ماذا يحدث في مضيق هرمز؟ ولماذا تتجدد الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة؟

تتجدد الضربات المتبادلة في مضيق هرمز برغم التوصل ورقة تفاهم بين الطرفين، في ظل تمسك طهران بحقها في إدارة المضيق ومحاولات واشنطن الضغط عليها وفرض واقع معاكس لما تم الاتفاق عليه. فهل تنجح الولايات المتحدة في تغيير المعادلة التي فرضتها إيران؟

  • ماذا يحدث في مضيق هرمز؟ ولماذا تتجدد الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة؟
    ماذا يحدث في مضيق هرمز؟ ولماذا تتجدد الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة؟

بعدما أخفقت الولايات المتحدة في فرض شروطها على إيران عبر العدوان عليها ولاحقاً في فترة التفاوض، تنتقل مواجهة اليوم إلى مضيق هرمز، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وفي ظل تمسك طهران بحقها في إدارة المضيق، تتصاعد محاولات واشنطن لإعادة رسم قواعد الملاحة والضغط عبر المضيق والمفاوضات، في مسعى يُعتبر امتداداً للمواجهة التي لم تحقق أهدافها عسكرياً.

لماذا تضرب إيران السفن في مضيق هرمز؟

تنطلق معادلة مضيق هرمز الإيرانية اليوم من نقطة واضحة: اعتبار إدارة المضيق حقاً سيادياً للدول المشاطئة، وهي إيران وسلطنة عُمان، وهو ما جرى تثبيته عملياً في مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية.

فالمذكرة لم تكتفِ بوقف الحرب، بل كرّست إطاراً جديداً لإدارة الملاحة، يقوم على التنسيق الإلزامي مع الدول المعنية، وينقل المضيق من مفهوم "الممر المفتوح" إلى مساحة تخضع لترتيبات سيادية محددة، باعتبار أنّ إدارة مضيق هرمز مسؤولية طهران وحدها، وأن المضيق جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية الإيرانية.

وفي هذا السياق، برز البند الخامس من مذكرة التفاهم كعنصر مفصلي، إذ نصّ على تنظيم الملاحة عبر آلية مشتركة، وهو ما أكده رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، مشيراً إلى اتفاق مع سلطنة عُمان على إدارة حركة السفن وفق هذه الآلية. هذا التطور يُلزم السفن بالتنسيق المسبق، ويضع حدوداً واضحة لمسار السفن العابرة.

بالمقابل، تحاول الولايات المتحدة التعامل مع المضيق خارج هذه المعادلة، ما يُفسَّر كمسعى لإعادة فرض واقع الملاحة المفتوحة بالقوة، وتجاوز ما كرّسته مذكرة التفاهم من دور لإيران وعُمان في تنظيم العبور.

وفي هذا الإطار، تذهب بحرية حرس الثورة أبعد من ذلك، إذ تؤكد أنه لا حصة للأجانب في مضيق هرمز، في تحذير واضح للجانب الأميركي، أنّ مغامرات جيشه "الإرهابي" وتدخّله في تحديد مسارات المرور، ستواجه رداً قوياً، فضلاً عن كونها تؤدي إلى إحداث خلل جدّي يعوق عملية إعادة الفتح التدريجي للمضيق، وتضع مصالح الدول المستفيدة منه في خطر حقيقي.

وعليه، فإن السفينة التي تعبر خارج الآلية المتفق عليها، وتحت غطاء أميركي، لا تتحرك في ممر محايد، بل تدخل في قلب مواجهة على من يملك قرار هرمز وكيف تُدار الملاحة فيه.

لماذا تنقلب أميركا على تعهداتها وتحاول جر إيران إلى مواجهة مجدداً؟

أولاً: تعويض الفشل العسكري بالضغط السياسي والبحري

لم تنهِ الحرب على إيران أهدافها كما أرادتها واشنطن، بل انتهت إلى تكريس واقع مغاير عزّز موقع طهران الإقليمي وفرض معادلات جديدة في المنطقة. ومنذ وقف العمليات العسكرية، لم تعد المواجهة تُدار بالصواريخ والطائرات، بل انتقلت إلى ساحات السياسة والمفاوضات والضغط البحري.

هذا التحول لا يُقرأ على أنه تغيير في الاستراتيجية الأميركية، بل انتقال من محاولة فرض الإرادة بالقوة العسكرية إلى محاولة انتزاع المكاسب عبر أدوات أخرى. وفي هذا السياق، لجأت الولايات المتحدة  إلى التفاوض مع إيران بعدما عجزت عن تحقيق أهدافها في الميدان.

إن الحرب، وفق ما تعكسه تقارير دولية وإسرائيلية تناولت نتائجها، أعادت رسم موازين القوى في المنطقة لصالح إيران، حيث خلصت تقييمات إلى أن طهران لم تعد مجرد طرف إقليمي تقليدي، بل لاعباً قادراً على فرض معادلات ردع جديدة والتأثير في مسارات الأزمات الكبرى، وهو ما يتقاطع مع إقرار مسؤولين إسرائيليين سابقين بأن واشنطن و"إسرائيل" لم تتمكنا من تحقيق أهدافهما في العدوان، وأن نتائج الحرب أظهرت حدود القوة العسكرية في فرض الوقائع السياسية.

وبعد أن فشلت القوة في فرض الشروط الأميركية على إيران، انتقل الضغط إلى مساحة أخرى: مضيق هرمز، والمفاوضات، ومحاولة إعادة صياغة ما ثبّته الميدان الإيراني.

من هنا، تبدو التحركات الأميركية في هرمز محاولة للالتفاف على نتائج الحرب، وهذا ما يفسر إصرارها على دفع السفن إلى العبور خارج الترتيبات التي تعتبرها طهران جزءاً من حقها السيادي، في محاولة لإعادة فتح المعركة من باب آخر.

ثانياً: إظهار القدرة على دعم الحلفاء في الخليج و"لجم الطموحات" الإيرانية

تسعى واشنطن، من خلال التصعيد في مضيق هرمز، إلى توجيه رسالة مزدوجة: الأولى لإيران، والثانية إلى حلفائها في الخليج. فبعد أن أظهرت الحرب قدرة طهران على ضرب القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، باتت صورة الولايات المتحدة كـ "ضامن أمني" لدول الخليج موضع اختبار مباشر.

لذلك تحاول واشنطن إعادة تقديم حضورها العسكري بوصفه مظلة حماية لا تزال قادرة على ضبط أمن الخليج والممرات البحرية.

وخلال العدوان على إيران، لم تكن القواعد الأميركية في الخليج خارج المعركة، بل تحولت إلى جزء من المواجهة. فقد استهدفت طهران  قواعد ومنشآت حيوية تابعة للجيش الأميركي في الكويت وقطر والبحرين، وغيرها من الدول، في رسالة مباشرة بأن أي عدوان على إيران سيجعل الوجود الأميركي في المنطقة هدفاً مشروعاً للرد. يعكس هذا التطور ضرباً في عمق اعتقاد تلك الدول أن القواعد الأميركية قادرة على منحها حماية مطلقة.

من هنا، يصبح الإصرار الأميركي على الحضور في هرمز محاولة لترميم هذه الصورة المتضررة. فتسعى  الولايات المتحدة أن تثبت لحلفائها أنها لا تزال قادرة على حماية أمن الطاقة، وضمان مرور السفن، و"منع" إيران من فرض قواعدها في المنطقة.

وبناءً على ذلك، فإن التصعيد الأميركي في هرمز لا يهدف فقط إلى "الضغط" على إيران، بل أيضاً إلى إعادة طمأنة الحلفاء الخليجيين وإظهار أن واشنطن ما زالت قادرة على "لجم الطموحات" الإيرانية. غير أن الردود الإيرانية على القواعد الأميركية حوّلت هذه الرسالة إلى معادلة معاكسة: كلما حاولت الولايات المتحدة استخدام الخليج منصة للضغط، ازدادت كلفة هذا الوجود على حلفائها.

ثالثاً: الضغط على إيران في المفاوضات 

إلى جانب محاولة ترميم صورة الردع الأميركي أمام حلفاء الخليج، تستخدم واشنطن التصعيد في مضيق هرمز كورقة ضغط مباشرة على طاولة المفاوضات. فالولايات المتحدة لا تفصل بين ما يجري في المضيق والمسار السياسي، بل تحاول رفع كلفة تمسّك إيران بحقوقها السيادية في المضيق، حتى تدفعها إلى تقديم تنازلات داخل التفاوض.

ولا تبدو محاولات دفع السفن إلى العبور خارج الترتيبات المتفق عليها مجرد اختبار عابر، بل جزءاً من سياسة ضغط أوسع: واشنطن تريد أن تقول إنها قادرة على كسر القواعد التي فرضتها إيران، ثم استخدام هذا الكسر لتحسين موقعها في أي تفاوض لاحق.

غير أن طهران تتعامل مع هذه السياسة على أنها امتداد للضغوط التي سبقت الحرب ورافقتها، وترفض الفصل بين التصعيد في هرمز ومسار التفاوض. لذلك تؤكد أن أي حوار لا يمكن أن يقوم على الإكراه أو فرض الوقائع، وأن ما لم تستطع واشنطن انتزاعه بالقوة العسكرية، لن تتمكن من الحصول عليه عبر الضغط في المضيق أو على طاولة المفاوضات.

هل تنجح السياسة الأميركية؟ 

 أولاً: الردود الإيرانية المباشرة والقوية

لا تبدو فرص نجاح السياسة الأميركية كبيرة ما دامت طهران تربط أي تصعيد، برد مباشر. فالموقف الإيراني المعلن لا يترك مساحة واسعة للضغط من دون كلفة: أي عدوان جديد، أو محاولة لفرض قواعد أميركية في مضيق هرمز، سيُقابل برد واضح ومباشر.

وتعكس التصريحات الإيرانية هذا الاتجاه بوضوح، بتحذير واضح من أن مضيق هرمز ليس ساحة استعراض للقوى غير الإقليمية، في إشارة إلى أن الوجود الأميركي في المضيق لا يُنظر إليه كعامل استقرار، بل كاستفزاز يهدد أمن المنطقة ويستدعي الرد.

وفي السياق نفسه، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن هرمز لن يُفتح إلا بترتيبات إيرانية، مؤكداً أنه في حال ضربت واشنطن، فستُضرب، بما يجعل المعادلة واضحة: لا تستطيع الولايات المتحدة أن ترفع مستوى التصعيد من دون أن تتوقع رداً إيرانياً مقابلاً.

من هنا، تفقد السياسة الأميركية أحد أهم شروط نجاحها، وهو القدرة على الضغط من دون دفع ثمن. فإيران لا تتعامل مع التصعيد الأميركي بوصفه ورقة تفاوضية عابرة، بل كمساس مباشر بسيادتها وبمعادلات الردع التي فرضتها بعد الحرب.

لذلك، كل محاولة أميركية لاختبار حدود طهران في هرمز تتحول إلى اختبار معاكس: إلى أي مدى تستطيع واشنطن تحمّل الرد الإيراني؟

ثانياً: عدم التنازل عن الحقوق خلال المفاوضات

وفي الحديث عن الحقوق الإيرانية، أصبح واضحاً أن طهران لا تفصل بين التفاوض وحماية حقوقها السيادية. فالمفاوضات، بالنسبة إليها، ليست باباً للتراجع عمّا تعتبره حقوقاً ثابتة، بل وسيلة لتثبيت هذه الحقوق ومنع واشنطن من الالتفاف عليها تحت ضغط التهديد أو التصعيد.

ومن هنا، يأتي الموقف الإيراني حاسماً: لا تفاوض على حساب الحقوق والمصالح. وهذا ما أكدته طهران، أن أي مسار سياسي لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لانتزاع تنازلات منها، بتأكيد عزم الجمهورية الإسلامية على الدفاع عن السيادة الوطنية وسلامة الأراضي الإيرانية ومعاقبة المعتدين، إضافة إلى "العزم القاطع للشعب الإيراني الغيور في الدفاع عن سلامة أراضيه وسيادته وأمنه الوطني".

ويعزز هذا الاتجاه ما أكده الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان سابقاً، حين شدد على أنه لا خوف من الدفاع عن حقوق الشعب الإيراني، وهذا يضع التفاوض ضمن سقف سياسي واضح: التراجع عن الحقوق غير مطروح.

لذلك، تصطدم السياسة الأميركية بعقدة أساسية: فهي تحاول استخدام الضغط لفرض تنازلات، بينما تدخل طهران التفاوض من موقع التمسك بالحقوق السيادية والمصالح الوطنية. 

ثالثاً: كلفة التصعيد على أسواق الطاقة

لا تستطيع الولايات المتحدة المضي طويلاً في سياسة التصعيد في مضيق هرمز، لأن كلفتها لا تقتصر على إيران، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي. فالمضيق يُعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وأي توتر فيه ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وحركة الشحن، واستقرار الأسواق.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة هذا الارتباط، إذ ارتفعت أسعار النفط  مع تصاعد التوتر في المنطقة، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية. 

لذلك، فإن استمرار واشنطن في استخدام هرمز كورقة ضغط يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، ويرفع كلفة المواجهة على الاقتصاد الدولي، وهو ما يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على مواصلة هذا النهج لفترة طويلة.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك