فجوة استراتيجية عميقة بين الخطاب السياسي الإسرائيلي وبين الواقع العمليّاتي
يكشف التقرير عن "فقر دم استراتيجي" في "جيش" الاحتلال الإسرائيلي الذي يتعرّض لاستنزاف حادّ للموارد البشرية والذخائر، بالتزامن مع تبعية كاملة لواشنطن، ما يعوق قدرته على الحسم في عدة جبهات.
-
فجوة استراتيجية عميقة بين الخطاب السياسي الإسرائيلي وبين الواقع العمليّاتي (الميادين نت)
تشير المعطيات الميدانيّة واللوجستيّة المستقاة من مسار العمليّات العسكريّة الأخيرة، وتحديداً خلال عمليتي "الأسد الصاعد" و"زئير الأسد"، إلى فجوة استراتيجيّة عميقة بين الخطاب السياسي الإسرائيلي، القائم على القدرة المطلقة للعمل في 7 ساحات متزامنة، وبين الواقع العمليّاتي الذي يكشف عن محدوديّة حرجة في القوى البشريّة، والذخائر النوعيّة، وتوزيع الانتباه الاستخباراتي.
إنّ "إسرائيل" اليوم لا تدير حرباً بالمعنى التقليدي فحسب، بل تُدير سياسة تقنين حادة للموارد، حيث يفرض استنزاف المخزونات وتآكل الجاهزية قواعد اشتباك قسريّة لم تكن ضمن حساباتها الأوّليّة.
أزمة القوى البشريّة واستنزاف "العمود الفقري"
لقد دخل "الجيش" الإسرائيلي في نفق من الاستنزاف البشري لم يسبق له مثيل منذ تأسيسه. تحوّل "جيش" الاحتياط إلى "جيش" نظامي قسري؛ حيث تخدم ألوية كاملة في جولاتٍ سابعة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبعدد أيام خدمة يتجاوز مجموع ما خدمه الجندي العادي طوال عقود.
هذا الضغط لم يؤدِّ فقط إلى تآكل في الدافعيّة لدى بعض الجنود تغذّيه أزمة المشاركة في العبء وتجنيد المتهربين من الخدمة، فضلاً عن التكلفة التي تفرضها أيام الاحتياط (بتكلفة بلغت 1.5 مليار شيكل لأيام الاحتياط في أسبوعين فقط)، بل مسّ بجوهر الجاهزية والانتشار.
إنّ النقص الحادّ في الكوادر المقاتلة المؤهّلة بات يحدّ من قدرة هيئة الأركان على المناورة بين الجبهات، ما يضطرّها إلى سحب وحدات من جبهة لإسناد أخرى، وهو ما يفسّر الانكفاء الموضعي في بعض الساحات الثانوية لصالح التركيز على الشمال مثلاً، أو الاضطرار إلى إعادة إنشاء ألوية وفرق وتشكيلات من المتطوّعين فوق سن التسريح.
تآكل التفوّق الجوّي وسياسة تقنين الانتباه
سلاح الجو الإسرائيلي، الذي طالما اعتبر الذراع الطولى التي لا تُقهر، يواجه اليوم معضلة ساعات الطيران مقابل عمر الآلة. نفّذ الطيّارون خلال شهر واحد ساعات طيران تفوق معدلات سنوات كاملة، ما وضع الأسطول الجوي تحت ضغط صيانة هائل ومحدودية في عدد المنصات القادرة على العمل المستدام.
وتتجلّى ذروة المحدودية في توزيع الانتباه الاستخباراتي والعملياتي؛ إذ أثبتت الوقائع الميدانية عدم القدرة على الحفاظ على الزخم نفسه في لبنان وإيران في آن واحد.
إنّ اضطرار سلاح الجو لإيقاف طلعاته فوق إيران قبل 24 ساعة من بدء عمليات واسعة في لبنان (كما حدث في عملية الظلام الأبدي) هو اعتراف صريح بأنّ "بنك الأهداف" وإقفال دوائر الاستهداف يتطلّب تركيزاً لا يمكن تجزئته من دون فقدان الكفاءة.
هذا "التشتت" يمنح محور المقاومة تفوّقاً زمنياً ومساحة للمناورة، حيث تصبح كلّ دقيقة انتباه موجّهة نحو الشمال مكسباً صافياً لطهران لتعزيز تموضعها أو استكمال برامجها النوعية والعكس.
اقرأ أيضاً: قراءات إسرائيلية في الاستراتيجية الإيرانية ضمن حرب الوعي
"هاوية المخزون" والتبعيّة الصناعيّة
ويكشف تحليل استهلاك الذخائر عن واقع صادم؛ فـ"الجيش" الإسرائيلي الذي دخل الحرب بمخزون 15 ألف ذخيرة وفق ما صرّح به ضابط رفيع في "الجيش" وجد نفسه يستهلك 150 ألف ذخيرة، ما حوّل الاعتماد على "القطار الجوي" الأميركي من خيار إسناد إلى "شرط بقاء".
إنّ الأرقام التي أوردتها تقارير إسرائيلية تشير إلى أنّ "إسرائيل" استنزفت فئات حرجة من صواريخها النوعية بمعدلات غير مستدامة:
- الدفاع الجوي: وصلت نسبة استنزاف صواريخ "الحيتس" 2 و3 إلى نحو 81%، مع توقّعات بنفاد المخزون بالكامل في غضون أيام قليلة لو كانت المعركة قد استمرت بالوتيرة نفسها.
- الأسلحة الهجومية: صواريخ مثل Rampage وBlueSparrow تجاوزت نسبة استهلاكها 50%، ما يضع القيادة العسكرية أمام خيارات مريرة: إما تقليل الضربات النوعية أو قبول مخاطر أكبر على الطائرات باستخدام ذخائر "غبية" أو أقل دقة وهذا ما حصل.
هذه الهشاشة الصناعية مرتبطة أيضاً بجمود سلاسل التوريد العالمية ونقص المواد الأساسية (مثل الغاليوم والجرمانيوم) التي تسيطر عليها الصين، ما يعني أنّ تعويض ما فُقد في 16 يوماً كما جاء في التقارير قد يستغرق سنوات، وهو ما يفسّر الميل المتزايد نحو الدفاع الهجومي بأقل الموارد والمخاطر.
انكسار "المظلّة" وجدوى الاعتراض الاقتصادي
على الرغم من وجود خمس طبقات من الحماية، إلا أنّ محدودية المظلة الدفاعيّة برزت في عدم القدرة على منع المسيّرات والصواريخ من إصابة أهداف استراتيجيّة. لم تعد المشكلة في التكنولوجيا بل في اقتصاديات الحرب؛ إذ إنّ استخدام صواريخ اعتراضيّة بتكلفة ملايين الدولارات لإسقاط مسيّرات رخيصة هو مسار يؤدّي للانهيار المالي واللوجستي.
توزيع الموارد الدفاعية وفقاً للأهمية الاستراتيجية (حماية منصات الغاز والقواعد مثل بلماحيم) ترك الجبهة الداخلية والشمال في حالة مكشوفة نسبياً، مع اعتماد سياسة اعتراض مرنة تعني عملياً السماح بسقوط الصواريخ في مناطق معيّنة لتوفير المخزون للأهداف الأكثر حيوية.
"الافتراس اللوجستي" كعرض لتآكل الجاهزيّة
لم يعد استنزاف الموارد محصوراً في الذخائر الذكيّة والمنظومات الدفاعية فحسب، بل امتد ليضرب عمق التشكيل البري عبر ما عرف بظاهرة الافتراس اللوجستي.
تعكس هذه السياسة اضطرار "الجيش" الإسرائيلي لتفكيك أنظمة وأجزاء من آليات خرجت من الخدمة (مثل ناقلات "أخزاريت") لترميم آليات حديثة، وهو اعتراف صريح بالعجز عن تأمين قطع الغيار ومجموعات الدفع للدبابات بسبب بطء وتيرة الإنتاج العالمي وتأزم سلاسل التوريد.
هذا الواقع حوّل "صورة الوضع المقلقة" إلى إجراءات طوارئ، شملت إطالة عمر معدات متهالكة لعقد إضافي، وإعادة تدوير متفجرات قديمة ومخزّنة منذ سنوات لاستخدامها في الميدان. إنّ عمل سرايا الدبابات بتشكيلات ناقصة نتيجة نقص المحرّكات، وتمديد عمر سبطانات الهاون يدوياً، يثبت أنّ "الجيش" التكنولوجي بات يمارس سياسة الترقيع لتعويض فجوة الموارد؛ ما يقلّل بشكل حادّ من جودة الأداء العسكري ويزيد من مخاطر الأعطال التقنية أثناء الاشتباك، ويجعل من فكرة الاستدامة في حرب متعدّدة الجبهات مجرّد رهانات محفوفة بالمخاطر القاتلة.
المعركة الحاليّة في لبنان مقابل حزب الله، وفي العمق مقابل إيران، كشفت أنّ "إسرائيل" تعاني من "فقر دم استراتيجي" في الموارد الأساسيّة. حيث لم يعد توزيع الموارد خياراً تكتيكياً، بل هو نتيجة عجز عن تغطية الساحات كافة بالزخم نفسه.
حزب الله، من خلال بقائه جبهة ثانية نشطة خلال عملية "زئير الأسد"، نجح في استنزاف الموارد التي كان من المفترض تخصيصها لإيران، ما جعل الصراع يتحوّل من حسم عسكري إلى صمود لوجستي.
إنّ تاريخ نفاد الذخائر المتوقّع يمثّل القيد الحقيقي الذي فرض على القيادة السياسيّة الإسرائيليّة أن تضع جدولة زمنيّة لم تتجاوز يومها الأربعين حيث كما في "الأسد الصاعد" بدأت بالبحث عن مخارج دبلوماسيّة أو تخفيض سقف الأهداف، تحت طائلة مواجهة لحظة الصفر بمخازن فارغة و"جيش" مستنزف.