عودة "التهديد الداخلي" إلى الخطاب العام في "إسرائيل"
لا يتمثل الخطر الأساسي في حرب أهلية وشيكة، بل في مسار تراكمي يجمع أزمة الثقة والاستقطاب الأيديولوجي والصراع على الهوية والمساواة وحدود "الدولة".
-
عودة "التهديد الداخلي" إلى الخطاب العام في "إسرائيل"
عاد مصطلح "التهديد الداخلي" إلى التداول لدى الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، في إشارة إلى مخاطر الانزلاق نحو مستويات أكثر حدّة من النزاع المجتمعي والسياسي، قد تصل، وفق بعض التحذيرات، إلى سيناريوهات تشبه الحرب الأهلية.
بطبيعة الحال، لا يُطرح هذا الاحتمال بوصفه مواجهة مسلحة وشيكة بين معسكرات منظمة، بل باعتباره مساراً تدريجياً تتراكم فيه مظاهر الاستقطاب والعنف السياسي وفقدان الثقة بالمؤسسات الجامعة، بما يهدد قدرة "الكيان" على الاستمرار إطاراً مشتركاً للإسرائيليين كافة.
وتستند هذه المخاوف، من جملة أمور، إلى طبيعة تشكّل "المجتمع" الإسرائيلي وانقساماته البنيوية. فقد سبق للرئيس الإسرائيلي الأسبق رؤوفين ريفلين أن وصف "المجتمع" بأنه يتكون من 4 "قبائل" رئيسة: العلمانيون، والحريديم، والمتدينون الصهاينة، والعرب (فلسطينيو الـ 48). ولم تعد الفجوات بين هذه المكوّنات تقتصر على أنماط الحياة أو المواقف الدينية، بل باتت تشمل قضايا الهوية ومصدر السيادة وحدود "الدولة" وتوزيع الموارد والمساواة في الحقوق والواجبات.
تآكل الثقة بالمؤسسات يفاقم هشاشة "المجتمع"
وعند نزول النقاش إلى مستوى أقل تجريداً، تظهر سريعاً مؤشّرات هشاشة الواقع الاجتماعي، ويُفاقم الوضع تآكل الثقة بالمؤسسات التي يُفترض أن تدير الخلافات وتضبط التوازن بين السلطات. وتُظهر استطلاعات إسرائيلية صادرة عن جهات رسمية ومهنية تراجعاً في الثقة بالمؤسسات الأكثر ارتباطاً بالاستقطاب السياسي، بما فيها الحكومة و"الكنيست" والجهاز القضائي ووسائل الإعلام.
ويؤدي التشكيك المستمر في شرعية هذه المؤسسات إلى إضعاف قدرتها على إدارة النقاشات العميقة أو إنتاج تسويات مقبولة بين المعسكرات المتنازعة.
وفي هذا السياق، تستعيد التحذيرات الإسرائيلية الأجواء التي سادت قبيل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما بلغت الاحتجاجات ضد خطة تعديل النظام القضائي مستويات غير مسبوقة، وظهرت دعوات إلى العصيان ورفض الخدمة العسكرية.
ورغم أن الحرب أعادت خلط الأوراق مؤقتاً، فإنها لم تُنهِ أسباب الانقسام، بل أضافت إليها خلافات بشأن إدارة الحرب، والمسؤولية عن الإخفاقات، ومستقبل قطاع غزة، وصفقات تبادل الأسرى، وأزمة القوى البشرية في "الجيش"، وغيرها الكثير.
ويستحضر عدد من الكتاب الإسرائيليين التاريخ اليهودي للتحذير من نتائج الانقسام الداخلي. ويطرح مؤسس ورئيس تحرير موقع "زمان إسرائيل" الإسرائيلي، ديفيد هوروفيتس، الأزمة من زاوية أخلاقية وتاريخية، معتبراً أن الخطر لا ينبع فقط من قوة الخصوم الخارجيين، بل من هشاشة المجتمع عندما تتراجع الضوابط المؤسسية والأخلاقية.
وفي الاتجاه نفسه، يحذر الحاخام مناحم غيرليتسكي، وهو كاتب صحفي إسرائيلي، من أن أكثر الجدران تحصيناً قد تسقط عندما تتحول القوة إلى أداة لمواجهة "أعداء داخليين" مفترضين، في إشارة إلى اختراق أسوار القدس تاريخياً وفق المتخيّل التاريخي الصهيوني.
تجنيد الحريديم.. أكبر مصادر التوتر
ويبرز الصراع حول تجنيد الحريديم بوصفه أحد أبرز مصادر التوتر. فاستمرار الإعفاء الواسع من الخدمة العسكرية، بالتوازي مع الامتيازات الممنوحة للتيارات الدينية، يعمق الشعور بعدم المساواة، خصوصاً في ظل الضغط المتزايد على "الجيش" وقوات الاحتياط والتحذيرات من نقص القوى البشرية.
كما تضيف دعوات بعض التيارات الدينية واليمينية إلى إدارة المؤسسات وفق الشريعة اليهودية بعداً جديداً للصراع حول طبيعة النظام وهويته.
ويرى رئيس مجموعة البحث "إشارة طريق - جغرافيا سياسية" المعنية بـ "الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني"، شاؤول أريئيلي أن "الحرب الأهلية" ليست بالضرورة معارك في الشوارع، بل قد تتجسد في العنف السياسي والدعوة إلى العصيان المدني وانهيار الثقة ونزع الشرعية المتبادل. وقد تتحول الانتخابات المقبلة في تشرين الأول المقبل إلى محطة حاسمة، إذا رفض أي معسكر الاعتراف بشرعية فوز الآخر أو بقواعد انتقال السلطة.
لا يتمثل الخطر الأساسي في حرب أهلية وشيكة، بل في مسار تراكمي يجمع أزمة الثقة والاستقطاب الأيديولوجي والصراع على الهوية والمساواة وحدود الكيان. وهو مسار قد ينقل الخلاف من "التنافس الديمقراطي" إلى نزع الشرعية المتبادل، ويفقد "إسرائيل" تدريجياً قدرتها على الحفاظ على فكرة "بوتقة الصهر المجتمعي".