صنعاء تفرض قواعد اشتباك جديدة مع السعودية.. ماذا في السيناريوهات المقبلة؟
في مقابل استمرار التصعيد السعودي في اليمن، ترد صنعاء بفرض معادلات جديدة بهدف رفع الحصار ووقف العدوان، فما هي الخطوات المقبلة؟
-
صنعاء تفرض قواعد اشتباك جديدة مع السعودية.. ماذا في السيناريوهات المقبلة؟
من استهداف العمق السعودي والمنشآت النفطية والمطارات، وصولاً إلى مقر العمليات الحربية للسعودية في عدن، تتجه ردود صنعاء على التصعيد السعودي نحو مرحلة تتجاوز الرد العسكري التقليدي إلى فرض معادلات ميدانية جديدة عنوانها: "الرياض مقابل صنعاء"، "المطار مقابل المطار" و"النفط مقابل النفط" و"الحصار مقابل الحصار".
وهنا، تضع هذه التطورات الرياض أمام أسئلة تتعلق بكلفة التصعيد وحدود القدرة على احتوائه.
استهداف مقر العمليات الحربية في عدن.. تجاوز البعد العسكري إلى الرسالة السياسية
أمس الخميس، شهدت مدينة عدن هجوماً استهدف محيط "قصر معاشيق"، الذي يضم مقر العمليات الحربية للسعودية.
وتكمن أهمية تنفيذ هذه العملية، بحسب الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن في القوات المسلحة اليمنية عبدالسلام سفيان، في حديثه لـ "الميادين نت" في التوقيت الحساس جداً للسعودية، تزامناً مع إطلاقها عملية "فجر اليمن" عبر رئيس "مجلس القيادة الرئاسي" في اليمن رشاد العليمي "التي أتت بنتائج عكسية على النظام السعودي".
وأشار سفيان إلى أن هذه العملية "ستحدث إرباكاً هائلاً لدى قيادة المرتزقة في الداخل لحجم الخسائر التي مُني بها النظام السعودي من ضباط وجنود وكثير من قيادات الفصائل المسلحة".
وأكد سفيان أن هذه العملية "لن تكون الأولى ولا الأخيرة، ما يشكل قلقاً كبيراً لهذه الأدوات التي كانت تعتقد أنها بمنأى عن الصراع، وأن غرفة العمليات في عدن بعيدة عن الاستهداف".
وأضاف سفيان أن صنعاء أثبتت أنها قادرة على أن تصل من خلال رصد الاستخبارات الدقيق ومن خلال معطياتها الميدانية الدقيقة من تنفيذ هذه العملية، التي ستكون نقطة فارقة بين ما مضى والآتي.
"الرياض مقابل صنعاء".. نقل المواجهة إلى العمق السعودي
لا تبدو عبارة "الرياض مقابل صنعاء" مجرد شعار سياسي، بل تعبيراً عن محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الهجوم والرد، بحيث لا يبقى العمق اليمني وحده عرضة للاستهداف، وفق التصور الذي تطرحه القيادة في صنعاء.
وهنا تتداخل الرسالة العسكرية مع الرسالة السياسية؛ فصنعاء تريد إظهار أن مواصلة الحرب لن تبقى بلا تبعات على الداخل السعودي.
وعن هذه المعادلة، قال العميد سفيان لـ"الميادين نت" إنها "حتّمت على السعودية أن تحسب ألف حساب لضرباتها"، مشيراً إلى أن القوات المسلحة اليمنية حرصت على أن تتجاوز ردود صنعاء الضربات السعودية.
وأكد سفيان أن هذه المعادلة أوفت بالغرض ونتائجها يراها الجميع اليوم على الأرض.
"المطار مقابل المطار".. من السيطرة على الأجواء إلى استهداف البنية الجوية
وفي إطار ردها على العدوان الذي يستهدف مطار صنعاء واستمرار الحصار، أعلنت صنعاء معادلة "المطار مقابل المطار"، وهو ما فرض تداعيات على حركة المسافرين والتجارة.
وتعود هذه المقاربة إلى معادلة أعلنها قائد حركة أنصار الله السيد عبد الملك الحوثي في تموز/يوليو 2026، ربط فيها بين مطار صنعاء ومطار الرياض.
وفي 5 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت القوات المسلحة اليمنية، تنفيذ ثلاث عمليات استهدفت مواقع داخل السعودية، بينها مطار الملك خالد في الرياض ومصفاة أرامكو في رابغ ومواقع عسكرية.
ثم أعلنت القوات المسلحة اليمنية، في 11 تشرين الأول/أكتوبر، تنفيذ عمليات إضافية قالت إنها استهدفت مطار الملك خالد في الرياض ومطار الملك فهد في الدمام، إلى جانب منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، بينها محطة شقدم للغاز ومنشأة تناجيب النفطية.
عسكرياً، يحمل استهداف المطارات دلالات تتجاوز الأضرار المادية المحتملة.
فالمطار منشأة مدنية واقتصادية وسيادية، وأي تهديد أمني يحيط به يمكن أن يفرض إجراءات احترازية، ويؤثر في حركة الطيران وشركات النقل والتأمين وثقة المسافرين.
لكن التأثير الفعلي يتوقف على طبيعة الهجوم، ومدى نجاح الدفاعات الجوية في اعتراضه، وحجم الأضرار، والمدة التي تستغرقها المنشأة لاستعادة عملياتها.
كما أن التهديد المستمر للمطارات قد يفرض كلفة حتى في الحالات التي لا تتسبب فيها الهجمات بأضرار كبيرة، بسبب إجراءات الإغلاق المؤقت وتغيير المسارات ورفع مستوى التأهب.
في هذا السياق، قال سفيان إن السعودية لا تحتمل إغلاق المطارات، مشيراً إلى أن هذه المعادلة خطيرة جداً عليها بحيث باتت المملكة في عزلة دولية لناحية الحركة الجوية.
"النفط مقابل النفط".. الضغط على شريان الاقتصاد
إذا كانت المطارات تمثل واجهة الحركة الجوية، فإن المنشآت النفطية تمثل أحد أبرز مفاتيح الضغط الاقتصادي في المواجهة.
وتنبع حساسية مسار الاستهدافات لمنشآت النفط من طبيعة قطاع الطاقة السعودي، الذي لا تقتصر أهميته على الإيرادات النفطية، بل يمتد إلى الصادرات والاستثمارات وسلاسل الإمداد والارتباط بالأسواق العالمية.
فأي اضطراب واسع أو مستمر في منشآت الإنتاج أو المعالجة أو التصدير قد يثير مخاوف بشأن الإمدادات، ويؤثر في توقعات الأسواق وأسعار النفط، ولا سيما إذا ترافق مع توترات في ممرات بحرية حيوية.
وأكد العميد سفيان أن ضرب منشآت حيوية مثل "أرامكو" ستكون له تداعيات تتجاوز السعودية لتطال أسواق النفط العالمية.
وأشار إلى أن "أرامكو" تمثل عصب الاقتصاد السعودي وعموده الفقري، وأن استهدافها من شأنه التأثير في قدرة المملكة على تصدير النفط والإنتاج، فضلاً عن انعكاساته على الأسواق العالمية.
ودعا سفيان الجهات الداعمة للسعودية إلى إعادة النظر في موقفها، والضغط على الرياض لوقف الحرب ورفع الحصار، محذراً من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى "تداعيات كارثية" على السعودية، فضلاً عن تأثيراته الواسعة في أسواق النفط العالمية.
كذلك، فإن انتقال المواجهة إلى قطاع الطاقة يرفع مستوى المخاطر بالنسبة إلى الطرفين. فالسعودية قد تواجه أعباء أمنية واقتصادية إضافية، فيما يمكن أن يؤدي توسيع العمليات إلى زيادة الضربات على البنية التحتية اليمنية وتفاقم الأوضاع الإنسانية.
الحصار بالحصار
وتطرح صنعاء معادلة "الحصار بالحصار" بوصفها وسيلة للضغط على السعودية، وربط استمرار القيود المفروضة على اليمن بكلفة مقابلة تطال المصالح السعودية.
ووفق هذا المنطق، تسعى صنعاء إلى نقل تداعيات الحصار من الداخل اليمني إلى نطاق إقليمي ودولي أوسع، بما يضع الرياض أمام ضغوط متزايدة.
وأعلنت القوات المسلحة اليمنية، في تموز/يوليو الماضي، فرض حظر ملاحة على السفن المبحرة من السعودية والمتجهة نحوها، مع تأكيدها على سلامة الملاحة البحرية الدولية.
وترى حكومة صنعاء أن تثبيت هذه المعادلة قد يدفع نحو إنهاء الحصار وفرض تسوية تستجيب لمطالبها.
ما هي السيناريوهات المقبلة؟
وعن السيناريوهات المقبلة، أكد سفيان أن المرحلة المقبلة ستشهد مواصلة تثبيت معادلات المواجهة، وفي مقدمتها معادلة "الحصار بالحصار"، بهدف دفع السعودية إلى القبول بشروط صنعاء وإنهاء الحرب.
وأوضح سفيان أن صنعاء تعمل على ترسيخ هذه المعادلات تدريجياً، معتبراً أن استمرار المواجهة سيضيّق الخيارات أمام الرياض، ويدفعها إلى البحث عن مخرج من الأزمة التي دخلت فيها.
ورأى أن السعودية لا تحقق مصلحة من استمرار الحرب، معتبراً أنها تورطت فيها نتيجة استدعائها إلى المواجهة أو تنفيذها أجندات خارجية.
وكشف سفيان عن وجود تحركات سعودية باتجاه وسطاء دوليين بهدف التواصل مع صنعاء والتوصل إلى حلول تتيح تجاوز المأزق الحالي.
وحذّر سفيان من أن أي تدخل دولي إضافي، سواء من الولايات المتحدة أو "إسرائيل" أو أطراف إقليمية، سيرفع كلفة الصراع.
وأكد سفيان أن صنعاء مستعدة لمواجهة تحديات أكبر وعلى مختلف المستويات، مشيراً إلى أن الخيارات المقبلة تتراوح بين التوصل إلى تسوية تحقق المطالب اليمنية، أو توسيع نطاق الصراع ورفع كلفته على الأطراف المشاركة فيه.
وهنا، يبقى السؤال: مع استمرار التوتر في المنطقة نتيجة العدوان على إيران.. أي تداعيات إضافية سيفرضها أي تصعيد محتمل في العدوان على اليمن على المنطقة والعالم؟