عمليات صنعاء.. وكلفة الحرب على مشروع السعودية الاقتصادي

كلفة المواجهة بين السعودية والقوات المسلحة اليمنية تتجاوز الأضرار المباشرة لتضغط على قطاعات حيوية في الاقتصاد السعودي.

 

  • أنصار الله وكلفة الحرب على مشروع السعودية الاقتصادي
    القوات المسلّحة اليمنية في صنعاء وكلفة الحرب على مشروع السعودية الاقتصادي

منذ أن وسّعت القوات المسلّحة اليمنية عملياتها ضد السعودية خلال الشهرين الماضيين، في مواجهة التصعيد العسكري السعودي واستمرار القيود المفروضة على اليمن، أخذت كلفة المواجهة تتجاوز المنشآت المستهدفة، لتطال قطاعات تراهن عليها الرياض لبناء اقتصادها الجديد.

المعادلة التي أعلنتها صنعاء، بالردّ على استهداف مطاراتها وموانئها ومنشآتها الحيوية، وضعت البنية الاقتصادية السعودية أمام اختبار يصعب احتواؤه بالاعتراضات الجوية وحدها. وتعود جذور الجولة الحالية إلى تموز الماضي، حين أعقب قصف مطار صنعاء ردّ يمني على مطار أبها، وتحذيرات من توسيع نطاق العمليات.

واليوم، تظهر آثار المواجهة في تأجيل مؤتمرات، وتعطيل خطط للطيران، وتزايد المخاوف لدى المستثمرين، بالتوازي مع الحاجة إلى تعزيز حماية المدن والمنشآت. وهي تطورات تصيب شروط التحوّل الاقتصادي الذي تروّج له السعودية: سهولة الوصول، وانتظام الأعمال، والثقة باستقرار البيئة الاستثمارية.

تأجيل واجهة الاستثمار

برز تأجيل مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" إلى عام 2027 بوصفه أحد أوضح انعكاسات الوضع الأمني على الأجندة الاقتصادية السعودية. فالمؤتمر، الذي كان مقرّراً في الرياض بين 26 و29 تشرين الأول/أكتوبر الحالي، يشكّل منصّة لجمع المستثمرين ورؤساء الشركات وصنّاع القرار، وتسويق فرص الاستثمار في المملكة. وجاء تأجيله وسط تصاعد الهجمات والمخاوف الأمنية واضطراب حركة الطيران.

وتتجاوز دلالة التأجيل خسائر التنظيم والحجوزات والخدمات المرتبطة بالحدث. فالرياض تفقد موعداً كانت تعوّل عليه لعرض مشاريعها وبناء شراكات واستقطاب أموال جديدة. ولا يعني ذلك إلغاء الاستثمارات التي كان يمكن مناقشتها، لكنه يؤخّر فرص التفاوض عليها، ويضع المخاطر الأمنية في مقدّمة حسابات المشاركين.

الطيران.. خطط التوسّع تصطدم بالأمن

وفي قطاع الطيران، اتخذ الأثر شكلاً عملياً مع إعلان شركة "دلتا"، في 12 تشرين الأول/أكتوبر، تأجيل إطلاق رحلاتها المباشرة بين أتلانتا والرياض إلى آذار/مارس 2027. وأوضحت الشركة أن القرار جاء في ضوء التطورات الإقليمية واعتبارات سلامة المسافرين والموظفين، مع إتاحة خيارات تعديل الحجوزات واسترداد الأموال.

ويقدّم هذا القرار مثالاً على انتقال التهديد الأمني إلى خطط التوسّع الاقتصادي. فكل خطّ جديد يربط الرياض بأسواق خارجية يفترض أن يخدم حركة الأعمال والسياحة، ويزيد الطلب على الإقامة والنقل والخدمات. وتأجيله يؤخّر هذه المنافع، ويعقّد طموح تحويل العاصمة السعودية إلى مركز دولي للأعمال والطيران.

كما أن اضطراب الرحلات يفرض أعباء تتوزّع بين شركات الطيران والمطارات والمسافرين، من إعادة الجدولة واسترداد التذاكر إلى تغيير المسارات وترتيبات الإقامة البديلة.

السياحة والفعاليات تحت الضغط

ويمتدّ الأثر إلى السياحة والمؤتمرات، وهي أنشطة تحتاج إلى انتظام الرحلات وقدرة الزائر على التخطيط المسبق. وقد ربطت "وول ستريت جورنال" بين الهجمات على المطارات وتهديد موسم السفر والمؤتمرات، في وقت تستهدف فيه السعودية توسيع مواردها خارج النفط.

اقتصادياً، يمكن إعادة تشغيل منشأة متضرّرة قبل استعادة الطلب عليها. فالزائر الذي يؤجّل رحلته أو يختار وجهة أخرى قد يغيب طوال الموسم، فيما يحتاج منظّمو الفعاليات إلى ضمانات قبل تثبيت المواعيد والتعاقد مع المشاركين. وهنا تتسع دائرة التأثّر لتشمل الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة، حتى إن لم تتعرّض هذه الأنشطة لأي استهداف مباشر.

كلفة المخاطر تلاحق المستثمر

أما الضغط الأطول أمداً، فيتعلّق بكيفية تقييم الشركات للسوق السعودية. ونقلت "فرانس برس" عن مستشارة للحكومة السعودية تحذيرها من احتمال إدراج المملكة ضمن حسابات الشركات باعتبارها "جزءاً من منطقة نزاع"، وما قد يترتّب على ترسّخ هذا التصوّر في نماذج المخاطر والتأمين.

وبهذا المعنى، قد تظهر كلفة المواجهة في استثمار مؤجّل، أو اشتراط ضمانات إضافية، أو طلب عائد أعلى مقابل المخاطرة. وهذه آثار تحتاج إلى بيانات لقياس حجمها، لكنها تكشف موضع الضغط، من خلال مدى قدرة السعودية على إقناع رأس المال الأجنبي بالالتزام بمشاريع طويلة الأمد، فيما تظلّ منشآتها ومواصلاتها عرضة للاضطراب.

فاتورة الحماية تتّسع

بالتوازي، تفرض المواجهة تعبئة دفاعية متواصلة. ففي 20 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت بريطانيا دعماً إضافياً يشمل مقاتلات "تايفون" لحماية "البنية التحتية السعودية"، وطائرة نقل ومستشارين عسكريين، إلى جانب مساهمات دفاعية قائمة.

ويظهر اتّساع هذا الدعم حجم الموارد المطلوبة لحماية المنشآت المنتشرة على مساحة المملكة. فالاعتراض ممكن أن يمنع أضراراً محتملة، لكنه يستلزم مراقبة وجاهزية وذخائر وصيانة مستمرّة. ولا تتوافر حصيلة معلنة لهذه الفاتورة، أو تفاصيل كاملة بشأن توزيع كلفة الدعم الخارجي، لكن استمرار التهديد يعني استمرار الحاجة إلى تخصيص موارد للحماية.

الأسواق والنفط.. حسابات أكثر تعقيداً

وتنعكس المخاوف كذلك على الأسواق. فقد أفادت "رويترز" بتراجع المؤشر السعودي 2,3% في 22 تشرين الأول/أكتوبر، وسط الهجمات وتصاعد القلق الإقليمي. ويعبّر هذا التراجع عن ضغط على تقييمات الشركات وشهية المستثمرين للمخاطرة، من دون أن يمثّل خسارة نقدية نهائية للخزينة، أو نتيجة لعمليات القوات المسلّحة اليمنية في صنعاء وحدها.

وفي النفط، تتداخل مخاطر المنشآت والإمدادات مع ارتفاع الأسعار بفعل التوتر. وقد ارتفع برنت بأكثر من 2% في اليوم نفسه، مع مخاوف على إمدادات المنطقة. لذلك، يتطلّب تحديد الأثر الصافي على السعودية احتساب الكميات المصدّرة وأي تعطّل فعلي وكلفة الحماية والتشغيل، إلى جانب سعر البرميل.

وبصرف النظر عن نتائج الحرب، فإن السعودية تخرج، في جميع الحالات، وقد تكبّدت خسائر لا تمحوها نهاية المعركة. فالمؤتمرات تأجّلت، وخطط الطيران تعطّلت، والثقة باستقرار بيئة الأعمال تعرّضت للاهتزاز، فيما اتّسعت متطلّبات حماية المنشآت.

وإذا كان الانتصار اليمني سيكرّس عجز الرياض عن فرض شروطها بالقوة، فإن التسوية لن تستعيد تلقائياً الفرص الضائعة أو تبدّد المخاطر التي دخلت حسابات المستثمرين. فقد فرضت المواجهة كلفتها بالفعل، وسيبقى على السعودية أن تدفع ثمن استعادة الثقة التي يحتاجها مشروعها الاقتصادي.

اخترنا لك