من الثورة إلى الحرب المركّبة: تجربة إيران في الصراع المستمر

إيران تواجه منذ عام 1979 حرب استنزاف شاملة ومتدرجة، من اقتصادية إلى سياسية، أمنية، ثم عسكرية.. كيف تحوّل الصمود وإدارة الصراع الدائم إلى عنصر أساسي في بقاء الدولة؟

  • من الثورة إلى الحرب المركّبة: تجربة إيران في الصراع الدائم
    من الثورة إلى الحرب المركّبة: تجربة إيران في الصراع الدائم

أثبتت الأحداث التاريخية أن الدول قد تستهدف عبر منظومات طويلة من الاستنزاف المركّب، حيث يتحوّل الاقتصاد إلى ساحة حرب، والسياسة إلى أداة حصار، والمجتمع إلى ميدان ضغط، قبل أن تُطلّ القوة العسكرية بوصفها المرحلة الأخيرة في مشروع إخضاع الدولة.

والإمبراطوريات التي صمدت طويلًا لم تكن تلك التي تجنّبت الحروب، بل تلك التي فهمت أن الصراع قد يتحوّل إلى حالة دائمة، وأن إدارة المواجهة تصبح بحد ذاتها جزءاً من بقاء الدولة. 

منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة في 11 شباط 1979، دخلت إيران في مواجهة مفتوحة مع النظام الدولي القائم. وذلك في صراع على طبيعة النظام نفسه، وعلى حق دولة مستقلة في أن تختار نموذجها السياسي والأمني بعيداً عن منظومة الهيمنة. وسرعان ما اتخذ الصراع شكله العسكري المباشر عبر حروب افتعلتها واشنطن لإشغال وإنهاك طهران.

إلى جانب ذلك، وضمن مشروع استنزاف شامل، استخدمت واشنطن، الحصار، كأداة لإعادة تشكيل بنية الدولة والمجتمع. في مواجهة هذا الواقع، تعاملت طهران مع العقوبات كجزء من صراع دائم، ما دفعها إلى إعادة هندسة نموذجها الاقتصادي والأمني. وتحوّلت المؤسسات العسكرية، وفي مقدّمها حرس الثورة، إلى أعمدة أساسية في إدارة الدولة، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً أيضاً.

مع الوقت، لم تعد أدوات الضغط التقليدية كافية. بدأ الانتقال إلى ما يمكن تسميته الحرب المركّبة، حيث أصبح الصراع يُدار عبر شبكة متداخلة من الأدوات: عمليات استخباراتية، اغتيالات، هجمات سيبرانية، حرب إعلامية ونفسية، دعم اضطرابات داخلية، وضغوط سياسية ودبلوماسية. وذلك لضرب تماسك الدولة من الداخل، وخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار تُضعف قدرة النظام على إدارة التوازن بين الأمن والاقتصاد والمجتمع.

لم تبق هذه الأدوات في إطارها النظري، بل تُرجمت عملياً في سلسلة عمليات نوعية استهدفت قلب الدولة الإيرانية.

من الهجمات السيبرانية التي طالت البنى التحتية الحيوية، إلى عمليات اغتيال مركزة استهدفت علماء نوويين وخبرات استراتيجية.

كذلك هذا ترافق مع محاولات مستمرة لتغذية الاحتجاجات الداخلية وتحويلها من مطالب اجتماعية إلى أزمات سياسية، في مسعى لإرهاق الدولة من الداخل، ودفعها إلى استنزاف قدراتها الأمنية والاقتصادية في آن واحد.

واليوم، تدخل هذه المواجهة مرحلة أكثر خطورة. التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى انتقال التهديد من مستوى الضغط المركّب إلى مستوى التحضير العسكري المباشر.

الولايات المتحدة أعلنت عملياً عن وصول مجموعة حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى منطقة غرب آسيا، مع مدمرات مرافقة وطائرات قتالية، في خطوة اعتبرتها مصادر أميركية جزءاً من "إظهار القوة" والضغط على إيران. 

تراكم الأدوات السابقة، على امتداد السنوات، لم يحقق الهدف المركزي الذي سعت إليه واشنطن، والمتمثل في كسر إرادة الدولة أو دفعها إلى تغيير جوهري في سلوكها الاستراتيجي. بل على العكس، أدى فشل الحرب المركبة في تحقيق نتيجة نهائية، إلى إعادة طرح الخيار العسكري، كأداة ضغط أخيرة.

وفي هذا الإطار، ترى إيران نفسها اليوم في مواجهة تهديد وجودي، لا مجرد أزمة سياسية عابرة. من وجهة نظر الأمة الإيرانية، ما يجري هو استمرار لمسار بدأ منذ 1979، تغيّرت أدواته، لكن جوهره بقي واحداً: محاولة كسر نموذج الدولة المستقلة، وإعادتها إلى موقع التبعية في النظام الدولي.

بعد أكثر من أربعة عقود على انتصار الثورة، لم تعد الجمهورية الإسلامية تقاس فقط بقدرتها على تحمل الضغوط، بل بقدرتها على العيش داخل صراع مفتوح تتغير أدواته باستمرار.

فمن الحرب المفروضة، إلى الحصار، ثم الحرب المركبة، وصولاً اليوم إلى التلويح بالقوة العسكرية المباشرة، تشكلت الأمة الإيرانية، في بيئة تعلمت فيها أن التهديد ليس استثناء، بل جزءا دائماً من يوميات الأمن والسياسة والاقتصاد.

وفي هذا السياق، لا يبدو التصعيد الراهن مجرد لحظة توتر عابرة، بل محطة جديدة في مسار طويل اختبرت فيه حدود الصبر والقدرة على الاحتمال لدى الجميع.

إيران التي راكمت خبرة واسعة في امتصاص الضغوط غير المباشرة، تجد نفسها اليوم أمام مرحلة أكثر حساسية، يعاد فيها صياغة قواعد الاشتباك. 

وفي التجربة الإيرانية، لا تُقاس قوة الدولة فقط بقدرتها العسكرية، بل بقدرتها على تحمّل حرب طويلة بلا نهاية واضحة، حيث يكون الصمود والتماسك بين النظام والشعب، بحد ذاته جزءاً من معادلة النصر.

"إسرائيل" تشن عدواناً على الجمهورية الإسلامية في إيران فجر الجمعة 13 حزيران/يونيو يستهدف منشآت نووية وقادة عسكريين، إيران ترد بإطلاق مئات المسيرات والصواريخ التي تستهدف مطارات الاحتلال ومنشآته العسكرية.

اخترنا لك