من أجل 4 دقائق.. كيف استبدل جيش الاحتلال الأهداف العسكرية بصور النصر الزائفة!

في مستنقع الجنوب، يقتات "الجيش" الإسرائيلي على صور استعراضية لترميم إخفاقاته، مضحياً بحياة جنوده في "لقطات نصر" زائفة تعكس عجزه الميداني.

  • جندي في
    جندي في "جيش" الاحتلال الإسرائيلي يحمل أمتعته في معسكر (أرشيف)

في الحروب الحديثة، لم تعد المعركة تقتصر على حركة الدبابات أو دوي المدافع، بل أصبحت الحرب على الوعي، وإدارته هي الجبهة الأكثر شراسة. وفي العدوان الإسرائيلي المستمر على جنوب لبنان، يتجلّى هذا المفهوم بأوضح صوره، حيث يتحوّل جيشٌ يمتلك ترسانة تكنولوجيّة هائلة إلى كيان يقتات على فتات الصور، باحثاً عن "نصر" يبيعه لجمهوره الداخلي المأزوم، حتى لو كان ثمن هذه الصورة دماء جنوده وضباطه.

ما كشفته صحيفة "هآرتس" مؤخراً حول ملابسات مقتل النقيب معوز يسرائيل ريكانتي وإصابة آخرين عند ضفاف نهر الليطاني، ليس مجرد خللٍ موضعي في إدارة المخاطر، بل هو عينة تعكس واقع العجز الميداني، وتحوّل القيادة العسكرية الإسرائيليّة إلى أداة تبحث عن "المشهد الأخير" لتغطية الفشل في مستنقع الجنوب.

الهوس باللقطة: 4 دقائق تُكلّف دماً

وفقاً للتقرير، أصرّ قائد الفرقة 36، العميد يفتاح نوركين، على تنفيذ جولة استطلاعية في وضح النهار عند نهر الليطاني لمعاينة جسر الدبابات، ضارباً بعرض الحائط كافة التحذيرات العملياتية والمنطق العسكري الذي يفرض التحرك ليلاً لتجنب تهديد المـُحلّقات الانقضاضية للمقاومة.

تحت هذا الإصرار غير المبرر عملياتياً، أُرسل الجنود لتأمين الزيارة، والنتيجة؟ مقتل ضابط وإصابة مقاتلين بمحلّقة مفخخة. المفارقة المقيتة والمذلّة في آنٍ معاً بالنسبة للإسرائيليين هي أن القائد الرفيع الذي تسبّب بهذه المخاطرة مكث في النقطة المستهدفة لأربع دقائق فقط، وهي المدة الكافية لالتقاط صورة الوصول إلى الليطاني، ثم انسحب مسرعاً إلى منطقة آمنة، تاركاً خلفه قوة التأمين لتنزف وتدفع ثمن تلك الدقائق الأربع.

هذا الواقع عبّر عنه قائد في الفرقة 36 لصحيفة "هآرتس" بالقول: "لأجل ماذا؟ لأجل تأمين زيارة قائد الفرقة الذي أراد رؤية الليطاني وجسر الدبابات! لم تكن هناك أي فائدة عملياتية من هذه الزيارة.. التعليمات هي عدم التحرك خلال ساعات النهار إلا إذا كان الأمر يتعلق بالحياة أو الموت".

واقع ميداني مأزوم: تآكل الإنجازات وعجز المحلّقات

تأتي هذه الاستماتة لتحصيل "صورة نصر" من ضفاف الليطاني في وقت يعيش فيه "الجيش" الإسرائيلي واقعاً ميدانياً يُوصف بـ"المستنقع". فالأهداف الكبرى التي وُضعت للعملية البريّة بدأت تتآكل وتتلاشى أمام الضربات المستمرة للمقاومة، ويمكن تلخيص هذا العجز في النقاط التالية:

معادلة المـُحلّقات:

باتت المسيّرات الانقضاضيّة الصغيرة للمقاومة تشكّل كابوساً حقيقياً يشلّ حركة الآليات والجنود. لقد فرضت المقاومة "حظر تجوّل" في وضح النهار على قوّات النخبة الإسرائيليّة، ما جعل "الجيش" يبدو عاجزاً ومحاصراً داخل آليّاته أو في نقاط اختبائه.

استنزاف القوّات البريّة:

التحوّل من السعي وراء إنجاز عسكري حقيقي إلى الانضباط العمليّاتي المتآكل، حيث يُدفع بالجنود ووحدات الهندسة لتنفيذ مهام هدم في ظروف جغرافية مكشوفة، ما يجعلهم أهدافاً سهلة للصيد.

تآكل رصيد الإنجازات:

بعد أشهر من القتال، يجد المستوطنون والسياسيون في "تل أبيب" أنفسهم أمام إنجازات تتآكل مع الوقت؛ فلا المستوطنون عادوا إلى الشمال، ولا منصّات الصواريخ نضبت، ولا خطوط الدفاع الأماميّة للمقاومة انكسرت.

إدارة التوحّش والتدمير بديلاً عن النصر

أمام هذا العجز المطبق في تحقيق حسم عسكري يُذكر، لم يتبقَ لجيش الاحتلال سوى أمرين يعوّض بهما انكساره: إدارة التوحّش عبر ارتكاب المجازر وهدم القرى المنهجي، والاهتمام بالبروباغندا الإعلامية التي يسوّقها للداخل ومقابل المجتمع المقاوم وخصومه.

وتكشف شهادات الجنود لـ"هآرتس" أنّ المهمّة الأساسية الموكلة للقوات حالياً تحوّلت إلى "التدمير من أجل التدمير"، ففي نهاية كل يوم يُطلب من القادة الإبلاغ عن عدد المباني التي تم تفجيرها كحصاد يومي بديل عن السيطرة العسكرية الحقيقية. إنها سياسة الأرض المحروقة التي تعكس عقلية الانتقام لا عقلية الانتصار.

الاقتيات على فتات الصور وبأبهظ الأثمان

تختزل حادثة نهر الليطاني جوهر الحرب على الوعي التي يخوضها العدو ويفشل فيها، فـ"الجيش" الذي يتحدث عن "تغيير الشرق الأوسط" ومصطلحات "السحق والقضاء والنصر المطلق"، بات قادته يخاطرون بحياة جنودهم من أجل وقفة الـ 4 دقائق لالتقاط صورة تذكاريّة تمنح الجمهور الإسرائيلي إحساساً زائفاً بالسيادة.

حين تصبح اللقطة الفوتوغرافيّة أهمّ من التخطيط العسكري، وحين يتقدّم الاستعراض على حياة الجنود، فهذا مؤشّر على بداية استنزاف "الجيش" الإسرائيلي في مستنقع الجنوب، الذي لم يعد أمامه بعد القتل والتدمير سوى الانتشاء بفتات الصور التي تُشترى بأبهظ الأثمان، في مقابل مقاومة تدير الميدان برصانة، وتجعل من كلّ محاولة لالتقاط "صورة نصر" مأتماً جديداً، كما حصل مع النقيب معوز، قائد الفصيل في لواء النخبة "غولاني".

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك