الحصار على كوبا في أقصى مداه.. وواشنطن تعلن هدفها من منبر الأمم المتحدة
واشنطن تتقدّم ببطء، في ظل انشغالها بحربها على إيران التي كلّفتها قرابة 38 مليار دولار حتى مطلع الشهر الماضي، وبانتخابات التجديد النصفي، وهو ما يضع سياسة الضغط على كوبا اليوم ضمن أولويات تتنافس عليها ملفات واستحقاقات داخلية أخرى.
-
الحصار على كوبا في أقصى مداه... وواشنطن تعلن هدفها من منبر الأمم المتحدة
في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر الجاري أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أن إدارته تسعى إلى تغيير جوهري في كوبا، ووصف الجزيرة بأنها "دولة فاشلة" وأنها "ستسقط"، وتعهّد بمنع قيام ملاذ لخصوم أجانب يهدّدون بلاده عند عتبتها، ونسب إلى هافانا تنسيقاً استمر لعقود مع تنظيمات اليسار الأميركي استناداً إلى تقرير وزارة الخارجية الصادر في تموز/يوليو الماضي. وعند هذه العبارات غادر الوفد الكوبي القاعة برئاسة وزير الخارجية برونو رودريغيز. وأضاف ترامب أن وزير خارجيته ماركو روبيو منغمس في مفاوضات مع الجانب الكوبي، فردّ رودريغيز بأن الحصار الاقتصادي والطاقي هما مصدر التهديد الفعلي، وبأن ما يجري إبادة وعقاب جماعي.
وكان رودريغيز قد أعلن في مستهلّ الشهر الجاري غياب أيّ مفاوضات أو جدول أعمال متّفق عليه مع واشنطن مع بقاء قنوات اتصال بلا تقدّم، بعد إقراره في حزيران/يونيو الماضي بتعثّر المسار الذي فُتح مطلع هذا العام. تشمل المطالب الأميركية المعلنة تحوّلات في بنية الاقتصاد وإفراجات عن سجناء، وتضيف تسريبات سابقة إغلاق محطات التنصّت والرصد الروسية والصينية وفتح السوق أمام رأس المال الأميركي. وفي اجتماع وزاري لمجموعة "سيلاك" عُقد في نيويورك في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، أي قبل يوم من خطاب ترامب في الأمم المتحدة، وصف الوزير الكوبي الحصار الطاقي بأن آثاره تعادل آثار حصار بحري، وهو ما وصفه بأنه عمل من أعمال الحرب وفق القانون الدولي.
تستند الحملة الأميركية إلى أمرين تنفيذيين، صدر الأول في التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير الماضي معلناً حالة طوارئ وطنية بذريعة "التهديد الكوبي" ومتيحاً فرض رسوم على واردات الولايات المتحدة من الدول التي تزوّد الجزيرة بالنفط، وصدر الثاني في الأول من أيّار/مايو الماضي منشئاً برنامج عقوبات مستقلاً يغطي قطاعات الطاقة والدفاع والتعدين والخدمات المالية والأمن ويخوّل ملاحقة المصارف الأجنبية التي تتعامل مع المدرَجين. ومنذ السابع من أيّار/مايو الماضي وحتى العشرين من آب/أغسطس أُدرج ثمانون كياناً وفرداً في تسع جولات، تلتها جولة في الثالث من أيلول/سبتمبر الجاري طالت المصرف الخارجي وفرعين لشركة النفط الوطنية، وأخرى في السابع عشر من الشهر ذاته شملت أربع شركات نيكل وأربعة مراكز للبحث العسكري.
وتُترجم هذه القرارات في البحر، فمنذ كانون الأول/ديسمبر الماضي تفرض البحرية الأميركية حجراً على الناقلات المعاقَبة، واعتُرضت ثماني سفن على الأقل حتى شباط/فبراير الماضي، وأدرجت الخزانة كوبا ضمن الوجهات الممنوعة من تلقّي النفط الروسي، فتحوّلت ناقلة محمّلة بمئتي ألف برميل عن وجهتها. واقتصر ما وصل إلى الجزيرة من الخام طوال العام الجاري على شحنة روسية واحدة بمئة ألف طن في آذار/مارس الماضي كمساعدة إنسانية، فيما هبطت صادرات المكسيك من المشتقات في الربع الأول إلى نحو تسعمئة برميل يومياً وتوقفت صادراتها من الخام بالكامل، وانقطعت الواردات من فنزويلا بالكامل مباشرة بعد العدوان العسكري عليها في مستهلّ هذا العام. وتواصلت تسعة أشهر من طلعات الاستطلاع الجوي الأميركية قبالة شبه جزيرة يوكاتان لتعقّب الناقلات وسفن الشحن، وتُحتجز في موانئ مجاورة سبعة آلاف حاوية معظمها أغذية وأدوية اشترتها شركات خاصة، بعد توقف كبرى شركات الشحن عن خدمة الموانئ الكوبية في أيّار/مايو الماضي.
وفي الثامن عشر من أيلول/سبتمبر الجاري انفصلت الشبكة الوطنية بالكامل بعد عطل في خط النقل بين ماتانساس وسيينفويغوس، فبقي أكثر من تسعة ملايين شخص بلا كهرباء، واستغرقت إعادة ربط المقاطعات اثنتين وثلاثين ساعة. وقال مسؤول الشبكة إن البلاد تفتقر إلى الوقود اللازم للتوليد الحراري، وإن محطات التوليد الموزّعة والعوامات المولّدة في منطقة مارييل خارج الخدمة. هذا هو الانهيار الشامل الثامن خلال هذا العام، وقد سجّل الشهر الجاري عجزاً في توليد الكهرباء تجاوز ألفي ميغاواط في أيام متعددة، مع انقطاعات تخطّت ثلاثين ساعة في هافانا وستين ساعة في مقاطعات أخرى. وتحتاج الجزيرة إلى أكثر من مئة ألف برميل يومياً لتغطية استهلاكها، وهي لا تنتج منها سوى نحو أربعين ألف برميل.
وتنعكس المعادلة نفسها على الخدمات، فالُمتاح من قائمة الأدوية الأساسية 30% فقط، وقد أعلنت مجموعة "بيوكوبافارما" عجزها عن ضمان نحو 300 دواء من أصل 395، وبلغت قوائم انتظار الجراحة 96 ألف مريض بينهم 11 ألف طفل مع تقدير رسمي بوصولها إلى 160 ألفاً نهاية العام. وارتفعت وفيات الرضّع من أربعة لكل ألف مولود حي في عام 2018 إلى 9.9 في العام الماضي، وتراجع الإنتاج الغذائي بنحو 60% في بلد يستورد أصلاً نحو 80% من غذائه. وهبط الوافدون الدوليون في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري بنحو 58% مع انسحاب سلاسل الفنادق الإسبانية والكندية. وأقرّ برنامج الأغذية العالمي خطة دعم بقيمة 116 مليون دولار حتى عام 2030 تقول هافانا إن واشنطن ضغطت لعرقلة إقرارها.
وقد أقرّت الجمعية الوطنية الكوبية في الثامن عشر من حزيران/يونيو الماضي 176 تحوّلاً اقتصادياً واجتماعياً على ثلاثة وعشرين محوراً، شملت إنهاء احتكار الدولة للتجارة الخارجية وفتح الاستثمار أمام المشاريع الخاصة وإجازة الصيدليات وسلاسل المتاجر الخاصة بالدولار والبيزو، مع حصر السلة المدعومة بالمتقاعدين والفئات الهشّة. وطُرحت في منتصف الشهر الجاري ورقتان نقديتان من فئتي عشرة آلاف وعشرين ألف بيزو مع بلوغ الدولار نحو سبعمئة بيزو في السوق الموازية. أما في الطاقة، فقد رُبطت 49 حديقة شمسية بقدرة تتجاوز ألف ميغاواط بتمويل صيني. وجرى تأجيل المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الكوبي بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها البلاد، بينما تتواصل "أيام الدفاع الأسبوعية" كجزء من الاستراتيجية العسكرية والسياسية للبلاد وفق عقيدة "حرب الشعب بأسره" استعداداً لمواجهة أي تهديد عسكري محتمل.
وعلى المستوى الإقليمي، طردت الإكوادور البعثة الكوبية بكاملها في آذار/مارس الماضي، وأغلقت كوستاريكا سفارتها في الشهر ذاته ثم أكدت قطع العلاقات في أيلول/سبتمبر الجاري بعد لقاء وزير خارجيتها بروبيو، وأمهلت جمهورية الدومينيكان نحو عشرة دبلوماسيين كوبيين وعائلاتهم للمغادرة في آب/أغسطس الماضي، فيما أعلن الرئيس الكولومبي الجديد قطع العلاقات مع هافانا قبل أسبوعين من تسلّمه منصبه الشهر الماضي. وألغت تسع حكومات في الكاريبي وأميركا الوسطى اتفاقاتها مع البعثات الطبية الكوبية، وهي القطاع الذي وفّر للبلاد 4.8 مليارات دولار في عام 2024 وحده متقدّماً على السياحة. وقد ترأس ترامب يوم خطابه في الأمم المتحدة اجتماعاً استثنائياً لتحالف "درع الأميركتين" في نيويورك، بمشاركة قادة ووزراء خارجية من 14 دولة في أميركا اللاتينية والكاريبي. وكان تأييد القرار الأممي ضد الحصار على كوبا قد تراجع في تشرين الأول/أكتوبر الماضي إلى 165 صوتاً مقابل سبعة، مع 12 امتناعاً، بعدما كان 187 صوتاً في العام السابق، فيما يُرتقب إجراء التصويت المقبل في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
تكشف محصّلة كل ذلك أن الهدف الذي أعلنه ترامب يتقدّم على أيّ تبرير معلن للإجراءات، فاختيار الكهرباء والوقود والقنوات المالية يضع الضغط عند النقاط التي يتعطّل عندها اشتغال المجتمع بأسرع وتيرة، ويحوّل معيشة أكثر من تسعة ملايين إنسان إلى أداة لانتزاع تغيير سياسي. ويظهر التناقض جلياً في احتجاز سبعة آلاف حاوية من الغذاء والدواء اشترتها الشركات الخاصة ذاتها التي تقول واشنطن إنها تدعمها. أمّا تقدير الأضرار الذي أعلنته هافانا في السابع من أيلول/سبتمبر الجاري، والبالغ 8.08 مليارات دولار، فيغطي الفترة الممتدة من آذار/مارس 2025 إلى شباط/فبراير 2026، أي إنه لا يعكس من آثار الحصار النفطي سوى شهريه الأولين، ويرفع إجمالي الأضرار التراكمي الذي تقدّره هافانا منذ فرض الحصار في عام 1962 إلى 178.7 مليار دولار.
وإلى جانب ذلك، يؤدّي تفكيك العلاقات الدبلوماسية وإنهاء عقود البعثات الطبية وظيفة العزل الإقليمي والدولي من دون تكلفة عسكرية مباشرة، ويصيب في الوقت ذاته خدمات صحية يعتمد عليها فقراء في بلدان عدة. ومقابل ذلك كلّه، تتحرّك هافانا على مسارين: أوّلهما توسيع هامش الاقتصاد الداخلي وبناء بديل طاقي بطيء الأثر، وثانيهما رفع تكلفة أيّ عدوان عبر التعبئة الدفاعية مع تثبيت رفض التفاوض على بنية النظام. ويبقى النزيف السكاني التحدّي الأعمق، فقد غادر نحو 245 ألف كوبي في العام الماضي وحده وانخفض التعداد إلى نحو 9.4 ملايين نسمة. أمّا واشنطن فتتقدّم ببطء، في ظل انشغالها بحربها على إيران التي كلّفتها قرابة 38 مليار دولار حتى مطلع الشهر الماضي، وبانتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وهو ما يضع سياسة الضغط على كوبا اليوم ضمن أولويات تتنافس عليها ملفات خارجية واستحقاقات داخلية أخرى.