مخاض الجولة الثانية في البرازيل: لولا يقلّص الفارق واليمين يستنفر أدواته
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا يواجه منافسه في الانتخابات الرئاسية، السيناتور فلافيو بولسونارو، بملفات الفساد والصحة والسيادة في أول مناظرة بينهما قبيل جولة الإعادة.
-
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ومنافسه السيناتور فلافيو بولسونارو خلال المناظرة (وكالات)
في مساء الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، التقى الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا والسيناتور فلافيو بولسونارو في أول مناظرة بينهما، بعد ساعات من كشف صحيفتي "فوليا دي ساو باولو" و"إستاداو" أن الشرطة الاتحادية أحالت إلى "المحكمة العليا الاتحادية" تحقيقاً جديداً بشبهة غسل أموال يطال بولسونارو الابن والمحامي ويلر توماز، الذي مر بحساب مرتبط به نحو 130 مليون ريال بين آذار/مارس وأيار/مايو العام الماضي.
وتحدّى لولا خصمه أن يرفع معه سرّية الحسابات المصرفية والاتصالات عنهما وعن عائلتيهما، داعياً إياه إلى إثبات نزاهته بدل ادعائها، فلم يقبل. وسأله عن 134 مليون ريال كان قد طلبها من صاحب بنك "ماستر" الموقوف دانيال فوركارو، وعمّا إذا كانت لمساعدة شقيقه إدواردو بولسونارو على مغادرة البرازيل، فردّ باتهام الرئيس لولا بتلقّي أموال خارج الحسابات.
فضيحة اقتطاعات المعاشات تشعل السجال بين لولا وبولسونارو الابن
كما سأله لولا عن شركة له تتقاسم عنواناً في برازيليا مع 16 شركة على الأقل مرتبطة بأبرز المتّهمين في الاقتطاعات غير القانونية من المعاشات، فنفى بولسونارو الابن ذلك واستحضر مقابلة بثّتها "سي إن إن برازيل" مع روبيرتا لوكسينغر، الخاضعة للتحقيق والمقرّبة من نجل لولا، أعلنت فيها نيتها طلب تسوية تعاون مع القضاء من دون أن تقدّم دليلاً على تورّط الرئيس أو نجله، فردّ لولا بأنه يؤمن ببراءة ابنه وبأن أمر لوكسينغر متروك للشرطة الاتحادية.
والجدير ذكره أن هذه الاقتطاعات، المقدّرة بنحو 6.3 مليارات ريال بين عامي 2019 و2024، كُشفت في عهد لولا، وأن ألفريدو غاسبار، مرشّح بولسونارو الابن لمنصب نائب الرئيس، كان مقرّر لجنة التحقيق البرلمانية في الفضيحة، وقد رفضت اللجنة تقريره الداعي إلى اتهام نجل لولا.
الصحة والسيادة في صلب السجال.. وأسئلة عن العلاقة بواشنطن
وفي ملف الصحة، ذكّر لولا بأن نصف وفيات كوفيد-19 على الأقل، التي تجاوزت 693 ألفاً بين عامي 2020 و2022، كان يمكن تجنّبه، فأقرّ خصمه بضعف أداء حكومة والده، واتهمه الرئيس بالسعي إلى خصخصة النظام الصحي العام. ثم سأله لولا، مستحضراً زيارات خصمه إلى البيت الأبيض، عمّا إذا كان ينوي تسليم المعادن النادرة والحرجة للولايات المتحدة وضمّ البرازيل إلى تحالف "درع الأميركتين"، فوصف بولسونارو الابن ذلك بالأخبار الكاذبة، وقال إنه دافع في واشنطن عن الشركات البرازيلية في مواجهة الرسوم.
ولم يرفض مباشرة الانضمام إلى التحالف، الذي قدّمه باعتباره إطاراً لمكافحة تهريب المخدرات، متعهّداً بنشر القوات المسلحة على الحدود، ومتّهماً لولا بالدفاع عن أكبر عصابتين إجراميتين في البلاد. وقال لولا إن إدواردو بولسونارو هارب في الولايات المتحدة يتآمر على البرازيل.
وكانت 5 استطلاعات وطنية نُشرت بين 14 و19 من الشهر الجاري قد منحت لولا وبولسونارو الابن نسباً شبه متساوية، قبل أيام من جولة الإعادة المقرّرة الأحد المقبل. وتزامن ذلك مع قرارات أبرزها إقرار مجلس الشيوخ في الرابع عشر من الشهر الجاري التعديل الدستوري الذي يُنهي نظام العمل ستة أيام مقابل يوم راحة، ويخفض ساعات العمل الأسبوعية من 44 إلى 40 على مرحلتين مع يومي راحة مدفوعين ومن دون خفض الأجور، وذلك بأغلبية 75 صوتاً مقابل صوت واحد هو صوت هاملتون موراو، نائب الرئيس في عهد بولسونارو الأب.
وصدر التعديل بعد يومين في جلسة حضرها لولا واصفاً إياه بالإنجاز الحضاري، ويطاول هذا التعديل نحو 22 مليون عامل وفق النقابات، فيما صوّت له بولسونارو الابن عن بُعد بعدما عارضه في البداية.
وسبق ذلك في الـ 9 من الشهر الجاري تصفير الضرائب الاتحادية على البنزين لمدة شهر وزيادة دعم الديزل المستورد بتكلفة 5.2 مليارات ريال بعد تجاوز سعر برميل "برنت" 100 دولار إثر الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
وفي الـ 13 من الشهر ذاته أعلن لولا مشروع قانون لشطب 12.6 مليار ريال من الديون الضريبية لنحو 3.6 ملايين من أصحاب المشاريع الفردية، ثم تعهّد بعد يومين بإرسال تعديل دستوري يجعل النقل بالحافلات مجانياً في عطلات نهاية الأسبوع، فوصفه عمدة ساو باولو ريكاردو نونيس، المؤيد لبولسونارو الابن، بالاحتيال الانتخابي. وكان لولا قد وقّع في 16 أيلول/سبتمبر الماضي قانون السياسة الوطنية للمعادن الحرجة والاستراتيجية، الذي يرصد حتى 7 مليارات ريال لمعالجة المعادن النادرة داخل البلاد، متّهماً من وصفهم بأنهم "خونة للوطن" بالخضوع مجدداً للولايات المتحدة.
وفي المقابل، علّق رئيس "المحكمة العليا للانتخابات" كاسيو نونيس ماركيس، المعيَّن من جايير بولسونارو، في وقت سابق من الشهر، قناة تسمى "جيش لولا" على "واتساب"، بطلب من حملة بولسونارو الابن، فأعاد قاضي التفتيش في المحكمة نفسها تشغيلها بعد ساعات لعدم كفاية الأدلة، ثم قيّدها نونيس ماركيس مجدداً بذريعة عدم تسجيل عنوانها. كما أوقف التصويت على ثلاث قضايا عن منشورات تربط لولا بالجريمة المنظمة بعدما تشكّلت أغلبية لحذفها. وكشف موقع "ذي إنترسبت" أن حملة بولسونارو الابن دفعت 600 ألف ريال لشركة "إلترون" البرازيلية، التي عرضت، وفق الموقع، نظاماً بالذكاء الاصطناعي لنشر التضليل عبر حسابات وهمية، فيما قالت الحملة إنها تعاقدت على خدمات أمنية. وأقرّ موظفون في شركة "ميتا"، في مراسلات داخلية نشرتها صحيفة "فوليا دي ساو باولو"، بتضرّر حسابات لولا على منصة "إنستغرام" من قيودها وبترويجها لحساب خصمه.
وعلى الصعيد الخارجي، اتهم مشرّعون ديمقراطيون إدارة بلادهم بالتدخل في انتخابات البرازيل وطالبوها بالاعتراف بانتخاباتها، لكن جاء رد الخارجية الأميركية في الخامس عشر من الشهر الجاري مقتضباً ووفق عبارات عامة تُؤكّد حق البرازيليين في اقتراع حر من دون تقديم أي التزامات، في الوقت ذاته الذي أعلنت فيه عن جولة لنائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو في الباراغواي والأرجنتين تشمل يوم الاقتراع. وكان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد اتصل ببولسونارو الابن في الثامن من الشهر الجاري داعياً إياه إلى زيارة "إسرائيل".
وفي اليوم ذاته، صدر أمر بتوقيف شقيقه إدواردو بولسونارو تنفيذاً لحكم نهائي بسجنه بتهمة السعي إلى منع إدانة والده عبر تحريض واشنطن على فرض رسوم وعقوبات على بلاده، وكانت إدارة دونالد ترامب قد منحته الإقامة الدائمة بعد شهر من إدانته في حزيران/يونيو الماضي.
تكشف هذه المعطيات أن ملف الفساد، الذي راهن عليه اليمين، بدا في المناظرة عبئاً على مرشّح يخضع للتحقيق أمام "المحكمة العليا الاتحادية"، في حين ربط لولا خصمه بالمصالح الأميركية في المعادن والأمن. وقد نقل الرئيس جولة الإعادة إلى المفاضلة بين برنامجين يمسّان معيشة الناخبين، فخفض ساعات العمل وتكلفة الوقود وديون أصحاب المشاريع الفردية يقابله برنامج منافسه القائم على خفض الإنفاق العام بما يعادل 1.5% من الناتج، أي نحو 190 مليار ريال، مع الخصخصة وبيع الأصول العامة.
ويوضح سلوك الأسواق هوية المستفيد من البرنامج الثاني، فقد سجّل مؤشر بورصة ساو باولو "بوفيسبا" رقماً قياسياً وهبط الدولار دون خمسة ريالات في التاسع من الشهر الجاري مع استطلاعات مبكرة منحت بولسونارو الابن التقدّم، وتراجع المؤشر لاحقاً مع استطلاعات التعادل.
وبهذا المعنى، يبدو أن معسكر بولسونارو الابن، الذي تصدّر الجولة الأولى، بات يعوّل على التأثير في سير العملية الانتخابية نفسها عبر القضاء المختص بالانتخابات والفضاء الرقمي، فيما يمنحه امتناع واشنطن عن الالتزام بالاعتراف بالنتيجة هامشاً للطعن في حال فوز لولا، كما فعل معسكر والده بعد هزيمته في عام 2022 حين طالب الحزب "الليبرالي" بإلغاء نتائج صناديق الاقتراع الإلكترونية القديمة، فرفضت المحكمة الطلب وغرّمته. ويضاعف ذلك أهمية موقف "المحكمة العليا للانتخابات"، التي يترأسها نونيس ماركيس، عند إعلان النتيجة والبتّ في أي طعن فيها. وإذا كانت المنافسة كما يبدو بهذا التقارب، فإن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت مؤسسات الدولة البرازيلية قادرة على حماية إرادة الناخبين من مثل هذه المحاولات ومن مظلّتها الخارجية الممتدة من واشنطن إلى "تل أبيب".