من الطاقة إلى التجارة.. كيف تدفع الحرب على إيران أوروبا نحو أزمة اقتصادية؟

يمتد تأثير التصعيد في غرب آسيا إلى الاقتصاد الأوروبي عبر قنوات الطاقة والتجارة والاستثمار، ما يفاقم الضغوط التضخمية ويضعف النمو. ومع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الإنتاج، تواجه أوروبا مخاطر تباطؤ اقتصادي وتراجع في التنافسية.

  • من الطاقة إلى التجارة.. كيف تدفع الحرب على إيران أوروبا نحو أزمة اقتصادية؟
    من الطاقة إلى التجارة.. كيف تدفع الحرب على إيران أوروبا نحو أزمة اقتصادية؟

في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ومع تصاعد التوترات في غرب آسيا، تشهد حركة الملاحة في مضيق هرمز اضطراباً متزايداً انعكس على أسواق الطاقة العالمية ورفع منسوب القلق في أوروبا بشأن الإمدادات والتجارة الدولية.

وبينما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في غرب آسيا يؤدي إلى زيادة عدم اليقين الاقتصادي العالمي ويضغط على معدلات النمو، خصوصاً في الاقتصادات الصناعية الكبرى، فإن الاقتصاد الأوروبي يبقى من بين الأكثر تأثراً بشكل  مباشر، نتيجة اعتماده الكبير على الطاقة المستوردة، حيث تستورد أوروبا أكثر من 90% من احتياجاتها النفطية وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة.

الطاقة: ضغوط متصاعدة على شريان أوروبا

يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وأي اضطراب في الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة الدولية.

وتشير تحليلات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن أسواق النفط تتفاعل بسرعة مع المخاطر الجيوسياسية في غرب آسيا، حتى دون توقف فعلي للإمدادات، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع المخاطر إلى زيادة أسعار النفط بنسب تتراوح بين 5% و10% على المدى القصير نتيجة "علاوة المخاطر الجيوسياسية" في الأسواق.

كما تؤكد بيانات المصرف المركزي الأوروبي أن أسعار الطاقة تبقى من أبرز محركات التضخم في منطقة اليورو، حيث كانت مسؤولة عن جزء كبير من موجات التضخم التي دفعت المعدل العام إلى ذروات قاربت 10% خلال أزمة الطاقة في 2022، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى نطاق يقارب 2% إلى 3% حالياً.

وتشير بيانات "Eurostat" إلى أن تقلبات أسعار الطاقة يمكن أن تضيف أو تزيل نحو 0.5 إلى 1 نقطة مئوية من معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو، ما يوضح حجم الحساسية المباشرة لأي اضطراب في الإمدادات العالمية.

وينعكس ذلك على الأسر الأوروبية عبر ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والنقل، حيث تشير تقديرات البنك المركزي الأوروبي إلى أن الطاقة تمثل ما يقارب 10% إلى 15% من سلة الإنفاق الاستهلاكي للأسر في أوروبا بشكل مباشر وغير مباشر، إضافة إلى زيادة كلفة الإنتاج الصناعي في الاقتصادات الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

الاستثمار: حالة ترقب وعدم يقين في الاقتصاد الأوروبي

يرفع التصعيد في غرب آسيا مستوى عدم اليقين في الأسواق العالمية، وهو عامل تعتبره المؤسسات الاقتصادية من أكثر المحركات تأثيراً على قرارات الاستثمار، حيث تشير تقديرات البنك المركزي الأوروبي إلى أن ارتفاع مؤشرات عدم اليقين الجيوسياسي يؤدي عادة إلى تراجع الاستثمار في القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 2% و5% خلال فترات الصدمات الحادة.

وتوضح دراسات المصرف المركزي الأوروبي أن ارتفاع عدم اليقين ينعكس مباشرة على الاقتصاد الحقيقي عبر:

1 - تأجيل الاستثمار الرأسمالي
2 - تباطؤ التوظيف
3 - تراجع الإنتاج الصناعي

كما تشير بيانات البنك المركزي الأوروبي إلى أن ارتفاع مؤشر عدم اليقين الاقتصادي (Economic Policy Uncertainty) يرتبط بانخفاض في ثقة الشركات بمستويات تصل إلى 5–10 نقاط في مؤشرات الثقة الصناعية خلال فترات التوتر الجيوسياسي.

وفي المملكة المتحدة، أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية تباطؤاً في سوق العمل وارتفاعاً في البطالة إلى نحو 5%، مع تراجع الوظائف الشاغرة إلى مستويات تقل بنحو 20% إلى 30% عن ذروتها بعد جائحة كورونا، ما يعكس ضغطاً اقتصادياً متزايداً على سوق العمل البريطاني. وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن حالة الترقب لا تقتصر على الأسواق المالية، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي عبر قرارات التوظيف والاستثمار والإنتاج.

وفي السياق نفسه، حذّر رؤساء شركات في المملكة المتحدة من أن التداعيات المتفاقمة للحرب على إيران تدفع العديد من الشركات إلى وقف خططها الاستثمارية والتوظيفية، في ظل تصاعد حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ووفق دراسة استقصائية أجرتها شركة المحاسبة "BDO"، قال أكثر من نصف الشركات المتوسطة الحجم إن ارتفاع تكاليف الطاقة والوقود وضغوط سلاسل التوريد يمثل أبرز التحديات، ما يعكس استمرار الضغط على بيئة الأعمال في بريطانيا.

التجارة: اضطراب متزايد في سلاسل الإمداد العالمية

تتأثر أوروبا بشكل مباشر بأي اضطراب في الممرات البحرية الدولية، خصوصاً في الخليج. وتشير تقارير منظمة التجارة العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نمو التجارة العالمية يتراوح بين 2% و3% سنوياً فقط، ما يجعلها شديدة الحساسية هي الأخرى لأي صدمات جيوسياسية أو ارتفاع في تكاليف الشحن.

وتوضح بيانات منظمة التجارة العالمية أن أي اضطراب في الممرات البحرية الاستراتيجية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري بنسبة تتراوح بين 10% و20% على المدى القصير نتيجة زيادة المخاطر وارتفاع أقساط التأمين البحري. كما تشير تقديرات سوق الشحن العالمي إلى أن تكاليف التأمين على السفن في مناطق التوتر الجيوسياسي قد ترتفع بما يصل إلى ضعفين إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بالمستويات الطبيعية، ما ينعكس مباشرة على أسعار الاستيراد في الأسواق الأوروبية.

ومع تصاعد التوتر، لجأت شركات شحن عالمية إلى إعادة توجيه مساراتها ورفع تكاليف التأمين، ما أدى إلى زيادة زمن الشحن وارتفاع كلفة السلع والطاقة في الأسواق الأوروبية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالاستيراد الصناعي والغذائي.

لذلك، لا تتوقف تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عند حدود غرب آسيا، بل تمتد بشكل متزايد إلى الاقتصاد الأوروبي الذي يجد نفسه أمام حلقة ضغط متكاملة تبدأ من الطاقة ولا تنتهي عند التجارة. فاضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع المخاطر على سلاسل الإمداد ينعكسان مباشرة على أسعار النفط والغاز، ما يفاقم الضغوط التضخمية في القارة ويحدّ من قدرة الاقتصادات الأوروبية على احتواء كلفة المعيشة.

وفي ظل هذا المشهد، تحذّر مؤسسات مالية دولية مثل صندوق النقد الدولي من أن استمرار التوترات الجيوسياسية في غرب آسيا يبقي الاقتصاد العالمي في حالة عدم يقين مزمن، حيث تصبح أوروبا من أكثر المناطق عرضة لتقلبات الأسعار والطاقة والتجارة في آن واحد.

اخترنا لك