوعيد ماغن، السفير المعيَّن اليوم في المكسيك، ومعه العميد إلعاد إدري الذي عرض على الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز مشروعاً لإعادة البناء، وأنهت عملها في 22 تموز/يوليو بلقاء شكر رسمي.

وفي 9 آب/أغسطس الجاري، سلّم الحاخام الأكبر للجمعية "الإسرائيلية" في فنزويلا إسحق كوهين رسالة إلى وزير الخارجية فيليكس بلاسينسيا يطالب فيها باستعادة العلاقات، فأُعلنت بعدها بيومين آلية للخدمات القنصلية بعد 17 عاماً من القطيعة، مع استمرار التعاون التقني المنبثق عن الإغاثة وإعادة الإعمار.

وكانت كاراكاس قد نَفَت الأنباء التي تحدثت عن وصول شحنة نفط فنزويلية إلى مصفاة بازان في حيفا خلال شباط/فبراير الماضي، مؤكدةً عدم صحة التقارير حول صدور تراخيص من الخزانة الأميركية أو قيام شركتي "فيتول" و"ترافيغورا" بنقلها.

ويبقى البُعد الأخطر للاختراق الصهيوني في هندوراس، ففي 27 تموز/يوليو الماضي نشرت منصة "هندوراس غيت" دفعة ثانية من التسجيلات بالتعاون مع صحيفة "دياريو ريد" وموقع "دروب سايت"، يظهر فيها أصفورة موجّهاً رئيس الكونغرس توماس زامبرانو إلى تمرير مرسوم للتحكم في مواقع التواصل وإلغاء إخفاء الهوية، بطلب من "الإسرائيليين" بحسب قوله، وإلى استعادة المحكمة العليا والنيابة.

وفي تسجيل آخر يشرح أن البرمجية "الإسرائيلية" تستخرج بيانات الاتصالات داخل البلاد بتعاون شركتي "تيغو" و"كلارو".

وأثناء النشر كان مشروع قانون للأمن السيبراني في طريقه إلى الكونغرس، ولم يردّ أصفورة على طلب التعليق. وهذا نموذج مطبَّق سابقاً في السلفادور، حيث استأجرت الشرطة في عام 2020 ثلاث برمجيات "إسرائيلية" بنحو 3.4 مليون دولار لاعتراض المكالمات وتحليل حسابات التواصل مع تعرّف على الوجوه وتتبّع المواقع.

إن ما تُظهره هذه الوقائع مجتمعة مع غيرها أن حصة أميركا اللاتينية من صادرات السلاح "الإسرائيلية" – تمثّل 2% من 19.2 مليار دولار سجّلتها "إسرائيل" العام الماضي – لا تقيس شيئاً من وزن الاختراق، فقيمة هذا الأخير ليست في حجم المبيعات بل في تموضعه داخل أجهزة هذه الدول، إذ تُزرع منظومات اعتراض الاتصالات وقواعد بيانات الشرطة وأنظمة القيادة والسيطرة في البنية الإدارية، فيصبح استبدالها بعد ذلك قراراً صعباً يتطلّب وقتاً يزيد على دورة انتخابية واحدة.

وتجربة بيترو في كولومبيا تثبت ذلك، فقد قطع العلاقات وأوقف مشتريات السلاح وحظر تصدير الفحم، لكن عقود صيانة التنصت بقيت سارية حتى نهاية ولايته. وبهذا المعنى لا تحتاج "تل أبيب" إلى حكومة صديقة دائمة، وإنما إلى موقع تكنولوجي لا يستطيع أي جهاز أمني أن يعمل من دونه.

والوجه الثاني أن هذا الاختراق ليس مشروعاً "إسرائيلياً" منفرداً، فتتابع الوقائع يكشف تقسيماً واضحاً للعمل مع الولايات المتحدة: روبيو يعمّم على السفارات، وهيغسيث يطالب بالخروج من المحكمة الجنائية، وساعر يجمع وزراء الخارجية، وسموتريتش يفتح الباب داخل بنك التنمية.

والحكومات الجديدة، من كيتو إلى بوغوتا إلى تيغوسيغالبا، تدفع بالاعتراف بالجولان ونقل السفارات وتصنيف حرس الثورة وحزب الله ثمناً لدخول واشنطن.

وما تحصل عليه حكومات هذه البلدان لقاء ذلك هو مسيّرات وعمليات عسكرية مشتركة وحصة من مليار دولار مساعدات.

ويتجلّى المضمون المادي لهذه المقايضة على سبيل المثال في عقود شركة "ميكوروت" الإسرائيلية لإدارة المياه في مقاطعات أرجنتينية وفي منطقة بيوبيو التشيلية ومع شركة المياه الحكومية الأوروغوايانية، وفي فحم لاغواخيرا الكولومبي، إلى جانب النفوذ الأميركي في نفط حوض ماراكايبو الفنزويلي.

ورهان "إسرائيل" هنا واضح لا لبس فيه، إذ تسعى إلى تثبيت شبكة تنجو من صناديق الاقتراع التي قد تفوز بها إدارة يسارية، عبر صناديق تمويل وكتل برلمانية وتعريف للسامية يُدرَج في التشريعات ومعاهدات تجارية طويلة الأمد.

وفي مقابل ذلك، تراكمت في العام الجاري علامات على أن الجانب الاجتماعي لم يُخترَق بهذا الحجم، فقد سجّل مسح مركز "بيو" في ربيع العام الجاري صورة سلبية لـ"إسرائيل" عند 60% في تشيلي و55% في الأرجنتين؛ بالإضافة إلى رفع دعوى جزائية في أوروغواي ضد المتحدث باسم الجيش "الإسرائيلي" للإعلام الناطق بالإسبانية، بتهمة الضلوع في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.

ومازالت اتفاقية التجارة الحرة بين كوستاريكا و"إسرائيل" معلّقة في برلمان الأولى؛ وسفارة مايلي لم تنتقل بعد إلى القدس نتيجة توتر سياسي نشب بسبب خطط شركة "نافيتاس بتروليوم" الإسرائيلية للتنقيب عن النفط قبالة جزر مالفيناس الأرجنتينية من دون موافقة قانونية حتى الآن من بوينس آيرس.

والاختبار المقبل في البرازيل في شهر تشرين الأول/أكتوبر، حيث لا يواجه لولا دا سيلفا مرشحاً منافساً فحسب في انتخابات الرئاسة، وإنما شبكة النفوذ الإنجيلية-الصهيونية كلّها بصناديقها وكتلها ومرشحها الذي سجّل نتنياهو بنفسه فيديو لدعمه مؤخراً.

اخترنا لك